الأحد، 24 يناير، 2016

قصص رعب احمد يونس على القهوة 2016 Stories Ahmed Younes اروع قصص رعب مكتوبة على الانترنت

لمتابعة القصص الجديدة يوميا اضغط اعجبني ( like )

 قصص رعب احمد يونس على القهوة 2016 Stories Ahmed Younes اروع قصص رعب مكتوبة على الانترنت


قصص احمد يونس


اذا كنت ستتابع قصص رعب احمد يونس رعب على القهوة هنا فيجب عليك ان يكون قلبك من حديد واذا كان غير ذلك فعليك الخروج فورا فالقصص هنا لاصحاب القلوب الجريئة فقط ولا مكان هنا لاصحاب القلوب الضعيفة هذة رسلتنا لك قبل ان تتابع القراءة فما علينا الا البلاغ


قصص احمد يونس رعب " السجادة "


وضع بائع السجاد بضاعته أمام منزل السيدة قائلا :"اختاري ما يعجبك" ..

أخذت تقلب في السجاجيد القليلة التي ألقاها على الأرض .. كانت جميعها متشابهة مع اختلافات بسيطة في اللون ، عدا سجادة واحدة بدت لها مميزة بزخارفها وخامتها. لاحظ البائع اهتمامها بها فأخذ يخترع لها - بخبرته - مزايا متعددة واستخدامات مختلفة ومنافع كثيرة لهذه السجادة.

قصص احمد يونس قلبت السجادة على وجهها الآخر لتجد آثارا مغسولة لبقعة كبيرة ، سألته :"هل هذه السجادة جديدة أم مستعملة ؟" .. أظهر البائع غضبا مصطنعا وهو يؤكد لها أنه لا يبيع إلا بضاعة جديدة يأخذها من محل شهير ويدور بها على المنازل وأنه ليس كباقي الباعة النصابين ، أما هذه البقعة فهي ربما قليل من الماء انسكب على السجادة في المخزن أثناء التنظيف ، وهي ستزول مع أول غسلة وحتى إن لم تزل فهي في الجهة السفلى من السجادة ولن يراها أحد ..

تعرف أنه يكذب وأن كل بضاعته مستعملة يجمعها من البيوت التي تستغني عنها ويغسلها أحيانا بنفسه أو في مغسلة إذا كانت في حالة سيئة جدا .. وإلا لماذا يبيع هذه السجادة الأنيقة بهذا الثمن البخس ؟



وقد وجدت في هذه البقعة سببا وجيها لاعطائه أقل مما طلب مقابل الحصول عليها وهو لم يعترض كثيرا في الواقع .. حمل السجاجيد الباقية وانصرف ، ودخلت هي لمنزلها بالسجادة..

و قصص احمد يونس في غمرة فرحتها بالصفقة الرابحة ، استيقظت حماتها التي تعيش معها في المنزل.. ففردت السجادة أمامها وهي تسألها عن أفضل مكان لوضعها ، وعرضت عليها أن تأخذها في غرفتها إن رغبت خاصة والشتاء قادم ..

وضعت حماتها نظارة الرؤية وتطلعت للسجادة المفرودة لثانيتين ثم صاحت : "هذه السجادة لا تدخل بيت ابني ، أعوذ بالله ، قلبي منقبض منها !"

دهشت الزوجة من تصرف حماتها وحاولت اقناعها بالهدوء واللين ، إلا أن العجوز خلعت نظارتها ورفضت أن تلقى نظرة أخرى على السجادة ولا أن تناقش قرارها برفض السجادة تماما في أي مكان في الشقة ولا حتى خارج الشقة على السلم ..

ولم يكن بيد الزوجة إلا أن تتصل بزوجها باكية لتخبره بتصرفات أمه التي تتعمد مضايقتها دائما ، فأشار عليها الزوج أن تتحلى بالحكمة وان تنادي بائع السجاجيد ليأخذ سجادته وأن تستبدل بها سجادة أخرى .

أما حماتها فقد هزت رأسها في تعجب من بنات هذه الأيام اللاتي أصبن بالعمى في البصيرة وإن كانت أبصارهن سليمة ، إذ كيف لا ترى زوجة أبنها أن هذه السجادة لا تصلح لمنزلهم ..

لا تصلح أبدا ..

وفي منزل آخر ليس بعيدا كان يعيش "فؤاد" مع أخته الصغيرة "فايزة" وحدهما منذ أن توفى والداهما .. وقد تم تقسيم العالم إلى جزئين : داخل البيت وهو الجزء الخاص ب"فايزة" تعرف عنه كل شيء وتتصرف فيه بحريتها التامة ، وخارج البيت وهو عالم "فؤاد" يعمل ويخرج مع أصحابه ويسافر ويعود ويفعل ما يحلو له..

قصص احمد يونس ولأن التقسيم لم يكن عادلا في رأي "فايزة" على الأقل ، فقد كانت هناك ثورات محدودة تقوم بين الحين والآخر تطلب فيه "فايزة" أن تخرج من عالمها المحدود لتقابل صديقاتها أو ترى شيئا من الدنيا التي لا تعرفها إلا من خلال شاشات التلفزيون المحلية. لكن هذه الطلبات لم تكن تلقى أي قبول من "فؤاد" الذي كان يتعلل بالخوف عليها تارة وتارة أخرى بأنها ليست لها صديقات لتخرج معهن ، متجاهلا حقيقة أنها لم تعطى فرصة لتكوين صداقة أصلا ..


قصص احمد يونس وبعد أن تهدأ هذه الثورات كان "فؤاد" يراجع نفسه ويكتشف أنه ربما يكون ظلم أخته قليلا وأنه يجب أن يصالحها بهدية بسيطة .. فهو يعرف أن حدود تقسيم العالمين ربما تحتاج إلى مراجعة قليلا ، لكنه لا يملك الشجاعة الكافية للاعتراف بذلك وليس لديه تصور عن التقسيم العادل ويخشى أن يترك لأخته المجال أكثر مما ينبغي فيتحمل مسؤوليات كبيرة.. فليأخذ بالأحوط ويحتفظ بالتقسيم القديم وليحرص بين الحين والآخر أن يكسب ودها بطريقة أخرى ..

قصص احمد يونس دخل "فؤاد" على أخته هذا اليوم وهو يقول :"أختي حبيبتي ، لقد أحضرت لكي هدية رائعة .. أنا واثق أنها ستعجبك ..
ابتسمت ، فهي رغم كل ثوراتها طيبة القلب سهلة الإرضاء .. الآن أضيف إلى عالمها الصغير شيئا جديدا ..
أصبح لديها سجادة ..



* * *

وضعت "فايزة" الهدية على أرضية الصالة الرئيسية للمنزل ، وبالتالي قصص احمد يونس أصبحت السجادة مشتركة بينها وبين أخيها ، وهي متاحة أيضا لمن يأتي من الضيوف النادرين .. لم تكن تعتبر "فايزة" السجادة ملكها ، ولا كل هدايا أخيها السابقة أيضا ، فهي تعرف أن السجادة ضرورية للصالة وأن أخاها أراد أن يستغل فرصة شرائها من أحد الباعة المتجولين ليوهمها أنه اشتراها لها ..

طيب هو "فؤاد" ، لا تنكر هذا .. لكنه دائما يقابل محاولاتها للخروج من الشرنقة بحزم وكأن اطلاعها على ما هو خارج حدود المنزل سينتقص من عالمه وأنه لا مجال لأن يشتركا معا في مساحة واحدة .. كانت تتمنى أن تذهب بعيدا وأن تتحرك بحرية أكبر.. كانت تنظر لقدميها وتتساءل إن كانت بامكانهما الجري ؟ لا تعرف الإجابة لأن نصيبها من الدنيا محدود بالمنزل الصغير الذي لا يمكن الجري فيه ..

و"فؤاد" الذي كان يخاف عليها من الخروج من المنزل ، أصبحت لديه في الآونة الأخيرة مخاوف أخرى من العقد النفسية التي ربما يسببها طول الحبس بين الجدران الأربعة .. خاصة بعد أن لاحظ أمورا غير معتادة وليس لها تفسير منطقي ..

"أين اختفى قميصي الجديد ؟" ، سألها وهي نائمة على السرير .. قالت :"لقد تركته في الصالة بعد أن قمت بكيه ولم أره بعد ذلك"..

"ساعتي لا أجدها" .. ترد "ربما تكون وقعت منك في الطريق ، اشتري غيرها ."

"يسعدني أنك أكلت من التفاح ، مع أنك دائما تقولين أنك لا تحبينه " .. تندهش وتقول :"أنا لم آكل شيئا .. أنا صائمة !

* * *



أكثر من حادثة غريبة وقعت في أسبوع واحد قصص احمد يونس كان يفكر "فؤاد" وهو في نائم في غرفته .. حياته الرتيبة مع أخته تتغير ، فكل يوم تقريبا يختلفان على أمر ما ، أحيانا تتحرك أشياء من مكانها وتنكر هي أنها فعلت ذلك ، وأحيانا تختفي الأشياء تماما ! وهذا عجيب جدا ، فهي لا تخرج من البيت فأين ذهبت بساعته التي يضعها في نفس المكان كل يوم منذ سنوات ولا يمكن أن ينسى مكانها أبدا .. لو كانت تخرج لقال إنها سرقتها وباعتها ..

طرد هذا الخاطر من ذهنه ، أخته لا يمكن أن تفعل هذا ، ثم أنه لا يحرمها من أية نقود تطلبها ، ولا يبخل عليها في أكل أو شرب أو ملابس ، وبين الحين والآخر يهبها هدية أو يعطيها مبلغا من المال في يدها ..

التفسير الوحيد هو أن أخته ضاقت بسجنها وأن حالتها النفسية هي التي تدفعها لهذه الأفعال الغير مفهومة .. غدا سيستشير صديقه الذي درس الاجتماع وعلم النفس وسيرشده للحل .. مع أن هذا الصديق لا يعمل في هذا المجال ، لكنه الوحيد الذي يمكن أن ياتمنه على أسرار العائلة ، لا يمكن أن يذهب بأخته لطبيب نفسي حقيقي ويسيء إلى سمعتها وسمعة العائلة التي حافظ عليها طول عمره ..

كان قد أغلق عينيه قصص احمد يونس عندما أحس بحركة في الصالة ! لم يسمع أي صوت ولكنه مجرد احساس أن شيئا ما يتحرك هناك .. أخته تنام قبله نوما عميقا ونادرا ما تستيقظ قبل الفجر ، فماذا عساه يكون في الصالة إذن ؟

تسلل بحذر إلى الزاوية التي يمكن أن يرى منها الصالة قصص احمد يونس ثم تردد في أن يلقى عليها نظرة.. فالذي يتحرك دون أن يحدث صوتا في الليل هو شخص أو شيء رهيب .. لعله لص محترف !

تراجع للخلف ودخل غرفة أخته ، أيقظها بهلع وقال بصوت منخفض : "هناك لص في الصالة !" .. والحق أنها لم تخف ، فوجود أخيها سيحمها من اللص ، بل إن شيئا من السرور دخل على نفسها لأن اللص أمر جديد في حياتها المملة ، سيكون هناك الكثير من الإثارة وسيجري الأدرينالين في دمائها لأول مرة منذ سنوات .

قامت مع أخيها وبحرص شديد اقتربا من الصالة ، وبدا واضحا لهما أن هناك حركة فيها بسبب انعكاس الضوء على الحائط المقابل .. تسمرا مكانهما للحظة اختفت خلالها حركة الضوء الساقط على الحائط وعاد إلى سكونه.. تبادلا النظرات وقررا أن يقتربا أكثر ببطء حتى أصبحت الصالة كلها أمامهم ..


لم يكن هناك أي شيء غريب في الصالة .. كل قطع الأثاث البسيط في مكانها واللوحات مكانها وحتى الأتربة التي لم تنظفها "فايزة" منذ أسبوع كانت كما هي .. بحسم قال "فؤاد" :"يبدو أني متوتر من العمل ومن التفكير في بعض الأمور .. وربما كان هناك فأر وخرج من حيث دخل قصص احمد يونس إنه شباك المطبخ المكسور بكل تأكيد .. " واستدار للمطبخ ليضع لوحا من الخشب على القطعة المكسورة من الشباك مؤقتا حتى يستدعي النجار لإصلاحه ..

أما "فايزة" فلم تقتنع بهذا التفسير قصص احمد يونس إنها تعيش في البيت أكثر من أخيها وتعرف كل قطعة فيه .. بل إنها تعرف ترتيب ذرات الهواء في كل غرفة كيف كانت عندما تركتها آخر مرة .. واحساسها الداخلي يخبرها بأن ما كان في الصالة ليس فأرا بالتأكيد .. وبما أن قطع الأثاث القديم ليست من عادتها أن تتحرك ، فإن الأحتمال الباقي هو أن السجادة هي التي تحركت .. وارتجف قلبها لهذا الخاطر وهي تسرح في الزخارف العجيبة التي زينت بها السجادة وخيل إليها أنها عبارة عن وجه ، وأن الوجه يبتسم لها !

* * *

لعدة أيام أخرى لم تجرؤ "فايزة" قصص احمد يونس على تنظيف الصالة أو النظر في "وجه" السجادة ، مع إيمانها بأن السجاجيد لا تتحرك ، ومع أن السجادة فوقها كراسي ومنضدة ثقيلة ، فحتى لو كانت تمشي فإن قطع الأثاث ستمنعها ، مالم تكن السجادة أقوى منهم فتطرحهم أرضا وتسير بحرية في الشقة !


كانت تعرف أن هذه خواطر فارغة وغير حقيقية .. السجاد لا يتحرك ولا يبتسم ، هذه حقيقة يعرفها الجميع .. وقد حان الوقت للقيام بتنظيف الأتربة من الصالة وتجاهل هذه الأوهام .. كان أخوها خارج المنزل وهي لا تجد ما تفعله ككل يوم . اتجهت للصالة وبدأت تنفض التراب عن الكراسي وتمسح اللوحات ..

استغرقت في التنظيف ونسيت كل ما يخص السجادة التي استقرت على أرض الصالة ، تعمل في بطء فهي ليس لديها شيء آخر تفعله حتى نهاية اليوم. قصص احمد يونس  صعدت فوق كرسي لتمسح لوحة وألتفتت عفويا إلى الأرض حيث ستسقط الأتربة التي تنفضها من اللوحات ، والتي ستكنسها بعد ذلك في الخطوة الأخيرة من عملية التنظيف .. ولكنها تسمرت في مكانها عندما لاحظت تلك الآثار .. كانت هناك آثار واضحة لقدم شخص سار على هذه البقعة !!

نزلت من على الكرسي وأخذت تتفحص الآثار .. ففي الأسبوعين السابقين لم تسر هي في هذا المكان من أرض الصالة بالتأكيد ، ولا أخوها يسير حافيا على البلاط هكذا .. ثم إن هذه القدم أكبر بكثير من قدمها أو قدم أخيها .. هناك شخص ما كان يسير هنا ، ويبدو أنه نسي أن يزيل آثار أقدامه أو لم ينتبه لها أصلا ..

لكن السؤال الذي دار بذهنها هو : مين أين جاء صاحب هذه الآثار ؟ وأين اختفى ؟ هل هو رجل خفي يسير ولا يراه أحد لكنه يترك آثاره على الأرض كما يحدث في الأفلام ؟

كان لديها شعور بأن للسجادة دور في هذه الأمور كلها ،لعلها هي التي كانت تتحرك ، وربما كان لها أرجل أيضا .. ورغم سذاجة الفكرة إلا أنها لم تستطع أن تقاوم رغبتها في رؤية السجادة من الجهة السفلى لتتأكد من أنها بلا أرجل !

قلبت السجادة ، وخاب ظنها عندما رأتها سجادة عادية جدا . كل ما يميزها هو بقعة من سائل ما ، يبدو أنه انسكب عليها وقد غسلت آثاره من الجهة العلوية فقط . واضح أن هذه السجادة مستعملة ، وهي لم تتفاجأ بالأمر فمنذ أن دخل بها أخوها حاملا إياها هو والبائع وهي تدرك هذا. إن للسجاد الجديد رائحة وملمس لا يخطئهما أحد ..

القصة تتضح إذن ، هذه سجادة انكسب عليها شيء فتخلص منها أصحابها ، وقد غسلها بائع السجاجيد وباعها لأخيها.. لكن ما علاقة هذا بآثار الأقدام ؟ وما الذي يتحرك في الصالة في الليالي ؟ بل أين أختفت ساعة أخيها والأغراض الأخرى ؟

خطر تفسير واحد ببالها قصص احمد يونس وهو تفسير علمي تماما ، قصص احمد يونس نابع من متابعتها لبرنامج الدكتور مصطفى محمود عن العلم والإيمان وبعض حلقات الخيال العلمي الأجنبية ورواياتين أو ثلاثة للدكتور نبيل فاروق أحضرهم لها أخوها ذات يوم كهدية صلح بعد أحد الخلافات ..



التفسير هو أن هذه البقعة هي فجوة بين عالمين ! هناك سائل رهيب انكسب على السجادة وفتح الحاجز الذي يفصل بيننا وبين الجن أو الأشباح أو أي مخلوقات أخرى قصص احمد يونس . وهذه المخلوقات تخرج من البقعة لتمرح في الشقة وتسرق الأغراض ، ثم تعود إلى عالمها !

سوف يضحك أخوها من هذا التفسير ويتهمها بالجهل ولن يصدقها أحد .. حتى هي نفسها ستشك في عقلانية الفكرة واحتمال حدوثها إذا جادلها أخوها قليلا .. عندما يعود ستسأله إن كان هو صاحب هذه الآثار أو إن كان لديه تفسيرا أكثر عقلانية لوجودها ..

أما الآن فقد نوت أن تغسل آثار السائل التي على ظهر السجادة ، فإن لم تكن هذه الآثار بوابة بين عالمنا وعالم آخر ، فهي بقعة غير نظيفة يجب أن يتم غسلها بالماء والصابون المعطر والكلور.. جهزت أدوات التنظيف وبدأت العمل دون أن تدرى أن ما تفعله خطير .. وأن ما سيترتب عليه أشد خطورة !


* * *



عاد أخوها في نهاية اليوم قصص احمد يونس وقبل أن يخلع ملابس العمل أخذته من يده إلى آثر القدم المطبوعة في التراب.. كانت قد غسلت السجادة جيدا وأزالت ما كان بها من أوساخ ولكنها لم تكمل تظيف الصالة حتى تظل آثار الشخص أو الشيء الذي كان يسير عليها موجودة ..

وعندما أتمت شرح نظريتها حول العالمين الذين انفتحا على بعضهما من خلال بقعة في سجادة الصالة ، مؤيدة كلامها بآثار الأقدام التي لم تكن لأخيها طبعا ، بدأ هو يحلل الأمور من وجهة نظر أخرى مستعيدا كلام صديقه ومستشاره في الأمور النفسية ، والذي كان قد فاتحه في مشكلة أخته على استحياء .. فقال الصديق :

"أختك تعاني من الوحدة ، قصص احمد يونس إن الحبس الأنفرادي كعقاب للمجرمين هو من أقسى العقوبات لما يحدثه من تدمير لطاقة الفرد الحيوية والنفسية ، وأنت مخطيء في تعاملك مع أختك ، وهي حاولت أن تنبهك بالكلام والنقاش وأحيانا بالشجار حول أي سبب مهم أو تافه ، فقط لتظهر لك عدم رضاها ..

وأخيرا عندما لم تفلح كل هذه الوسائل  قصص احمد يونس بدأت في محاولة لفت انتباهك بطريقة أخرى وذلك عندما تركت شباك المطبخ المكسور مفتوحا ليدخل منه فأر ، واستغلت وجود الفأر لتصنع قصة عن لص أو شبح .. ولا أستغرب إن كانت ستؤلف لك غدا قصة عن كائنات فضائية تخرج من الثلاجة 

اسمع يا "فؤاد" ، أختك بحاجة إلى أهتمام أكبر منك وبأن تفتح لها مساحة في عالم الواقع بدلا من أن تفتح لنفسها هي بابا لعالم الأوهام والأمراض النفسية المعقدة ، وعندها لن استطيع أن أفيدك وستضطر للذهاب إلى طبيب نفسي حقيقي .. أرجوك حاول أن تساعدها وإن كان هذا سيتطلب منك مجهودا أكبر  قصص احمد يونس وتذكر أن لا الهدايا ولا الأموال يمكنها أن تنفع من كان في الحبس الإنفرادي .."

لقد اختلقت أختى كل هذه الأحداث وربطتها مع بعضها بخيال تحسد عليه قصص احمد يونس ولم تكتف بهذا ، بل صنعت هذه الآثار بمهارة .. إنها تبدو حقيقة لولا أنه يستحيل أن يكون هناك من سار في هذه المنطقة من الصالة دون علمه أو علمها.. كما أن أثر القدم الي صنعتها "فايزة" تبدو غير متقنة ولا يمكن أن تكون أدمية أبدا ..



* * *

في تلك الليلة ساد الهدوء الشقة ولم تكن هناك أي أصوات غريبة ، حتى أن "فايزة" قررت أن تنام نوما هنيئا بعد أن أغلقت بوابة الجحيم كما تصورت .. كانت تتخيل أنها لا تقل بطولة عن أقوى الرجال ، قصص احمد يونس فهي بغسيلها للبقعة التي كانت على ظهر السجادة قد حمت الأرض كلها من شر لا يعرف أحد حدوده !

وفي غمرة فرحها بالإنجاز الذي لم يعترف به أخوها ، شعرت بالعطش فتوجهت للمطبخ لتحضر كوبا من الماء .. تحركت في خفة حتى لا يستيقظ أخوها منزعجا ، ولما اقتربت من الصالة أحست بحركة خاطفة .. انتابها القلق من أن يكون انجازها الكبير في تنظيف الصالة لم يؤت كل ثماره وأن الفجوة لا تزال مفتوحة ، فوقفت خلف ستارة بعيدة تنظر للصالة في الظلام متفحصة كل شبر فيها ..

كان كل شيء في مكانه ، لا يوجد ما يثير الاستغراب أو يدعو للقلق .. لكنها استمرت واقفة في مخبئها ربع ساعة لا تتحرك لتتأكد تماما من أن كل شيء على ما يرام.. وبعد فترة من الاختباء أدركت أنها لا فائدة مما تفعله فهمت بالعودة إلى المطبخ لتحضر كوب الماء ، عندما لمحت حركة خفيفة على سطح السجادة ..

لم تتبين طبيعة الحركة وهي بعيدة نسبيا عن السجادة ، وخافت أن تقترب فتتوقف الحركة .. انتظرت في مكانها حابسة أنفاسها وهي ترى خيوط السجادة تخرج منها وتدور حول نفسها في الهواء كأنها اعصار صغير ، ثم تتجمع في شكل غير واضح ..


مرت ثوان والشكل يتكون .. حتى ظهر بوضوح رغم الظلام رجل كامل ! رجل ضخم من خيوط ووبر مختلفة الألوان ، لكنها قصص احمد يونس بدت متناسقة عليه كأنها لباس مزخرف وكان بها شبه كبير من زخرفة السجادة التي بدت في هذه اللحظات عارية إلا من بعض الخيوط القليلة التي بقيت متعلقة بأطرافها ..

كان وجه الرجل ينظر إلى زاوية غير التي تختفي فيها "فايزة" ، ولهذا لم يلمحها وهي تفتح فمها في انبهار وخوف دون أن يصدر عنها أي صوت.. قام رجل السجادة بتحريك جسده كأنه كان محبوسا في صندوق ضيق وتحرر منه.. أخذ يشد أطرافه في حركات أشبه بتمارين رياضية ، فبدت عضلاته المكسوة بالخيوط الملونة للسجادة في منتهى التناسق والجمال ، وأطراف الخيوط تتمايل مع حركاته في مشهد ساكن رهيب ..


وقصص احمد يونس كان هذا فوق احتمال "فايزة" فشهقت في فزع شهقة قوية انتبه لها رجل السجادة ، فالتفت فجأة إليها والتقت عيناه بعينيها لمدة لا تزيد عن جزء من مائة جزء من الثانية ، تفكك بعدها فورا وعادت الخيوط إلى أماكنها في ثانية واحدة !



وعلى صوت الشهقة استيقظ "فؤاد" مفزوعا ومتضايقا في نفس الوقت ، متوقعا من أخته حكاية جديدة تلفت بها انتباهه لمشاكلها التي يعرفها وقد قرر بالفعل أن يبدأ في حلها .. في كلمات متقطعة أخذت تصف له الرجل الذي تكون جلده من خيوط السجادة وكيف أنه كان يقف في الصالة ويتحرك ثم عاد مرة أخرى إلى السجادة عندما رأها ..


كان الوقت متأخرا و"فؤاد" يريد أن ينام ليلحق بعمله في الصباح الباكر ، ولذلك وقف بعصبية على السجادة وأخذ يقفز عليها قائلا :"هذه هي السجادة .. لا شيء فيها ، لا رجال ولا نساء ولا شيء ، انظري إليها ، تعالي قفي عليها ، امسكيها.. هل فيها أي شيء غريب ؟ هل أصابك الجنون ؟ هل .." ثم قطع عبارته بغتة عندما لاحظ شيئا وأخذ يتأمل السجادة لحظة ..

قطعت تأمله "فايزة" عندما ارتمت عليه باكية ، ورجته ألا يتركها في البيت وحدها ، وأن يلقي بالسجادة خارج المنزل .. وأن يأخذها معه إلى العمل إذا لم يكن هناك مكان تذهب إليه .. ضمها إليه وأخذها إلى غرفتها مهدئا إياها دون جدوى ، إذ ظلت تبكي حتى الصباح رافضة أن تنام أو تتركه ينام إلا في نفس الغرفة جوارها قبل الفجر بقليل عندما نفذت طاقتها ونامت هي أيضا ..

أما "فؤاد" فقد استيقظ لعمله وارتدى ثيابه بينما اخته نائمة ، ومر بالصالة ناظرا إلى السجادة محاولا تذكر شيء ما خطر على باله بالأمس لكنه نسيه .. هناك شيء غير مريح في السجادة لكنه لا يعرف ما هو .. نفض عن رأسه هذه الأفكار ونزل من البيت .. تاركا أخته نائمة وحدها ، مع السجادة ..  أو قصص احمد يونس بعبارة أدق مع رجل السجادة ..



* * *



كان قد تأخر على ميعاد العمل بسبب سهرة الليلة الماضية .. فأسرع الخطوات نحو الطريق العمومي ليستقل سيارة أجرة.. لكنه لمح على ناصية الشارع المقابل رجلا يحمل سجاجيد ، إنه البائع الذي اشترى منه السجادة.. أسرع نحوه وحياه.. استقبله الرجل بترحاب عارضا عليه سجاجيده الجديدة ومذكرا إياه بأنه باع له في المرة السابقة سجادة مميزة. فقال "فؤاد" عندئذ :" هذا ما جئت لك من أجله ، كنت أريد أن أسألك من أي منزل أشتريت هذه السجادة التي بعتها لي من قبل ؟" ، بدأ الضيق على الرجل وحاول انكار أنه يبيع سجاجيد مستعملة ، وعاد يكرر حكاية شركة السجاد التي يعمل بها كمندوب مبيعات !


قال "فؤاد" : "اسمعني جيدا ، ساعطيك ثمن السجادة مرة أخرى لو أخبرتني من أين أخذتها ، أي بيت باعها لك ؟ إنه ليس بعيدا عن هنا بالتأكيد فأنت لن تقدر على حمل السجاد لمسافة كبيرة دون سيارة"

رد البائع وهو بين الرجاء في الانتفاع بالمال من "فؤاد" وبين الخوف على سمعته إن اعترف بأن سجاده مستعمل :"أنا لم يسألني أحد من قبل هذا السؤال رغم أني أعمل في بيع السجاد منذ كنت طفلا.. لم يطلب أحد أن يعرف أين كانت سجادته قبل أن تصل إليه .. إن هذا سيسبب لي مشكلة مع أصحابها الأولين ولن يفيد صاحبها الجديد.."

قال "فؤاد" : "الجميع يعلم أن سجادك مستعمل وأنك تأتي به من المنازل ، لا تضيع وقتي من فضلك وأعطني عنوان المنزل الذي اشتريت منه السجادة ، إن السجادة تعجبني وأريد أن أعرف من أي مصنع حصلوا عليها وبكم ، لن يسبب لك هذا أية مشاكل .." ، وأخرج من جيبه بعض النقود ليعدها أمامه ..

قال البائع وعينه على النقود التي تتحرك في يد "فؤاد" : "لقد نسيت العنوان يا سيدي ، إن هذا الأمر كان من فترة طويلة".

ولكن النقود التي يعدها "فؤاد" وصلت إلى ما يساوي ثمن السجادة مرة ونصف ، قصص احمد يونس وهو مبلغ لا يكسبه البائع إن عمل أسبوعا متواصلا خاصة في هذه الأيام التي ليس فيها بيع ولا شراء ..



قال البائع :"حسنا ، لقد تذكرت .. إن أصحاب هذه السجادة ليسوا هنا .. إنهم في حي (..) ، شارع (..) ، تدخل يمينا إلى شارع صغير ، ستجد محلا اسمه (..) وعلى الجهة المقابلة ستجد سيدة جالسة على كرسيها في الشارع ، اسألها عن منزل الأستاذ (..) ، وحاول أن تخبرها في البداية أنك لست من الحكومة لأن مظهرك يوحي بأنك موظف ، وهي تبيع الدجاجات المذبوحة بطريقة لا تخضع لرقابة "الصحة" ، اذهب إلى المنزل واصعد الدور الثالث ، أول شقة على يمينك هي التي أخذت منها السجادة "

اختطف البائع النقود من يد "فؤاد" ، واستدار راجعا للشارع الرئيسي وهو ينوي ألا يبيع أو يشتري اليوم احتفالا بهذه المكسب.. رفع هاتفه المحمول إلى أذنه وتحدث إلى أحدهم طالبا منه أن يحضر السيارة.. هنا فهم "فؤاد" كيف وصلت السجادة من ذلك الحي البعيد إلى هنا ، إن هناك سيارة ربما لصديق أو شريك للبائع تحمل السجاد من منطقة لأخرى .. بدا هذا منطقيا ، إذ لا يصح أن يبيع السجاد المستعمل لجيران في نفس المنطقة فيزور بعضهم بعضا ويشاهدون سجادهم ، وينكشف أمره ويعرف الناس أن السجاد كله مستعمل.


وضع "فؤاد" العنوان في جيبه ، وتوجه إلى عمله وهو لا يدري لماذا أنفق هذا المبلغ الكبير على العنوان .. ربما يكون قد تسرع قليلا ، فماذا سيفيده معرفة أصحاب السجادة السابقين ؟ إن السجادة عادية تماما وليس فيها أي شيء مريب ، ماعدا شيء واحد كان قد لاحظه بالأمس لكنه لا يتذكر ما هو .. عموما العنوان لن يضر في شيء.. وأخته الآن في أمان ، فحتى لو كانت هناك وحوش تخرج من السجادة فإنها لن تغامر بالخروج في وضح النهار ..

هدأ باله وهو يدخل لمكان عمله ويجلس على مكتبه ويشعر أن الأمور كلها تحت السيطرة ، وهو لا يدري أنه قد ترك أخته التي كان يخاف عليها من نسيم الهواء وحدها في شقة صغيرة مع كائن ضخم مخيف .. كائن لا يعرف معنى الليل ولا النهار .. ولكنه يخرج من السجادة متى يحلو له ..


* * *



استيقظت "فايزة" من النوم متأخرة ، وتذكرت أحداث الليلة السابقة ولكنها لم تكن خائفة فقد كانت تحلم للتو بحلم جميل ، فيه رجل قوي يحتضنها ويأخذ بيدها ويقبلها .. بينما تراقصت على شفتيه خيوط ملونة بتناسق بديع وكانت له نفس عين رجل السجادة..

إنها تلك الأحلام المركبة ، الرغبة في الزواج تداخلت مع شكل رجل السجادة لتصنع هذا الحلم العجيب .. وانتبهت "فايزة" إلى أن رجل السجادة هذا هو أول رجل تراه في حياتها غير أخيها منذ سنوات ! خرجت إلى الصالة وجلست بالقرب من السجادة وأخذت تحدثها :"لا داعي للاختباء ، أنا وأنت نعرف أنك موجود .. اخرج وكلمني ، أنا وحيدة مثلك .. أعرف أنك لن تؤذيني ، وأنا أيضا لن أضرك في شيء .. هيا .. تكون كما تكونت بالأمس ولا تخف .. لن يعود أخي الآن"

استمرت تتكلم هكذا دون أن يحدث شيء حتى بدا لها أنها جنت .. ولكن أطراف السجادة بدأت تتحرك .. خفق قلبها وارتعدت أطرافها كطفل يقرأ في كتب الجن غير مصدق لها وفجأة يظهر له جنيا ! أعادت كلماتها ورجاءها مرات ومرات ..

إنها وحدها في المنزل وليس هناك أكثر إثارة من مداعبة هذه السجادة الغريبة .. لكن السجادة لم تكن تلعب . إن اللعب ليس موجودا في قاموس رجل السجادة ، فعندما يناديه أحد بهذه العبارات فإن هذا معناه أن يخرج .. يخرج لمهمة محددة طال انتظارها ..

* * *



فجأة وبدون مقدمات تذكر "فؤاد" وهو على مكتبه في العمل .. زخارف السجادة التي رآها بالأمس لم تكن منتظمة ! هذا ما لفت نظره قبل أن تبدأ أخته في البكاء.. فعندما عاد الرجل بسرعة إلى السجادة لم تنتظم الزخارف في نفس الأشكال بالظبط ..

إذن ربما تكون أخته على صواب .. رغم صعوبة تقبل الفكرة ، لكنه التفسير الأقرب للمنطق لما حدث لزخارف السجادة .. ليس معقولا أن أخته هي التي فككت الخيوط والوبر وفعلت هذا ..

أخرج العنوان من جيبه واستأذن من عمله ليغادر مبكرا .. سمح له مديره بصعوبة فقد جاء متأخرا أصلا ، لكنه أخبره أن اخته مريضة وهو يرجو في داخله ألا يتجاوز الأمر مسألة المرض والخيالات ..

استغرق الطريق إلى ذلك المنزل ساعتين ، لكنه وصل إلى الشقة التي كانت ترقد على أرضها تلك السجادة الرهيبة ذات يوم.. طرق الباب بحرج ، وهو يحاول أن يتذكر الكلمات التي جهزها طوال الطريق ليقولها في هذا الموقف..

فتح الباب رجل عجوز يتحرك بصعوبة ، وإن كانت نظراته تشي بذكاء واضح .. أرتبك "فؤاد" قليلا وهو يشرح سبب حضوره :"لقد اشتريت سجادة من أحد البائعين و .." ، لم يكمل عبارته فقد قاطعه الرجل باشارة من يده داعيا إياه للدخول !

زال الارتباك عن "فؤاد" وحلت مكانه الدهشة ، فالرجل يبدو وكأنه يتوقع قدومه .. جلس "فؤاد" حيث أشار إليه الرجل وظل صامتا في انتظار أن يسمع منه شيئا عن السجادة ، لكن الرجل لم يتكلم .. فتنحنح "فؤاد" وقال :"هي سجادة جميلة ، ولكن أختي الصغيرة لديها خيال واسع ، تقول إن هناك رجل يخرج من السجادة .. طبعا أنا لم أصدق هذا الكلام لكن بالأمس فقط لاحظت أن زخارف السجادة قد تغيرت. لا أعرف إن كانت هذه تهيؤات أم حقيقة .. قررت أن أحسم الأمر وآتي إليك لتخبرني ما أمر هذه السجادة ؟"

لم يجب الرجل مباشرة ، بل التقط نفسين أو ثلاثة قبل أن يرد بهدوء :"اسمح لي أن أعرفك بنفسي في البداية ، أسمي هو "عماد" ، وأنا رجل عجوز وحيد لا يؤنس وحدتي إلا أحفادي الذين يأتون من منزلهم في الشارع الخلفي .. وفي الصيف الماضي كنت في رحلة طويلة وطلبوا مني مفتاح المنزل لكي يأتوا مع أصحابهم ويوصلوا جهاز الألعاب بالتلفزيون الجديد الذي اشتريته.. لا أحب أن يدخل أحد بيتي في غيابي ، لكن هؤلاء الأولاد كثيرا ما يسألون عني وعندما تصل إلى مثل عمري ستفهم معنى أن يسأل أحد عنك وأنت لم تعد لك فوائد كثيرة"

"لا أعرف ماذا حدث بالظبط ، لكني عندما عدت من الرحلة أخبروني أن الملل قد أصابهم قليلا فقرروا أن يخترعوا لعبة غريبة ، أنت تعرف المراهقين وجنونهم ، كانت اللعبة أن ينزف كل منهم بعضا من دمه حتى يصاب بالإغماء ، ومن يستطيع أن يصمد أكثر يكون فائزا .. نوع من اختبار القوة الاحمق"


"كانت هناك أدوات حادة لقطع الأوردة والشرايين ، وكؤوس لقياس كميات الدم ، وقطع من القطن توهموا أنها كافية لإيقاف النزيف عند الحاجة .. طبعا انتهى الأمر بطلب الإسعاف ولم يصب أحد بسوء كبير من هذه الحماقة ، إلا أنا .. فقد انسكبت كميات كبيرة من الدماء فوق سجادتي التي كانوا يلعبون عليها .."

"أعطيت السجادة لحارس العمارة ليغسلها قصص احمد يونس وقد بذل مجهودا كبيرا حتى أعادها كما كانت تقريبا .. بعد تلك الحادثة مباشرة بدأ رجل السجادة في الخروج"

شهق "فؤاد" مفزوعا وقال :"إذن هناك رجل فعلا في السجادة .. اختي لم تكن تتخيل"



قال "عماد" وهو يهز رأسه نافيا :"لا ، أختك لم تتوهم ، لقد أدت تلك الحادثة إلى تحرير روح السجادة فتشكلت على شكل رجل ، وهو شكل مناسب لنموذج القوة التي كان الأولاد المراهقون يتخيلونها أثناء لعبتهم .. إن الأرواح ليست لها أشكال بالمعنى الخاص بنا كما تعلم"



بدا الارتياب على "فؤاد" وهو يفكر بصوت عال قائلا :"ولكن كيف يكون انسكاب الدم وحده هو الذي أتى بهذا الكائن ؟ أعطني سجادة وساسكب عليها طن من الدماء وأتحداك لو تلبس بها جني أو أي روح  قصص احمد يونس  أعتقد أن هؤلاء الصبية كانوا يمارسون طقوسا سحرية أو أي شيء من هذه التخاريف التي تدعي تحضيرالجن".



رد "عماد" : "لقد أصبت في جزء من كلامك ولكن بقيته ليست كذلك .. أنا متفق معك في أن انسكاب كمية من الدم على السجادة لا يحدث تأثيرا على الاطلاق .. لابد أن يكون هناك تعويذة ما ، هذه قاعدة أساسية في السحر أن المواد التي تدخل في الطقس السحري لا تتفاعل مع نفسها تلقائيا هكذا ، لابد أن يلقى شخص ما عبارات معينة أو يقوم بحركات مثلا.. وغالبا ما يكون واعيا لهذا.. لكن هؤلاء الأولاد لن يقولوا الحقيقة أبدا ، ربما تكون قصة لعبة الدم من وحي خيالهم ليداروا بها لعبة أكبر لتحضير الجن مثلا كما قلت.. ولأنهم يعرفون خطورة اللعبة فإن المكان المناسب لتجربتها كان هو بيت جدهم العجوز ، الرجل الذي لم يبق في عمره ولا صحته الكثير قصص احمد يونس  وأي ضرر سيصيبه فلن تكون الخسارة كبيرة

كان يتحدث عن تقدمه في العمر بمرارة واضحة ، ويبدو أنه أدرك أن أحفاده يتقربون إليه طمعا فيه ، لا ريب أنه يعطيهم من النقود بعلم آبائهم أو بدون علمهم ليكسب ودهم .. ثم قرر هؤلاء الأوغاد ناكري الجميل أن يلوثوا شقته بالأفعال السحرية. إنه لأمر محزن فعلا ولكن "فؤاد" لم يات ليناقش هذه المشاكل العائلية ..



قال "فؤاد" : "وما الذي أخطأت فيه إذن ، مادمت متفقا معي ؟"

رجع العجوز برأسه للخلف ، وقال :"أنت تعتقد أن هناك روحا قد تلبست بالسجادة ، أليس كذلك ؟" .. هز "فؤاد" رأسه موافقا. فتابع الرجل :"هذا الخطأ شائع جدا للأسف ، ولكن الحقيقة غير ذلك .. كل الجمادات التي تراها وتعتقد أنها بلا حياة بداخلها شكل من أشكال الروح مثلك تماما. في جلسات تحضير الأرواح لا تأتي روح من خارج المكان أبدا ، إنما الذي ينطق ويتحرك هو روح لشيء موجود !"



بدا عدم الفهم على وجه "فؤاد" ، فتابع "عماد" شارحا :"إذا كانت هناك شمعة مثلا فإن الروح تكون هي روح الشمعة ، تتشكل كما يطلب منها الحاضرون حسب التعويذات التي يقومون بها ، لذلك إذا كان الفعل السحري له علاقة بشخص فإن الساحر يطلب أثرا منه ، قطعة من ملابسه مثلا تستطيع روحها أن تتعرف على من قام بلبسها وإذا وجهت لها تعويذات معينة ربما تؤثر عليه. لاحظ أن هذه الأرواح مختلفة عن أرواحنا ، يمكنك أن تتصورها أطيافا ناقصة ليس لها شكل .."


"رجل السجادة ليس روحا أو جنيا سكن السجادة قصص احمد يونس ، إنه هو السجادة نفسها ! والسجادة التي تراها أنت هي قشرته الخارجية ، كما أنك لست الجسد الذي يجلس أمامي . الجسد هو غلاف لروحك .. "



امتلأ قلب "فؤاد" بالرهبة وهو يقلب الفكرة في رأسه .. ولم يمنع نفسه من النظر حوله في قطع الأثاث والمفارش والساتئر وكأنه يتخيل كل هذه الكائنات التي كانت تحيط به من قبل ساكنة جامدة قد دبت فيها الحياة وأصبحت أفرادا ، رجالا ونساء ..

قال "عماد" : "دعنا نعود لقصتنا ، كان رجل السجادة قد بدأ يخرج ويتحرك في المنزل وأنا أشعر به ولكني لم أهتم كثيرا.. في البداية ظننتها تهيؤات رجل عجوز.. كانت السجادة في ذلك الوقت قد أمتلأت بالأتربة وربما وقعت عليها بقايا من الطعام دون أن أنتبه .. كنت مهملا لها ولم أعد أحافظ عليها كما كنت أفعل قبل لعبة الدم تلك .. وعندما بلغت القذارة فيها حدا معينا ، بدأ الرجل في الظهور أمامي..

"إنه لا يحب أن يتلوث جسده ، لا أحد يحب هذا.. لكنه أيضا لا يملك تنظيفها بنفسها ، فهذه الأطياف ضعيفة ومحدودة الإمكانيات ، ولكنها قادرة على الإيذاء أحيانا.. إن السجادة التي تبقى بلا تنظيف لفترة طويلة قد تصيب صاحبها بأمراض كالربو والحساسية.. سيقول الأطباء أن لهذه الأمراض أسبابا علمية ويضيعون وقتهم في تحليلها ، ولن يصدق أحد أن هذا انتقام من طيف السجادة أو روحها.."


شرد "فؤاد" قليلا وهو يقول :"لقد نظفت أختي السجادة أمس .. أعتقد أنها لا تزال نظيفة حتى الآن"

قال "عماد" : "جميل جدا ما فعلته أختك ، سوف يحبها رجل السجادة ولن يؤذيها أبدا.. لنعد لقصتنا مرة أخرى ، عندما ظهر لي الرجل بوضوح مستنكرا ما فعلته بسجادته كان هذا فوق احتمالي قصص احمد يونس فأنا رجل عجوز كما ترى .. أعطيت السجادة مرة أخرى لحارس العمارة لكي ينظفها ثم يتخلص منها ، لن أحتفظ بسجادة تخرج منها روحها وتسير بحرية في شقتي كما لابد أنك لو كنت مكاني كنت ستفعل نفس الشيء .. الحارس طلب مني أن يأخذها لنفسه فرفضت وأصررت أن يبيعها لأتأكد من أنها ستذهب بعيدا عني.. وذات يوم جاء الحارس ومعه بعض النقود وقال إنه باع السجادة.. أعطيته جزءا من النقود واحتفظت لنفسي بالباقي ونسيت أمرها تماما حتى جئت لي اليوم "



ساد الصمت للحظات ، حتى قال "فؤاد" : "معك حق ، يبدو أن هذا هو الحل الأمثل لهذه السجادة ، ساذهب الآن وأتخلص منها.. اعذرني لانصرافي هكذا فجأة ولكن يجب أن أعود للمنزل قبل المساء حتى لا يظهر ذلك الشبح لأختي ."



ثم وقف عازما على مغادرة المكان فاضطر مضيفه قصص احمد يونس "عماد" إلى أن يقوم أيضا ، ولكن وجهه كان يحمل استغرابا وهو يقول :"ومن قال لك أنه يظهر في المساء فقط ؟ إن رجل السجادة يستطيع أن يخرج منها في أي وقت ، وفي الغالب هو الآن جالس مع أختك إذا لم يكن هناك غيرها في المنزل !"



امتقع وجه "فؤاد" وطلب أن يستخدم هاتف المنزل الخاص بالرجل ليتصل باخته فورا .. وعندما سمع صوتها صاح بها :"أخرجي فورا من الشقة .. أفتحي الباب ونادي على الجيران .. لا تجلسي وحدك في المنزل .. هناك عفريت في السجادة .. اهربي .."


ولكن أخته "فايزة" كانت هادئة وهي ترد عليه :"أعرف ، لقد خرج من السجادة وتفاهمنا سويا .. لن أستطيع أن أخرج من الشقة ولا أن أطلب مساعدة الجيران يا "فؤاد" .. أنا لا أعرفهم وليست لي بهم أي علاقة ، كما أنه ليس مخيفا ولا مؤذيا .. إنه لطيف جدا ، لقد دعاني للذهاب معه إلى عالمه وسوف نرحل بعد قليل .. جميل أنك اتصلت الآن كي أودعك .. كنت أتمنى أن أسلم عليك بنفسي قبل أن أذهب ولكن يبدو أني لن استطيع .. وداعا يا أخي .. وداعا "

وضعت السماعة بينما أخوها كان لا يزال ممسكا سماعة هاتف الرجل بيده مذهولا لنصف دقيقة لم يستطع الكلام ، حتى سأله الرجل عما به .. لم يجب ولكنه وضع السماعة مكانها وسأله في كلمات متقطعة :"هل .. هل يمكن أن يذهب إنسان إلى داخل السجادة مع ذلك الرجل ؟ اختى تقول إنها ستذهب معه إلى هناك .. هل هذا ممكن ؟"

بدا التعاطف على وجه "عماد" ، وأجاب بنبرة الخبير بهذه الأمور :"في عالم السحر لا أحد يسأل إن كان شييء ما ممكنا أم لا .. كل شيء ممكن إذا عرفت التعويذة المناسبة وكانت هناك الروح المناسبة .. لكن هذا قد يستغرق بعض الوقت ، فإذا كان منزلكم قريبا من هنا فقد تتمكن من إيقاف الأمر وإنقاذها .."


قال "فؤاد" بعدم حيلة وهو شبه منهار :"لا ، إن بيتنا بعيد .. ساحتاج إلى نصف ساعة على الأقل وليس معي سيارة".

جذب الرجل مفتاح سيارته من أحد الأدراج وقال له :"أنا سأوصلك .. فالذنب ذنبي في الأساس .. لا وقت لأغير ملابسي .. هيا بنا بسرعة قبل أن يأخذها الرجل معه ولا تراها مرة أخرى"

هم "فؤاد" بالاعتراض واقناع "عماد" بأنه سيذهب بسيارة أجرة ، لأنه ظن أن الرجل العجوز سيقود ببطء شديد ، لكنه فوجئ بالسرعة التي يقود بها "عماد" سيارته كأي شاب طائش في العشرينيات من عمره.. هذا الرجل لا يريد أن يعترف بأنه تجاوز سن الشباب .. ربما تكون قصة أحفاده ولعبهم بالدم فوق السجادة غير دقيقة قصص احمد يونس  إن الفكرة الأقرب للمنطق هي أن من قام بالطقوس السحرية "عماد" نفسه.. يبدو أنه يعرف الكثير عن السحر ولعله قرأ في كتاب ما عن وصفه تعيد الشباب فقام بتجربتها فكان من نتائجها تحرير رجل السجادة من سجنه..

لكنه لم يصارح "عماد" باستنتاجه هذا ، واكتفى بمراقبة الطريق وأعصابه مشدودة وهو يتخيل أخته مع هذه الروح الغريبة التي تحررت من سجادتها على شكل رجل شاب قوي قصص احمد يونس ولكن لماذا تذهب معه "فايزة" بإرادتها ؟ هل تأثرت بشكله الخارجي أو يكون لذلك الشيء قدرات نفسية لجذب القلوب أو تنفيرها ؟

اختصرت سيارة "عماد" زمن الطريق إلى ربع ساعة فقط ، وما أن اقتربت من المنزل حتى فتح "فؤاد" الباب ونزل يجري ، تاركا صاحب السيارة يبحث عن مكان مناسب ليوقفها فيه .. وعندما اقترب من المنزل سمع صوتا بداخله فاطمأن فليلا ، لازالت الطقوس مستمرة وهناك أمل في إيقافها ، فتح الباب بسرعة وألقى نظرة على السجادة الملقاه في الصالة وخيل إليه أن هناك حركة خافتة فوق سطحها اختفت بمجرد اقترابه .. بحث في الشقة كلها عن "فايزة" أو أي أثر لها فلم يجد شيئا .. لقد انتقلت إلى عالم السجادة في اللحظة التي كان هو يفتح فيها الباب !

ارتمى "فؤاد" محبطا على أحد الكراسي تاركا باب الشقة مفتوحا قصص احمد يونس وبعد قليل صعد "عماد" وعندما تلاقت نظراتهما أدرك الأخير أن "فايزة" قد رحلت .. قام "فؤاد" ووقف على السجادة وأخذ يقفز فوقها بهسيتريا وهو يصيح :"أخرج ، أخرج أيها الجبان وواجهني" ..

جذبه "عماد" من ذراعيه وأجلسه مرة أخرى على الكرسي ، وقال له :"لا تحاول .. لن يخرج إلا برغبته ولو حرقت السجادة " .. رد "فؤاد" بحزن :"لا أستطيع حرقها و"فايزة" بداخلها" .. ربت "عماد" على كتفه وقال وهو يغادر الشقة :" إذا أردت رأيي : تخلص من هذه السجادة بالطريقة التي تريحك .. لكن من فضلك لا تذكر أسمي أو عنواني لأحد ، ولا تخبر أحدا بما قلته لك .. لقد أردت أن أريح ضميري وساعدتك قدر استطاعتي ، وأخبرتك ما لدي من المعلومات عن السجادة ، أو ما يهمك أن تعرفه على الأقل .. والآن هي مسؤوليتك وأنا لا صلة لي بها .. اسمح لي أن أنصرف بعد إذنك" ..

* * *


بقيت السجادة في صالة المنزل شهرا كاملا وكل يوم يجلس أمامها "فؤاد" ويحاول مع رجل السجادة بالترهيب أو الترغيب لعله يخرج ويكلمه ، لكن الرجل لم يكن يسمع شيئا من هذا الكلام قصص احمد يونس فليس للسجادة آذان ولا عيون لتسمع وترى ، إنها تستقبل من العالم الخارجي عندما تريد فقط وهي لا ترغب في ذلك الآن.. ومع مرور الوقت بدأ "فؤاد" يشك في أن كل هذا قد حدث فعلا .. لم لا تكون "فايزة" قد اختلقت قصة شبح السجادة لتهرب من المنزل ؟ ولم لا يكون الرجل المدعو "عماد" مجرد شخص مخبول وجد فرصة ليتسلى بسذاجته وقام بتأليف موضوع الأرواح هذا من عقله المريض ؟

وذات يوم بعد أن انتهى من صلاة المغرب جاءته فكرة لا بأس بها ، أن يهدي السجادة للجامع فيصلي عليها الناس وتحل الرحمة والسكينة على من في السجادة ، وربما تخرج "فايزة" مرة أخرى من السجادة ببركة الصلاة .. وإن كانت كل هذه القصة كذبة كبيرة فهو لم يخسر شيئا ، على الأقل سيأخذ ثواب هديته للمسجد ..

حمل السجادة وانطلق للجامع وتحدث مع أحد العاملين فيه ، أخبره العامل أن الجامع ليس بحاجة إلى سجادة حاليا ولكنه سيضعها في المخزن لعلهم يحتاجونها قريبا بعد توسعة المسجد .. وبعد أسبوع اكتشف العامل أن التوسعة الجديدة سيكون فيها "موكيت" وأن السجادة لم تعد مفيدة للجامع فقرر أن يبيعها ويساهم بثمنها في شراء "الموكيت" الجديد .. وفي نيته أن يظل الثواب قائما لصاحبها بإذن الله ..

* * *

وفي أحد المنازل القريبة من منزل "فؤاد" ، دخل الزوج لمنزله ففاجأته زوجته بالسجادة التي اشترتها من أحد البائعين وطلبت رأيه فيها .. أبدى الزوج اهتماما مصطنعا وأخذ يمدح ألوانها وذوق زوجته ، قالت الزوجة بفرح :" هذه هي السجادة التي أردت شراءها من شهرين ولكن أمك – رحمها الله – رفضت بدون سبب مقنع .. لم أصدق نفسي حين وجدتها مع نفس البائع مرة أخرى .. إنها مصادفة غريبة .. أرأيت كم هي سجادة جميلة ؟ "


تذكر الزوج والدته التي توفت ، قصص احمد يونس وهم بالاعتراض على وجود السجادة التي رفضتها والدته ، ولكنه قرر أن يتجنب معركة لا فائدة منها مع زوجته .. ثم إن السجادة لا تبدو سيئة بالفعل..

أجاب في استسلام : "نعم .. سجادة جميلة .. جميلة جدا .."

قصص احمد يونس رعب بيت الرعب

كان ضوء الصباح لا يزال يحاول الظهور متحديا كتل السحاب ومتسللاً بين أغصان الأشجار وجدران مباني مدينة الملاهي التي بدت كحديقة كبيرة مهجورة في ذلك الوقت من النهار. لا زبائن في هذا الوقت، فقط عامل نظافة يجمع بقايا القمامة التي ألقاها رواد المدينة في اليوم السابق، ورجلان يسيران في نشاط نحو "بيت الرعب" -لعبة القطار الشهيرة التي يدخل راكبها قصص احمد يونس في أماكن مظلمة ويشاهد بعض التماثيل والألعاب المتحركة مع قليل من الأصوات المخيفة والمؤثرات الضوئية.



لعبة تتصف بالسذاجة في نظر الكثيرين، ولكنها مع ذلك من أكثر الألعاب نجاحا في أي مدينة ملاه. لماذا يحبها الأطفال بجنون وينتظرون في طوابير طويلة من أجلها؟ وهل يمكن أن تكون زيارة مدينة الملاهي تامة بدون دخول بيت الرعب أيا ما كان اسمه في تلك المدينة؟ وهل هناك مدينة ملاهي تحترم نفسها لا يوجد بها مكان لإرعاب الزوار؟



استمر الرجلان في السير، حتى وصلا إلى باب اللعبة. فتح الأول الباب بمفتاح معه وقال: هيا بنا، أمامنا عمل طويل في إصلاح تلك الآلة التي طلبونا من أجلها". تثاءب الثاني قصص احمد يونس واختلط كلامه بصوت التثاؤب وهو يقول: لا أظن ذلك، إن الأمر لن يعدو مجرد تنظيف التراب ووضع بعض الزيت هنا أو هناك، وعلى أقصى تقدير سنجد سلكا مقطوعا أو مصباحا انتهى عمره وينبغي تغييره. كان يمكن أن نأتي متأخرين وننهي عملنا قبل أن تفتح المدينة أبوابها. لا أعرف سر حبك للعمل في الصباح الباكر.



لم يجب الأول، ولكنه أضاء المصباح الكهربائي الذي يحمله وأخذ يبحث في أزرار التحكم الخاصة باللعبة عن زر فتح الإضاءة الداخلية. تلك الإضاءة التي يستخدمها عمال النظافة وفنيو الإصلاح فقط، والتي تكون في العادة مطفأة عندما يدخل القطار حاملا الركاب إلى داخل اللعبة. وهي إضاءة موزعة بإهمال؛ بحيث تعطي للسائر على قدميه في داخل اللعبة شيئا يسيرا من الضوء كي لا يصطدم بالتماثيل وقطع الألعاب المتحركة.



استمر الأول في السير بالداخل بحثا عن اللعبة المعطوبة؛ بينما وقف الثاني عند لوحة الأزرار الكهربائية ليتأكد من أن الكهرباء مقطوعة عن الأجهزة الميكانيكية التي تحرك الألعاب لكي يتمكن رفيقه من فتح اللعبة وتنظيفها والتأكد من وصلاتها الداخلية. بعد خمس دقائق كان الأول قد وجد السلك المقطوع وبدأ في توصيله بشكل صحيح وقد بدا منهمكا في عمله والثاني يراقبه موجها مصباحه الكهربائي إلى داخل اللعبة حيث يعمل الأول ويرى بالكاد من خلال الضوء الضعيف للمصباح الصغير، فالإضاءة الداخلية لبيت الرعب لم تكن تصل جيدا إلى تلك الزاوية.



فجأة صاح الثاني: توقف! لا تلمس الأسلاك بيدك!. نظر الأول بدهشة إليه، وقال: لماذا؟ ألم نقطع التيار الكهربائي عن الألعاب؟ قال الثاني وهو يشير بيده إلى لعبة في آخر الممر قبل الاستدارة التي تقود إلى ممر آخر: يبدو أنهم قاموا بتغيير الأزرار، أو أن هناك خطأ ما؛ فاللعبة التي هناك تعمل. حوّل الأول نظره نحو اللعبة التي كانت تتحرك بالفعل وتقوم بحركات ساذجة؛ خاصة مع وجود الإضاءة. لاشك أن هذه اللعبة تبدو قصص احمد يونس مخيفة في الظلام عندما يكون القطار متحركا، وعندما يستدير بركابه يفاجأون بأنهم وجها لوجه أمامها.



تمثال لساحر يبدو عليه الشر يمسك في يده سيفا رهيبا وعيناه تدوران، ويداه تتحركان والسيف يهتز وكأنه سيسقط على الركاب في أي لحظة. دعابة مرعبة لطيفة إن صح التعبير.



لكن لماذا تعمل هذه اللعبة الآن؟ هناك خطأ في وصلات الكهرباء حتما. أحد العمال قليلي الخبرة قام بتوصيل اللعبة مع نفس كهرباء الإضاءة الداخلية، ربما.. ولكن الرجلين لن يخاطرا قصص احمد يونس بلمس الأسلاك الكهربائية قبل التأكد من أنها معزولة تماما. تنهد الأول وهو يقول: ناولني مفك الاختبار كي أتأكد مرة أخرى من أن الأسلاك التي سأعمل عليها آمنة. ولكن الثاني لم يتحرك بل ظلت عيناه متسمرتين على اللعبة التي كانت تتحرك في بلاهة تدعو للضحك أكثر من الخوف.



هم الأول بالصراخ في وجه زميله لتنبيهه إلى الاهتمام بالعمل؛ ولكن رجفة سرت في بدنه عندما انتبه إلى أن اللعبة موضوعة بشكل غريب، فهي لا تواجه القطار وركابه، بل تواجههما! عقد العامل عينيه في محاولة للفهم، وترك الأسلاك التي في يده وتطلع للعبة في صمت مع زميله. إن خبرتهما في مجال الملاهي لا تزال حديثة؛ فهما مجرد عاملي صيانة، وربما لم يركبا أي قطار رعب من قبل في حياتهما البائسة. ولكن حركة تلك اللعبة كانت مثيرة بالنسبة لهما، لسبب بسيط: إن اللعبة لا تتحرك بشكل ميكانيكي يكرر نفسه، ولكنها تتحرك بحرية تامة، اليدان والسيف يتحركان في كل زاوية ممكنة؛ ولكن القدمين مثبتتان في الأرض أما العينان فقد كانتا مركزتين عليهما بوضوح شديد، تتحركان قليلا ثم تعودان للنظر إليهما.



ابتلع الثاني ريقه وهو يقول: سأنتظرك في الخارج، لا أريد أن أبقى هنا. ولم ينتظر حتى يسمع رد زميله. دون أن أي كلمة التقطا أدواتهما بخوف وعيونهم معلقة باللعبة وكأنهم يخشون أن تسير نحوهم قصص احمد يونس وقبل أن يغادرا المكان دوت ضحكة رهيبة هزت بيت الرعب كله.. لم ينظر أي منهما خلفه؛ فقد كانا يعرفان مصدر الضحكة.



إنها تلك اللعبة الشيطانية.

* * *

أدخلني رئيس العمال إلى مكتب مدير المدينة، فاستقبلنا بترحاب وأجلسنا. وبدأ رئيس العمال في تقديمي: هذا هو العامل الجديد الذي سيتولى الإشراف على بيت الرعب. اسمه (حسام)، وأعتقد أنه أكفأ من يقوم بهذا العمل، لقد اختبرته بنفسي وقد أصلح اللعبة التي كانت معطلة منذ أربعة أيام. نظر المدير إليّ وقال: جميل جدا، أنت تعرف طبعا المسؤولية التي ستتحملها، بيت الرعب هو أكثر لعبة لها شعبية في المدينة كلها، وأكثر الألعاب استخداما. معظم الآباء لا يحبون أن يروا أطفالهم في ألعاب تدور بسرعة أو ترتفع لأعلى ثم تهبط. يعتقدون أنها خطيرة ويمنعون الأطفال من ركوبها. أما بيت الرعب فهو أكثر لعبة آمنة، وفي نفس الوقت لا تخلو من الإثارة؛ لهذا تعمل هذه اللعبة أكثر من الباقيين، ولهذا أيضا تكثر الأعطال بها، صحيح أنها أعطال بسيطة ولكنها تحتاج عاملا نبيها وسريعا حتى لا يتوقف بيت الرعب، وكلما زاد اللعب زادت الإكراميات التي تحصل عليها من الزوار، وفوق هذا قد قررت أن أعطيك ضعف مرتب العامل السابق. أنت تعرف ما حدث معه أليس كذلك؟



كدت أجيب بأني لا أعرف شيئا، ولكن رئيس العمال سبقني وهو ينظر معاتبا للمدير، وقال: لا أظن أن (حسام) ستهمه هذه الحكايات قصص احمد يونس فلندعه يبدأ عمله بسلام. قال المدير وهو يوقع على ورقة تعييني: إنها قصص حمقاء تلك التي بدأت أسمعها عن بيت الرعب مؤخرا، بعض العمال فشلوا في إصلاح اللعبة التي أصلحتها أنت؛ فجاءوا وبرروا فشلهم بأن هناك وحشاً مخيفاً كان يطاردهم داخل اللعبة! إن هذا لكلام سخيف، ولا تفسير له إلا أنهم قد أفرطوا في تناول المخدرات الرخيصة.



قال رئيس العمال وهو يضغط على كلماته: أو أنهم يثيرون الشائعات عن مدينتنا حتى تفقد زوارها، ويذهبون لتلك المدينة الجديدة التي فتحت بالقرب منا، لقد قال عامل بيت الرعب السابق نفس الكلام قبل أن يترك العمل، وهو الآن يعمل في تلك المدينة الجديدة، كان في استطاعتنا أن نوقف تعيينه في وظيفته الجديدة؛ ولكنا فضلنا تركه يبحث عن رزقه؛ لكننا لن نسمح لأي شخص آخر أن يكرر هذه الشائعات السخيفة بعد الآن.



لم يكن يهمني في ذلك الوقت إلا معرفة مرتبي وموعد استلام العمل، كانت حاجتي لهذا العمل كبيرة بعد تخرجي من كلية العلوم، وفشلي في الحصول على أي عمل، مررت على كل الأماكن التي أظن أنها قد تطلب تخصصي وتركت أوراقي، ولم يجب أي منها لا بالموافقة ولا حتى بالرفض.



بعد فترة من اليأس قال لي صديق أن هناك إعلانا في مدينة ملاه تطلب عاملا لديه خبرة في "الكهرباء"، ضحك صديقي وقال: أنا أعرف أنك فيزيائي كبير، فقلت أخبرك بهذه الوظيفة. ورغم سخرية الموقف ذهبت وقبلوني يا للعجب!



كانت المدينة في حي لا يبعد كثيرا عن الحي الذي نشأت فيه، ولكني لم أدخلها من قبل. ربما مررت من أمامها مرة وسمعت أصوات الألعاب وضحكات الزوار وصيحات الأطفال والأغاني الصاخبة، وقلت في نفسي إنهم قوم لديهم فراغ كبير في وقتهم، واحتضنت كتاب أسس الفيزياء الكمية وعدت لبيتي ومذاكرتي. ما كان يخطر ببالي أبدا أن يأتي اليوم الذي ألقي فيه كتبي في الدرج وأرتدي ملابسي ثم أذهب للعمل في مدينة الملاهي.



أنا الذي كلما جاءني صديق وزار غرفتي احتار في الصور المعلقة في كل مكان، صور بالأبيض والأسود مكبرة كأنها لنجوم الغناء أو كرة القدم. ينظر إليها الداخل دقائق محاولا معرفة أصحابها وعندما يعجز يسألني: هل هؤلاء مطربون من أمريكا؟ فأضحك وأعرفه بكل واحد منهم: هذه صورة "نيلز بور"، وهذا "هايزنبرج" وهذه "ماري كوري"، وطبعا هذا "أينشتين" في شبابه، وتحته "شرودنجر". قصص احمد يونس غالبا يختلط عليهم هذا الأخير "بأرنولد شوارزنجر" الممثل؛ فانطلق في حماس موضحا الفرق بينهما دون أن يفهمني أحد.



والآن أنا نائم على سريري بعد أن استلمت عملي الجديد في بيت الرعب في الملاهي، أحاول ألا تقع عيني على عين "شرودنجر"، أعطي ظهري للحائط الذي عليه صورة "بور". تواجهني على الناحية الأخرى صورة "زويل"، هو سيفهمني أكثر من الآخرين، وربما يشرح لهم. اعذروني يا أساتذتي، هذا هو العمل الوحيد الذي وجدته. أو للدقة: هذا العمل هو الذي وجدني.

* * *



بجوار بيت الرعب يقع كشك صغير يبيع المرطبات والحلويات، تعرفت على الشاب الذي يعمل به واكتشفت أنه كان يحلم بدخول كلية العلوم ولكنه لم يحصل على المجموع المناسب ولم يدخل الجامعة أصلا، ضحكت وعرفته بنفسي وبوظيفتي العلمية، وأنني أشرف على لعبة بيت الرعب، وأن أبحاثي تدور حول إصلاح الأعطال الفنية لألعاب أطفال. ابتسم وقال بصوت منخفض: لا تسخر من وظيفتك، المسألة أصعب مما تتخيل، هناك أشياء غريبة بدأت تحدث في هذه اللعبة، وما سمعته عنها لا أستطيع أن أخبرك به حتى لا أفقد عملي، عموما أتمنى لك التوفيق. وبعد أن أثار قلقي انطلق يدندن مع الموسيقى التي تنبعث من الكشك.



مر اليوم الأول بسلام، عرفت أني يجب أن أوقف قطار اللعبة كل ساعة لمدة عشرة دقائق حتى تستريح الأجهزة، وفي تلك الدقائق لا أستريح أنا بل أمر على كل اللعب وأتأكد من أن كل شيء على ما يرام قصص احمد يونس غالبا أجد أشياء سقطت من الزوار فاحتفظ بها حتى يأتي صاحبها بعد قليل ويسألون عنها. هواتف محمولة وولاعات سجائر، وأحيانا قطع حلى لفتيات. في البداية أسأل صاحب الشيء عن صفته ثم أعيده له. لم تحدث أي أعطال، وكان العمل يسيرا، ربما كان أكثر ما أرهقني هو الأشياء التي تضيع من الناس، وأضطر إلى البحث عنها في القطار أو على الأرض، وإذا لم أجده أحاول أن أقنع الشخص أن الشيء الذي ضاع منه ربما يكون في مكان آخر أو ربما يكون سرق مثلا.



في نهاية اليوم أخبر صديقي الجديد عامل الكشك بمشكلة الأشياء الضائعة والمسروقة من الناس، فيقول: عندي لك أغنية تناسبك. أتناول مشروبا غازيا من عنده وهو يضع أسطوانة في مشغل ال "سي دي" وأسمع "أحمد منيب" يغني، أنتهي من الشرب وأمد يدي بثمن المشروب فيرد يدي دون أن يتكلم، ويبدو عليه الاهتمام الشديد عندما تصل الأغنية إلى الجملة التي يريدها، يغني معها بصوت عال مداعبا إياي: وكل شيء بينسرق مني. أضحك وأعود للبيت وقد تعودت على عملي، وألفته من أول يوم كأنني ولدت عاملا في مدينة ملاه، وكأني لم أدرس العلوم، وبدت صور العلماء في غرفتي غريبة عليّ. فكرت لحظة أن أستبدل بها صور "ميكي" و"بطوط"، ربما أفعل هذا في يوم آخر. الآن أنا مرهق بشدة ويجب أن أنام.

* * *



لا أعرف كم مر من الوقت وأنا نائم، أحلم بقطارات وألعاب وموسيقى كشك مدينة الملاهي، فجأة أصبحت الموسيقى عالية وتداخل الحلم مع الحقيقة ووجدت نفسي مستيقظا على صوت هاتفي المحمول. أرد دون أن يكتمل استيقاظي فأسمع صوت مدير العمال قادما من الحلم يقول: نريدك أن تأتي حالا لتفتح بيت الرعب. أقول شيئا في الحلم أيضا دون أن تتحرك شفتاي، يقول المدير وقد بدأ صوته يعلو: هل أنت معي؟ هل سمعت ما قلته لك؟ أهز رأسي بأني سمعت وأصدر صوتا ما من شفتي لا أفهم أنا نفسي معناه. يكرر الرجل كلامه: أحضر مفاتيح بيت الرعب وتعال فورا، خذ سيارة أجرة إن لزم الأمر، أنا هنا في انتظارك، أريدك أمامي بأسرع وقت. مع نهاية كلامه بدأت أستيقظ وأفهم. هذا الرجل يطلبني بعد منتصف الليل كي أفتح بيت الرعب، هل هناك من يريد أن يلعب الآن؟ ما هذا العبث؟ لم نتفق على هذا. أرتدي ملابسي غاضبا، وأقسم أني سأعطيه المفاتيح وأخبره أني لن أستمر في العمل بهذه الطريقة.



وصلت مدينة الملاهي في وقت قياسي، ووجدت الباب مفتوحا والحارس يبدو عليه الضيق أيضا. لاشك أنهم أيقظوه لسبب ما. أسأله ماذا حدث فيقول: "سيدة وقع منها شيء وجاءت تبحث عنه الآن. بحثنا معها في كل مكان ولم يبق غير بيت الرعب، اذهب إلى هناك وستجدهم ينتظرونك.



أدخل إلى قلب المدينة بعد منتصف الليل والظلام مع نسيم الليل يداعبان النوم في عيني، أتمنى أن يكون كل هذا حلما قصص احمد يونس ولكني أصل إلى بيت الرعب وأجد مدير العمال مع رجل وامرأة وعامل آخر. أفهم بسرعة أن السيدة سقط منها خاتم ثمين، وأنها حررت محضرا في قسم الشرطة. أحد الضباط هناك يعرفها ويعرف مدير العمال فطلب منه سرعة إنهاء الموضوع هذه الليلة. نظرت للسيدة المنهارة والتي كانت تبكي حتى نفدت منها الدموع، وتقول بصوت غير مفهوم: إن الخاتم مهم جدا لها وأن ثمنه ليس غاليا ولكنه هدية من زوجها الذي يقف بجوارها محاولا إقناعها بأنه سيحضر لها أفضل منه، وأن فقدان الخاتم أمر جيد؛ لأنها ستحصل على الخاتم الجديد، فلا ترد عليه وكأنها طفلة تريد لعبتها ولا تريد غيرها.



تعاطفت مع المرأة وأخفيت غضبي من استدعائي بهذه الطريقة، وفتحت بيت الرعب ودخلت مع العامل. بحثنا جيدا في كل مكان ولكننا لم نجد شيئا. بعد ربع ساعة خرج العامل يائسا وسمعته يحاول إقناع المرأة من جديد بأن الخاتم سرق أو ضاع في مكان آخر، وتلكأت أنا بداخل نفق القطار فلم أكن أرغب بالمشاركة في هذا الحديث. تظاهرت بالبحث عن الخاتم؛ بينما كان النوم يبحث عني وجسدي يتحرك بتثاقل وكسل. من جديد اختلط الحلم بالحقيقة عندما سمعت هاتفا يقول: الخاتم في الركن أسفل تمثال الساحرة، كالمسحور توجهت للتمثال ونظرت أسفله والتقطت الخاتم، وفجأة أحسست به في يدي حقيقة وليس حلما؛ فأصابتني رعدة والتفت حولي متسائلا عن مصدر الصوت. لم يكن هناك غيري بالداخل، وكانت أصوات المتحدثين خارج اللعبة تصل إليّ، ولكنها تبتعد حيث يبدو أن المرأة اقتنعت بعدم جدوى الانتظار أكثر من هذا، كان الخاتم في يدي وتنازعت بداخلي رغبة الخروج وإعطائه لها والفضول لمعرفة مصدر الصوت.



دقيقة كاملة من الحيرة مرت وأنا أمسك بالخاتم في يدي وأنظر إلى كل الأركان منتظرا أن يتكرر ذلك الصوت مرة أخرى؛ لكن يبدو أني كنت أتخيل. هناك تفسير علمي لهذا التخيل على كل حال، ربما تكون عيني الناعسة قد وقعت على الخاتم أثناء البحث؛ ولكني لم أنتبه لهذا، وبعد أن ربط عقلي النصف نائم بين صورة الخاتم وبين موقعه أرسل لي هذه الإشارة المتأخرة قليلا في صورة كلام مسموع. هذه الألعاب الدماغية هي آخر ما ينقصني الآن. يجب أن أسرع وأعطي الخاتم للسيدة وأغلق اللعبة وأعود لسريري.



في السرير، تبخر التفسير العلمي وعادت الخيالات والأحلام. كنت أحلم بلعبة من ألعاب بيت الرعب وهي تتكلم وتخبرني عن مكان الخاتم، وأنا أقول لها: إني لا أحب الخواتم ولا أهتم بها. وفجأة تحول الحلم إلى كابوس عندما ظهرت لعبة الساحر ذي الرداء الأسود وهو يحمل سيفه البلاستيكي المطلي بالأصفر ليبدو كأنه مصنوع من المعدن. هوى بسيفه على الخاتم فشطره إلى قطعتين في اللحظة التي استيقظت فيها مفزوعا.

-2-

في اليوم التالي أخبرت فتى الكشك بما حدث واقترحت عليه أن نكتب على اللعبة لافتة تقول: إنه من غير المسموح ركوب قطار بيت الرعب مع أشياء ثمينة، وأننا غير مسئولين عن فقدها، فأخبرني بوجود لوحة تعليمات على باب مدينة الملاهي تنبه بالحفاظ على الأمتعة الشخصية ولكن كل هذا لا فائدة له. لابد من شخص مهمل هنا أو هناك قصص احمد يونس ولابد أن تساعده في إيجاد ما ضاع منه. هذا التنبيه فقط لإخلاء المسئولية القانونية؛ ولكن المسئولية الإنسانية تظل قائمة. ثم انقلب إلى المزاح قائلا: إن المشكلة ليست في الأشياء الضائعة فهذه يمكن إيجادها؛ المشكلة في الأشياء المسروقة. وأخذ يردد عبارته المفضلة وكل شيء بينسرق مني. فأخرج من جديتي وأقول له: إني لم أر شيئاً يسرق منه أبدا رغم ما يبدو عليه من اللامبالاة؛ بل إن عينيه كعيني صقر إن حاول أحدهم سرقة شيء من الكشك.



لكل شخص أشياؤه الثمينة التي يحافظ عليها، ويبدو أن هذا الشاب ليس لديه أي شيء ثمين في حياته سوى هذا العمل؛ لهذا فهو يستميت من أجل الحفاظ عليه من السرقة. خفضت بصري وأنا أعود لمكاني عند لعبة بيت الرعب، كان لدي أنا أيضا حلم ثمين بأن أكون عالما في الفيزياء ولكني لا أعرف كيف ولا متى سرق مني.



أضيفت إلى مهمتي الرئيسية بتشغيل وصيانة اللعبة مهمة جديدة، أن أنبه كل الراكبين بالحفاظ على متعلقاتهم الثمينة، وأن أنبه هذه الفتاة لكي تغلق حقيبتها جيدا، وهذا الشاب لكي يضع هاتفه في يده ولا يتركه يسقط من جيبه. وأحيانا آخذ منهم الأشياء الثمينة وأبقيها معي حتى يخرجون من اللعبة إذا طلبوا ذلك. بمرور الأيام بدأت أشعر أني أتحول من عامل صيانة وتشغيل -كما هو المسمى الوظيفي- إلى موظف أمانات يحفظ الأشياء الثمينة، ويساعد الذين ضاعت أشياؤهم في العثور عليها وأحيانا تطييب خاطر من سرق منه شيء.



تباعدت المسافة بيني وبين عالم الفيزياء "باول ديراك"، ولم يعد "إنريكو فيرمي" يثير اهتمامي بقنبلته النووية، لا أعرف من هم رموز مهنة موظف الأمانات حتى أضع صورهم على حائط غرفتي مكان هؤلاء العلماء. هل حصل أحد على جائزة نوبل أو أي جائزة لأنه يعمل في تشغيل ألعاب الملاهي؟ أعرف أن هذه أفكار ساذجة وتخريف يحدث لي بسبب انتقالي إلى عالم جديد، ربما يكون هو عالمي الأصلي. تبدو كلية العلوم خارج السياق وأحلام المجهر الإلكتروني وأوهام المعادلات المعقدة غير واقعية. كأني ولدت عامل صيانة ألعاب منذ اللحظة الأولى، وما كانت دراستي إلا انعطافة خاطئة عدت بعدها لما خلقت من أجله.

* * *



اليوم قرر مدير المدينة أن يمر بنفسه على الألعاب ويشاهد الناس ويسمع رأيهم وشكاواهم. كان يقف أمام كل لعبة عدة دقائق يسأل واحداً أو اثنين من الأطفال أو الشباب عما أعجبه وما لم يعجبه، يمزح قليلا معهم، وقد يلتقط صورة مع بعضهم ثم يذهب إلى اللعبة التالية. لم تمر ساعة حتى وجدته أمامي ومعه رئيس العمال ورجل أمن ورجلان لا أعرفهما. أشار إلى بيت الرعب وبدأ يحدّث الرجلين عنه بطريقة أحسست منها أنهما ضيوفه، ربما صحفيان سيكتبان عن المدينة أو شيء من هذا القبيل.



استوقف فتى كان خارجا من قطار بيت الرعب وسأله عن رأيه فقال بحماس: إن هذه ثاني مرة يأتي للمدينة في أقل من أسبوع، وإنه سعيد لأنه وجد وحوشا جديدة في بيت الرعب! لم يفهم مدير المدينة ماذا يعني الفتى بالوحوش الجديدة؛ إذ لم تكن هناك أية ألعاب جديدة تم تركيبها في أي مكان في المدينة؛ لكنه أهمل هذه الملاحظة ونظر إلى الضيفين بنظرة معناها ألم أقل لكما، الناس تحب مديتنا وتأتي كثيرا.



مرت بجواره طفلة كانت أيضا خارجة من لعبة القطار؛ ولكن الإحباط كان واضحا على ملامحها الصغيرة. أمسك بيدها وسألها بلغة طفولية: وأنت لماذا لا يبدو عليك الحماس؟ ألم تعجبك اللعبة؟ هزت كتفيها الصغيرين وقالت: لقد ذهبت لبيت الرعب في هذا الصباح وكان هناك التمساح الكبير وقد أعجبني شكله لأنها أول مرة أشاهد تمساحا. ولما دخلت الآن مرة أخرى وجدت التمساح قد ذهب، هل تعرف متى يكون التمساح موجودا؟.



كان يضحك ولا يعرف ماذا يقول لها، حاول أن يشرح لها أن الألعاب لا تتحرك، وأن هذا التمساح هو بالتأكيد في مكانه دائما وكل يوم. وأنها ربما لم تره لأنها كانت تنظر في الجهة الأخرى مثلا. ثم فكر أنه ربما يكون ذلك التمساح أصيب بعطل منعه من الحركة فعلا فقال لها: وربما يكون التمساح يستريح قليلا، إذا جئت مرة أخرى غداً ستجدينه بكل تأكيد.



قبل أن يترك منطقة بيت الرعب، قرر أن يسأل شابا ناضجا عن رأيه لكي يستمع إلى شيء من الكلام العاقل. اختار شابا يبدو هادئا ورزينا وأخبره أنه مدير المدينة ويريد أن يعرف إذا كان لديه أي ملاحظة على بيت الرعب. قال الشاب: بصراحة هذه أجمل لعبة هنا، وأنا متعجب من التكنولوجيا الحديثة التي لديكم، لقد كانت الوحوش تتحرك كأنها حقيقية، لكني لم أفهم كيف كان التنين الأخضر في بداية اللعبة منذ عشرة دقائق، ولما دخلت مرة أخرى مع أخي الصغير وجدنا التنين قد انتقل إلى مكان آخر بعد تمثال الرجل ذي الأربع أياد، وقد كان قبله بكثير. كيف تقومون بهذه الخدع؟.



بدت الحيرة على وجه المدير وهو يعرف جيدا أن قطع الألعاب مثبتة في أماكنها ولا يمكن أن يحركها أحد بهذه السرعة. نظر في عين الشاب محاولا معرفة إن كان جادا فيما يقول. الطفلة قالت إن التمساح اختفى، والشاب يقول التنين يتحرك، وهناك لغط كثير يدور حول بيت الرعب منذ فترة. لا يمكن أن يكون هناك تنين أخضر يلعب بحرية داخل نفق قطار بيت الرعب أو تمساح حي يتنقل بين أركان مدينة الملاهي.



نفض الأفكار الساذجة عن عقله وهو يقول لنفسه إن التنين حيوان خيالي أصلا، ولكنه قرر أن يركب لعبة قطار بيت الرعب بنفسه حتى يشاهد هذا التنين المزعوم. بدت الدهشة على وجه رئيس العمال الذي لم ير مديره يجرب أي لعبة بنفسه قط. دائما هناك شخصية المدير الجاد الحازم الذي لا يهز هيبته بركوب ألعاب الأطفال، حتى إن كانت تأتيه رغبة قوية بعض الأوقات لتجربة لعبة مثيرة؛ إلا أنه يقاومها حفاظا على هيبة استغرق بناؤها سنوات وسنوات.



كنت أسمع الحوار وأنا أقف بجوارهم دون أن ينتبه لي أحد، وعندما قرر المدير أن يجرب اللعبة التفتوا لي كلهم وكأني ظهرت فجأة عندما أصبح لي دور يحتاجونه. قال مدير المدينة بعبارة حاسمة سأركب القطار التالي مع صديقي هذا وأشار للشاب الذي كان يسأل عن التنين ا?خضر. وددت أن أتدخل وأقول لهم إنه لا يوجد تنين أخضر أصلا بين الألعاب؛ ولكني أحسست أن هذا سيكون تصرفا سخيفا. فلأترك الرجل يكتشف بنفسه هذه الحقيقة. ركب المدير بجوار الشاب في آخر كرسي في القطار قصص احمد يونس الذي امتلأ بالركاب، ووقف بقية الرجال بجواري منتظرين خروج القطار من بيت الرعب.

* * *



في أول دخول القطار إلى النفق، أشار الفتى بحماس إلى اليمين وقال: هنا كان التنين واقفا في أول مرة، قصص احمد يونس وبعد مسافة كبيرة قال بحيرة: وهنا كان يقف في المرة الثانية، لكني لا أعرف أين ذهب الآن!. اكتشف المدير أنه باع هيبته بمقابل رخيص جدا، هذا الشاب أحمق بلا شك. لم يرد عليه وقد بدأ وجهه يحمر من الغيظ، لم يخدعه أحد بهذه السهولة من قبل. منذ بدأ تكوين مشروع مدينته والجميع يتآمر عليه، ودائما ينجو من حيلهم ببراعة شديدة حتى جاء هذا الشاب الغبي وهزأ به هكذا.



أما الشاب نفسه فقد انكمش في مكانه داخل القطار وأغلق فمه في خجل شديد، لم يكن كلامه مقنعا لطفل، ولكنه كان واثقا من وجود لعبة تشبه التنين، وأن أخاه الصغير أعجب بها أيضا. التفت بعينه يمينا ويسارا منتظرا أن يخرج القطار من النفق في أي لحظة حتى تنتهي لحظات الخجل هذه وربما يبحث عن كلمات يعتذر بها للرجل بعد ذلك والأفضل أن يرحل مع أخيه دون أن يقول شيئا.



وفجأة ظهر التنين الأخضر قبل نهاية النفق بقليل، صاح الشاب منتصرا: هذا هو، لقد تغير مكانه مرة أخرى! تعالت صيحات ركاب القطار مستمتعين بالتنين الصغير الذي يخرج من فمه لهبا حقيقيا صغيرا، ولكنه كاف لإضاءة ظلام النفق، وتتراقص الشعلة الخارجة من فمه لتحرك خيالات التماثيل الأخرى في رعب لذيذ. كان الشاب يبتسم فرحا؛ أما المدير فقد فقدَ القدرة على النطق عندما رأي التنين. إنه لا يصدق أن تمثال التنين هذا يتحرك ولكن ما أثار رعبه هو شعلة النار التي يمكن أن تحدث كارثة في مكان مغلق كهذا. إن أبسط معايير السلامة تمنع وجود مثل هذه اللعبة، وهو متأكد أنه لم يوقع على ورقة لتركيب لعبة يخرج منها لهب حقيقي.



قال لنفسه: إن هذا اللهب هو خدعة متقنة بشكل ما، لا يمكن أن يكون حقيقيا أبدا. بعد ثوان تجاوز القطار لعبة التنين التي انطفأت شعلتها وأظلم المكان مرة أخرى. التفت مدير المدينة للخلف بجسده كله متأملا التنين وهو يبتعد للوراء وكذلك فعل الشاب وهو متحمس بشدة. ورغم الظلام التام استطاع الشاب أن يرى التنين وهو يقوم بأعجب فعل يمكن أن يتصوره، لقد رفع يده وحك بها أنفه! عقد المدير حاجبيه في اهتمام وهو يسمع صرخة رعب قادمة من شفتي الشاب: إنه يحك أنفه!. وفي أقل من لحظة أنزل التنين يده إلى جواره وعاد كما كان. لكن المدير كان قد لمح هذه الحركة السريعة مع إضاءة مباغتة للعبة أخرى.



قال الشاب: لقد فهمت، هذا التنين هو شخص يرتدي زي تنين إذن، ولهذا هو يتحرك من مكان لآخر، ولهذا يحك أنفه. خدعة جيدة يا سيدي. هذه فعلا أفضل مدينة ملاه زرتها في حياتي. ابتسم المدير مجاملا ونزل من القطار عندما توقف تاركا الصحفيان يتحدثان مع الشاب، قصص احمد يونس وتوجه نحوي قائلا: أوقف هذه اللعبة فورا. لن يدخل أحد بيت الرعب اليوم.

* * *



توقفت اللعبة لأسبوع كامل. وتلقيت أوامر مباشرة من المدير بعمل خاص في هذا الأسبوع. طلب مني قائمة بكل الألعاب والتماثيل الموجودة داخل نفق بيت الرعب بالترتيب الذي يراه الداخل من أول النفق. ثم بعد ذلك أركب القطار وحدي ثلاث مرات كل يوم وأتأكد مرة أخرى من القطع وترتيبها!



ورغم أن هذا أسخف طلب سمعته في حياتي؛ لكنه على الأقل عمل سهل. أركب القطار وأتأكد من كل لعبة، ثم أجلس بجوار صديقي نتحدث عدة ساعات، ثم أركب مرة أخرى وهكذا. بدأت أتحسر على الساعات التي قضيتها في مكتبة الكلية أقرأ عن علاقة الرياضيات بالفيزياء وأسجل المعادلات المثيرة في كراساتي. كل هذا لا قيمة له الآن، المهم هو تسجيل تلك الألعاب وترتيبها وإرسال تقرير علمي لمدير المدينة. ربما ينشره المدير في مجلة عالمية للأبحاث فيما بعد، لا شك أنه بحث مهم فقد أثبت فيه أن ألعاب بيت الرعب عددها كذا وأنها لا تزيد ولا تنقص ولا تتحرك من تلقاء نفسها.



بعد أن اطمأن المدير لنتيجة البحث الذي أجريته، قال لي: اليوم تجرب قطار بيت الرعب للمرة الأخيرة وغداً نفتحه مرة أخرى للزوار. يكفينا كل هذه الخسائر. الغريب أنه نسي موضوع التنين تماما رغم أني قدمت له قائمة بالألعاب الموجودة ولم يكن فيها أي تنين.



ركبت القطار وقام عامل الكشك بتشغيله وبدأ التحرك. أسجل القطع التي أراها كالمعتاد: البومة الكبيرة، الرأس ذو الثلاثة عيون، الكاو بوي الأعمى الذي يحمل مسدسين ويطلق بعشوائية، ثلاثة خفافيش رمادية..



لحظة واحدة، لم تكن هناك أية خفافيش في اللعبة طوال الأيام السابقة! هذه الخفافيش حقيقية إذن وقد دخلت إلى اللعبة ظنا منها أنها كهف مهجور. أنهيت جولتي بالقطار، ثم دخلت على قدمي مرة أخرى لكي أطرد هذه الخفافيش. كنت أحمل مصباحي الكهربائي وأبحث عنها، لابد أنها طارت لمكان آخر. وصلت إلى منتصف القطار عندما رأيتهم معلقين بإحدى الألعاب. بدأت أفكر في طريقة لطردهم خارج القطار؛ ولكني سمعت صوت خطوات من خلفي. استدرت فجأة فوجدت دبا صغيرا يقترب مني بهدوء، من الجهة الأخرى كان تنين أخضر يتحرك نحوي أيضا ثم جاء تمساح يزحف وفئران وعنكبوت وكائنات أخرى غريبة لا أعرف لها اسما.



أصبحت محاصرا تماما في هذا المكان المظلم ومصباحي الكهربائي لا يكفي لإضاءة كل الاتجاهات كي أرى عشرات العيون التي تنظر إليّ. وقفت مذهولا لا أعرف ماذا ينبغي أن أفعل. لن يسمع أحد صراخي وأنا في وسط النفق، ولن أستطيع اختراق هذه الأجساد كلها وأجري في أي ناحية. أنا تحت سيطرتهم تماما فليأكلوني لو أرادوا؛ لكن ليفعلوا هذا بسرعة قبل أن تنهار أعصابي.

-3-

بدأ التنين الصغير بالكلام. هل يمكن أن يتكلم تنين؟ وهل يوجد أصلا تنين في الحقيقة؟ وما هذا المكان المرعب الذي أنا فيه؟ لم أفهم ما قاله لأني لم أسمعه جيدا، وجدت نفسي أقول أشياء مثل "أريد أن أخرج من هنا، دعوني أذهب، لا تؤذوني.." وهو يرد عليّ وأنا لا أفهم. قصص احمد يونس كل ما أريده هو أن يفسحوا لي الطريق كي أخرج من هنا.



أشار الدب إلى التنين لكي يسكت واقترب هو مني وبدأ يتكلم. هذا أفضل قليلا، أن تتكلم مع دب هو أمر أيسر قليلا من الحديث مع كائن خرافي. قال الدب: لا تخف. تمنيت أن أفعل كما يقول، قصص احمد يونس ولكن كان ذلك مستحيلا في هذه الظروف.



أحضروا لي كرسيا لا أعرف من أين، ووجدت نفسي أسقط عليه دون أن أشعر. جلسوا حولي كلهم في حلقة كبيرة؛ بينما طارت الخفافيش من موقعها السابق لتحط في مكان آخر أمامي. الدب هو الوحيد الذي ظل واقفا. نظرت إليه مستفهما عما يدور هنا فقال: طبعا أنت مندهش لما تراه، ولكننا نعرف أنك ستتغلب على دهشتك وخوفك، سأشرح لك كل شيء، قصص احمد يونس نحن مجموعة من الكائنات التي لا يعرفها البشر، وكل ما لا تعرفونه فهو بالنسبة لكم عفريت أو جني أو نحو ذلك، لنقل إننا من العفاريت المسالمة التي تتصور في أشكال مختلفة، كنا نعيش في هذا المكان قبل إنشاء مدينة الملاهي ثم رحلنا في أصقاع الأرض، بعد مئات السنين من الدوران هنا وهناك اكتشفنا أن راحتنا لن تكون إلا في هذا المكان، فعدنا مرة أخرى لكي نموت هنا، فقد كبرنا كلنا واقترب أجلنا، عدنا فوجدنا الحي قد امتلأ بالبشر ولم يعد لنا مكان نعيش فيه، قضينا سنة كاملة ندرس المنطقة حتى اهتدينا إلى أن أنسب مكان لنا هو هذا النفق الذي تسمونه بيت الرعب، قصص احمد يونس قررنا أن نقيم فيه ما تبقى لنا من العمر؛ فهنا يمكن أن نختفي وسط الألعاب، ولن يشك فينا أحد، وأيضا سنساعد في تسلية زوار النفق ببعض الخدع والألعاب، كان كل شيء على ما يرام حتى جاء هو.



كان يريدني أن أسأله بالطبع "من هو"؛ ولكني لم أستطع أن أفتح فمي من الرهبة؛ فتكفل التنين بالإجابة عن السؤال المفترض: هناك في كل مكان الجيد والسيء، وفي جنسنا كان هو أسوأ المخلوقات على الإطلاق. قصص احمد يونس قال الدب مؤَمّنا على كلامه: نعم هو كالمجرمين في عالمكم، كأشد المجرمين شرا وأكثرهم خبثا.. إنه الكرونوثيف. أو بِلُغَتكم سارق الوقت، الكرونوثيف هو مخلوق مثلنا لكنه يحيا عمرا أطول إذا سرق عمر الآخرين، وله في ذلك حِيَل كثيرة كلها محرمة علينا، ولا نقترب منها؛ بينما هو لا يتورع عن التهام الأعمار طوال الوقت وخاصة أعمار البشر.



سألت بفضول بعد أن هدأ خوفي منهم قليلا: وكيف يسرق أعمار البشر؟ يقتلهم وهم صغار مثلا؟



قال التنين شارحاً: لا، هو لا يقتل، ليس لأنه لا يقدر على ذلك؛ ولكن لأن الموت هو ضياع الوقت، هو يسرق الأوقات من الأحياء، يتغذى على كل ثانية يمصها من أي إنسان، إذا نظرت في ساعتك ورأيتها تشير للخامسة وبعد قليل نظرت إليها فوجدتها في السادسة وقلت لنفسك إن الوقت يمر بسرعة، أو إذا اختلط عليك الأمر ولم تعرف هل اليوم هو الثلاثاء أم الأربعاء ووجدت أنه الأربعاء، فاعلم أن الكرونوثيف قد سرق منك ساعة أو يوما!.



قال الدب: كل الأوقات الضائعة تذهب إلى كرونوثيف، لا يوجد شيء يضيع في الحقيقة، ما يضيع يمكن أن تجده مرة أخرى إذا بحثت عنه، المشكلة في الأوقات المسروقة التي التهمها كرونوثيف، هذه لن تعود. ولا يوجد مكان أفضل من مدينة ملاه كي يقيم فيها الكرونوثيف، هنا تسهل سرقة أوقات الآخرين الذين جاءوا بأقدامهم ليستمعوا بوقتهم، قصص احمد يونس معظمهم لا يلاحظ أن وقته يسرق منه، ولا يميز بين أن يستمتع هو بالوقت وبين أن يستمتع به الكرونوثيف الذي يحب أوقات الشباب وصغار السن بشكل خاص.



قال التنين: وقد جاء هذا الكرونوثيف إلى بيت الرعب واتخذه مقرا له، في البداية لم نتكلم معه، وتظاهرنا بأنه غير موجود، طوال اليوم هو يدور في مدينة الملاهي يتغذى على الأوقات المسروقة ثم يعود في المساء لبيت الرعب؛ لكنه لم يكن ينام مثلنا، كان يتسلى بإزعاجنا ومضايقتنا، وفي الأيام الأخيرة أخبرنا أنه أعجب بهذا المكان وبخيراته الكثيرة من الأوقات التي لا تجد من يلتهمها، وطلب منا أن نعمل معه في سرقة الأوقات لحسابه أو يطردنا من هنا!.



قال الدب وهو يجلس مهموما: لا داعي لهذا الكلام، نحن لن نسرق كما يريد الكرونوثيف، وهذا الإنسان لن يستطيع أن يساعدنا بشيء، لم يكن ينبغي أن نتحدث إليه يا تنين، قصص احمد يونس هو عاجز مثلنا؛ بل ربما أكثر منا، دعوه يذهب.



نظر إليّ الجميع نظرة استجداء لكي أقول إني سأساعدهم، ونظرت أنا إليهم نفس النظرة كي يتركوني أذهب في سلام قبل أن يأتي هذا الكرونوثيف أو أفقد وعيي من الرعب في هذا المكان المخيف والمخلوقات الغريبة التي تجلس حولي.



بعد أن أدركوا أني لن أقوم بدور البطولة المفترض، أفسحوا لي الطريق في صمت، فقمت مسرعا. قال التنين: قصص احمد يونس تستطيع أن تساعدنا لو أخبرت كبيرنا عما يحدث، ربما يفعل شيئا من أجلنا، خذ هذا عنوانه، قل له إنك جئت من بيت الرعب، واحك له كل شيء. أعطاني ورقة فيها عنوان فيلا في المعادي! وتراجعوا جميعا إلى داخل النفق هامسين لبعضهم: الكرونوثيف قادم، اختفوا جميعا!.



وضعت الورقة في جيبي وجريت نحو باب النفق؛ لكني تعثرت في سلك كهربائي وسقطت على الأرض، قصص احمد يونس وعندما أردت القيام مرة أخرى رأيته يتشكل. كأن شخصا يمسك ريشة ويرسم على الهواء باللون الأسود تمثال الساحر بعيونه الكبيرة وردائه الأسود ولحيته ذات اللون الأحمر. كان التمثال يكتمل وهو يتحرك داخل النفق إلى المكان الذي يقف فيه، وعندما شاهدني تجمد مكانه. مررت بجواره بسرعة متجنبا النظر إليه كان السيف يلمع في يده، ورغم أني أعلم أنه سيف ضعيف من البلاستيك؛ إلا أني خفت بشده عندما اكتمل ظهور السيف في يده من الفراغ كما ظهر هو نفسه. سمعته يصيح بصوت مبحوح: إياك أن تذهب إلى ذلك العجوز، إنهم يخدعونك، لا أحد يستطيع القضاء على الكرونوثيف، وإذا حاول أي أحد فإنه يموت، لا تذهب، لا تذهب إن كنت خائفا على عمرك.



* * *

عندما خرجت من النفق ألهث كان كل شيء في مدينة الملاهي كما هو، الزائرون يتنقلون من لعبة إلى أخرى، وصديقي عامل الكشك قد استجاب لطلب بعض الزوار الخليجيين الذين توقفوا لشراء بعض المأكولات من عنده ووضع لهم أغنية لمطربة خليجية رنت كلماتها في أذني وأنا أمر أمام الكشك "فاتك نص عمرك يا حرام، يااللي للحفلة مو جاي".



سألت نفسي وأنا أغادر مدينة الملاهي: هل يمكن أن يأتي إنسان إلى هذه الحياة ويفوته نصف عمره؟ هل يسرق الكرونوثيف من بعض الناس أعمارهم كلها؟ وأنا كم سرق مني الكرونوثيف؟ هل كانت كل دراستي التي ضاعت سدى أوقاتا التهمها سارق الوقت؟



نظرت إلى العنوان المدون في الورقة، إنها بالتأكيد فيلا مهجورة يقيم فيها ذلك المخلوق. قد يكون في شكل قط أو ثعبان. ربما يكون في شكل إنسان. لقد حذرني الكرونوثيف من مقابلة العجوز إذن فهو يتمثل شكل إنسان. هل أذهب إليه أم لا؟ وهل الأمر كله خدعة؟



عدت إلى غرفتي ووضعت الورقة على المكتب ونظرت إليها قليلا. نظرت إلى "أينشتين" على الحائط وبجواره الساعة. قمت فجأة مذعورا عندما وقعت عيني على الساعة فقد مرت نصف ساعة كاملة وأنا لا أفعل شيئا سوى النظر إلى الورقة. كثيرا ما ضاعت مني أوقات من قبل بهذه الطريقة؛ ولكن هذه النصف ساعة التي التهمها الكرونوثيف أخافتني بشدة. لا أستطيع أن أتخيل أنه كان يمر حولي في الغرفة يسخر من سذاجتي وأنا سارح أتظاهر بالتأمل في الورقة وبالتفكير فيها بينما هو يسرق مني العمر بهذه السهولة.



قصص احمد يونس "وكل شيء بينسرق مني ... العمر م الأيام ... والضي م الننّي"

* * *

لا أعرف كيف اتخذت هذا القرار.. وجدت نفسي أقف أمام الفيلا في المعادي. يجب أن أجد هذا العجوز، كل ثانية تمر أشعر بطعمها في فم الكرونوثيف حتى لو كنت أعمل في هذا الوقت وأشغل نفسي. أشعر به يسري في الهواء ويشرب وقتي ثم يغادر فرحا بسرقته. كان يجب أن آتي إلى هنا كي يجد لي هذا العجوز حلا أو يريحني من هذا العذاب.



قصص احمد يونس الفيلا عادية تماما، ليست مهجورة ولا يبدو عليها أي شيء غريب. تذكرت أني لا أعرف اسم الرجل الذي أريده. طرقت الباب ففتح لي الخادم ، قلت له: أنا أريد أن أرى صاحب الفيلا. وتلعثمت قليلا عندما سألني عن سبب مجيئي. في هذه اللحظة ظهر صاحب الفيلا في الشرفة وكان رجلا عجوزا فعلا؛ ولكنه كان يرى جيدا دون أن يستعين بنظارات قال: أنا لا أعرف هذا الشاب، من أنت؟ صحت: أنا جئت إليك من بيت الرعب في الملاهي، أرسلوني إليك.. بيت الرعب.. ألا تعرف عن ماذا أتحدث؟



قصص احمد يونس هز العجوز رأسه وقال: لا أفهم ماذا تريد، إذا كنت جئت تطلب مالا فليست هذه الطريقة المناسبة لطلب المساعدة، ارحل فورا قبل أن أطلق الكلبين عليك. ثم دخل من الشرفة تاركا الأمر بيد الخادم الذي لم يتحرك لطردي من أمام باب الفيلا كما توقعت؛ ولكنه نظر إلي قائلا: لقد تحدثت مع الشخص الخطأ، أنا هو من تريد، تعال إلى غرفتي لنتكلم.

* * *



قصص احمد يونس عدت إلى منزلي مرهقا بعد حديث طويل مع العجوز. قال كلاما كثيرا عن الكرونوثيف وعن الوقت وقد كان الكلام مثيرا في البداية ولكنه تحول إلى مجموعة من النصائح والمواعظ عندما بدأ يتكلم عن كيفية تنظيم الوقت لكي لا يأكله الكرونوثيف. قلت له: إني لم آت من أجل هذا، وأني أريد حلا جذريا للقضاء عليه وطرده من بيت الرعب لكي يستريح أصدقاء العجوز وأيضا كي لا ينخرب بيتي إذا حدثت مشكلة في مكان عملي في بيت الرعب.



قصص احمد يونس عند ذلك قام الرجل وأحضر سيفا معدنيا وأعطاه لي وقال: هذا سيف الوقت، إذا رأيت شيطان الوقت -هكذا كان يسمي الكرونوثيف- اضربه بهذا السيف وسيرحل عنك، ولكني لا أضمن لك أنه لن يعود مرة أخرى.



وضع السيف في حقيبة وأعطاها لي، ثم قال وهو يودعني: لن يكون لهذا السيف أي مفعول إذا كان الكرونوثيف يأكل وقت من يحمله، يجب أن تمنعه من ذلك أولا.



أجلس الآن لأخطط كيف سأنظم وقتي، سأصحو مبكرا و.. فجأة سمعت ضحكة من خلفي. استدرت ببطء وأنا أعرف أنه هو، بيدي اليمنى التقطت السيف وأخفيته خلف ظهري، وقفت بمواجهته. قال الكرونوثيف وهو لا يزال يضحك: إذن فقد ذهبت للعجوز وأخبرك حكاياته السخيفة عن الوقت، كل هذا لن يجدي معي، إذا أردت أن أسرق وقتك فلن تنفعك هذه المحاولات، هي فقط ستجعل الأمر أصعب عليّ ولكني في النهاية أنتصر حتما.



وتغيرت لهجته إلى الغضب وهو يقول: وجودك سبب لي مشاكل كثيرة، سكان بيت الرعب يرفضون العمل معي، وازداد رفضهم بعد حديثك معهم. أعتقد أن قتلك سيجعلهم يعودون إلى رشدهم ويعرفون أنه ما من أحد سيساعدهم.



التقط الكرونوثيف سيفه الذي كان معلقا في حزامه، وأشار به نحوي وقال: خسارة أنك ستموت، كنت أتمنى أن تعيش أكثر لأستمتع بسرقتك كل يوم.. لكن عزائي الوحيد أني سأكسب من قتلك ولاء عفاريت بيت الرعب كلهم، جميلة هي غرفتك، وهذه الصورة هناك؛ أليس هذا "أينشتين" الذي قال لكم بأن الزمن هو البعد الرابع؟ لماذا لم تسمعوا كلامه؟



وأشار بسيفه نحو صورة أينشتين فمزق السيف جزءا منها. وقال: كلكم تخافون من أن يأتي شيء ما ويأكل جسدكم في الأبعاد الثلاثة، تخافون الأمراض والفيروسات، تخافون الكائنات المتوحشة؛ ولكن حين آتي أنا وأكل من بعدكم الرابع لا يتضايق أحد، عندما أقرض من أطرافكم الممتدة في الزمن لا ينزعج أحد. أليس هذا طريفا؟ كل أفلام الرعب التي تخيفكم تصور لكم الخطر في الأبعاد الثلاثة، أنتم لا تعرفون حتى الآن الرعب الحقيقي الذي يصيبكم في البعد الرابع ولا تشعرون بشيء.



أعاد السيف إلى ناحيتي رافعا إياه في وجهي، ثم سألني بسخرية: والآن قبل أن أقطع حياتك كلها، هل تريد شيئا أخيرا؟ الكرونوثيف ليس شريرا، وسيحقق لك رغبة واحدة فقط على سبيل التسلية.



ابتسمت محاولا رسم ثقة زائفة على وجهي ويدي تحمل سيف الزمن خلف ظهري بحيث لا يراه. قلت له: أريد منك طلبا واحدا؛ إذا افترضنا أن كل نصائح العجوز لا تفيد معك، فما هي نقطة ضعفك الحقيقية؟ صحيح أني سأموت؛ ولكني أريد أن أعرف الإجابة التي لم يخبرني بها العجوز حسب قولك.



قصص احمد يونس أنزل سيفه إلى جواره وأخذ يضحك بهستيريا لثوان قبل أن يهدأ ويقول: مشكلتكم يا بني آدم هي الغرور، أنت لا تصدق فكرة ضعفك، وأنك لا تستطيع أن تغلبني أبدا، ولازلت تسأل نفس السؤال، أنتم أيها البشر لا يمكنكم إدراكي أصلا؛ فكيف تقضون علي؟ هل يمكن للنملة أن تدرك ما هو الفيل؟ لا يستطيع عقلها الصغير ذلك ولا يمكنها رؤية كل أجزائه، وحتى لو أدركت ما هو الفيل هل تعتقد أنها يمكن أن تضره في أي شيء؟ أنت بالنسبة لي أقل من نملة، لا ترى مني إلا جزءا يسيرا وشكلا واحدا هو شكل لعبة الساحر، ولا تعرف عني إلا أقل القليل، ولا يمكنك أن تؤذيني في شيء، أما أنا فأملك أن أسحقك في لحظة.



نظر إلى الجدول الذي كنت أرسمه لتنظيم وقتي وقال ساخرا: هذه الخطط التي ترسمها على الورق، عندما تنام آتي أنا وأغير الأرقام والكتابات فلا تستفيد منها، تذهب إلى ميعاد مع صديق فأفتعل أي شيء كي أجعله يتأخر ويضيع منك الوقت وينتقل إليّ؛ أما هذه الأجهزة الإلكترونية التي تستخدمونها لتنظيم الوقت فهي أجمل شيء بالنسبة لي، يمكنني العبث بها بسهولة مطلقة، إجابتي على سؤالك كما قلتها لك هذا الصباح في بيت الرعب: لا يمكن أبدا القضاء على الكرونوثيف بيد إنسان مسلوب العمر.



رجعت خطوة للخلف ورفعت سيف العجوز في وجهه وقلت: حتى لو كان معي هذا؟ امتقع وجه الكرونوثيف وبدا عليه الارتباك قليلا، هويت بالسيف عليه؛ لكنه صد ضربتي بسيفه والتقى السيفان في جزء من الثانية ثم اختفى بعدها. لم أجد أي أثر له بعد ذلك؛ لكن أثر خبطته على سيف العجوز ظلت موجودة. وهذا يعني أن سيفه أقوى من سيف الزمن. هذا الكرونوثيف صعب حقا، ولا أعرف هل سيعود إلى بيت الرعب وهل سيتوقف عن مطاردتي أم لا.



الآن أنا سأنام فقد أصبح الوقت متأخرا، في الغد سيكون على أن أفتح بيت الرعب لأول مرة منذ أن أغلقه المدير الأسبوع الماضي، وسيكون هناك الكثير من الزوار. أغمض عيني وبجواري سيف الزمن يحرسني.

* * *



في اليوم التالي فاجأني حارس مدينة الملاهي عندما منعني من الدخول، وقال لي إن المدير فصلني! قلت له: كيف ولماذا؟ فتذكرت أني رحلت بالأمس دون أن أغلق لعبة بيت الرعب، وقال الحارس: إن المدير مر فوجد باب النفق مفتوحا ولا أحد بجوار اللعبة، فأصدر أمرا بطردي، وقام بتعيين شاب آخر مكاني.



استعطفت الحارس وقلت سأدخل كي أعتذر للمدير فرفض، وقال: إنه غير موجود. لم يكن هناك أمامي إلا أن أقطع تذكرة مثل أي زائر للمدينة، أول مرة أقطع فيها تذكرة لمدينة ملاه في حياتي؛ ولكني لم آت لألعب.. أنا هنا لكي أعرف هل رحل الكرونوثيف من بيت الرعب أم لا.



قصص احمد يونس لم يكن من الممكن أن أدخل ومعي السيف طبعا؛ لكني أخذت معي من المكتبة بصورة عشوائية كتابا أقرأ فيه حتى لا تضيع مني ثانية واحدة فيأخذها الكرونوثيف سارق الوقت. وقد كان هذا الكتاب مصدر سخرية الجميع، فليس من المعتاد أن يقف المرء في طابور في انتظار لعبة بيت الرعب وفي يده كتاب عن الإدارة الذاتية وتنظيم الوقت! لكني لم أبال بالتعليقات الساخرة التي كنت أسمعها بين الحين والآخر. وقفت مع الزوار في الطابور منتظرا دوري لأركب القطار، بينما عامل اللعبة الجديد يتحدث مع رجل سقط منه هاتفه داخل النفق.



ابتسمت وأنا أتذكر نفسي في مثل هذا الموقف عندما كنت أساعد الزوار الذين فقدوا أشياءهم. وأخذت أتابع القلق الذي ارتسم على وجه الرجل الذي ربما سرق منه هاتفه المحمول أو ضاع، وكيف سيكون رعبه عندما يعرف كم فقد من الدقائق والساعات والأيام التي سرقها منه كرونوثيف.



جاء دوري لركوب القطار وكان معي مجموعة أطفال يبدو أنهم من مدرسة واحدة إذ كانوا جميعا يرتدون نفس الزي. والعجيب أنهم كانوا يشبهون بعضهم أيضا؛ حتى أني شككت في أنهم جميعا إخوة أو أقارب. ركبنا القطار ودخلنا النفق. لم يكن هناك أي شيء غريب، كل الألعاب كما هي. ولكني لم أر أي واحد من العفاريت، ولم أر الكرونوثيف. اقترب القطار من نهاية النفق فشعرت بارتياح. لقد رحل الجميع وأصبح بيت الرعب نظيفا. صحيح أني فقدت وظيفتي؛ لكن الكرونوثيف لن يطاردني أو يحاول قتلي. لعله رحل إلى مدينة ملاه أخرى.



وقبل النهاية بقليل توقف القطار وأظلم المكان تماما. لم يكن معي مصباحي الكهربائي ولا أي وسيلة للإضاءة، وخمنت أن الأطفال سيصيبهم الرعب من توقف القطار فقمت من مكاني محاولا تهدئتهم وقبل أن أقول شيئا رأيت الكرونوثيف واقفا يضحك وبيده سيفه يحركه يمينا وشمالا في حركة استعراضية. قصص احمد يونس نزلت من القطار وتوجهت نحوه وقلت: إذا أردت أن تقتلني وأنا أعزل، فلا تفعل هذا أمام الأطفال على الأقل، هذا طلبي الأخير؛ ألست كرونوثيف طيب وتحقق لقتلاك طلباتهم الأخيرة؟



فجأة توقفت ابتسامة الكرونوثيف التي كنت أراها بصعوبة في الظلام وخيل إلي أنه أصيب بالرعب. لأول مرة أرى شيطانا في الظلام في بيت الرعب وهو مرعوب! لاشك أن ما يخيفه هو أمر خطير جدا، وأنا أولى بالخوف منه. ارتجفت لخوفه واستدرت خلفي لأجد كل الأطفال الذين معي في القطار قد قاموا وأخرج كل واحد منهم قوسا وسهما وأعده في وضع الانطلاق. أشار إليّ أحدهم أن أتحرك بعيدا عن شيطان الوقت، ثم انطلقت السهام كلها في لحظة واحدة لتخترق جسد الكرونوثيف.



عاد الأطفال إلى أماكنهم في القطار واقتربت أنا من الكرونوثيف الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يهذي بكلمات غير مترابطة: "السهم.. الوقت كالسهم وليس كالسيف.. السهم أسرع من السيف". التقطت السيف الذي كان قد سقط منه وغرزته في موضع القلب، وقلت: ولكن السيف أقوى من السهم. توقف الكرونوثيف عن الكلام وتحول جسده إلى شعلة من نار لم تلبث قليلا حتى تحولت إلى رماد.



عدت إلى مكاني في القطار دون أن أتبادل أي كلمة مع الأطفال الذين عرفت حقيقتهم الآن. وتحرك القطار مرة أخرى خارجا من بيت الرعب. نزلت من القطار ورآني بائع الكشك فاقترب مني وسألني عما حدث ولماذا تركت العمل ولماذا عدت لركوب اللعبة، ولماذا أحمل في يدي كتابا عن إدارة الذات؟ لم يستمع لإجابتي ولكنه قال إني غريب فعلا، ثم عاد إلى الكشك الذي امتلأ بالزبائن من جديد بعد أن عادت الحركة إلى بيت الرعب.

* * *


بجوار صور العلماء في غرفتي علقت سيف الزمن الذي أهداه لي العجوز، قصص احمد يونس واشتريت مجسما لقوس وسهم. الآن اكتملت المجموعة، صور علماء يبحثون في فيزياء الزمن، وسيف يشير إلى قوة الزمن، وسهم يذكرني بسرعته. الآن وبعد أن جاءني الرد من إحدى الشركات التي كنت قدمت فيها أوراقي للبحث عن عمل، سأذهب لاستلام عملي في مختبر فيزياء جديد؛ ولكني لن أنسى أبدا ما تعلمته في تلك الفترة التي قضيتها حارسا لبيت الرعب. ستظل آثارها في غرفتي وفي داخل وجداني وفي أعماق أعماقي إلى آخر لحظة في العمر.

  • Blogger Comments
  • Facebook Comments

6 التعليقات:

  1. مافية شي يخوف سمااجه

    ردحذف
  2. روعه والله ..أود أن اشاركها مع أصدقائي في مواقع التواصل الاجتماعي .
    اتسال عن حقيقة هذه القصص هل حدثت فعلا أم أنه محض خيال
    شكرا لكم على هذا المجهود الرائع. .. أيمن

    ردحذف
  3. this conte is long

    ردحذف
  4. القصص حلوة ♥

    ردحذف

تعليقك يحمسنا على استمرار نشر القصص

Item Reviewed: قصص رعب احمد يونس على القهوة 2016 Stories Ahmed Younes اروع قصص رعب مكتوبة على الانترنت Rating: 5 Reviewed By: AHMED Channel