الخميس، 25 فبراير، 2016

قصة ورطة حياة بقلم حسين أزرو

لمتابعة القصص الجديدة يوميا اضغط اعجبني ( like )

قصة ورطة حياة بقلم حسين أزرو


ورطة  حياة
بقلم: لحسين أزرو

جلس الإثنان جنبا إلى جنب في تلك الحديقة التي يحكى عنها أن سقطت في الطائرة في زمان ما. و خيم الصمت على المكان   لمدة غير يسيرة حتى أصبح لا يسمع إلا حفيف الأشجار وخطوات المارة. همت بالكلام لكسر الصمت المطبق و أعادت السؤال عن الحال و الأحوال كما في بداية اللقاء. ليجيبها باختصار شديد وكأنه قد أهمه أمر : "بخير".
      حاولت إخراج ما بجعبته بكل الطرق  والإغراءات,  تطرقت تقريبا لجميع المواضيع علها تلامس ما يقد يفتح شهيته في الكلام. غير أنها لم تفلح بعد. و أخيرا فطنت أنها ثرثارة أيقظت روما كلها دون أن تقول عبارة مهمة أو تطرد الصمت بعنف الكَلمة .
     صمتت هنيهة تراقبه إلا أن صبرها كان أسرع من البرق, ثم أردفت قائلة: "ما الذي شغلك وأخذ مني كلماتك؟".  رفعت صوتها و بنبرة ممزوجة بقليل من الغضب و كثير من الحزن أضافت: "ألا تريد محادثتي؟ أتريدني أن أنصرف؟ طبعا سأفعل, سأتركك وحدك. يبدو أنك أيها المريخي قد حل بك موسم دخول  كهفك والانزواء في ثناياه". و بابتسامة محتشمة  أضافت: "ها أنا ذاهبة إلى أن تفتح شهيتك في الحديث و تخرج من انطوائك لتبحث عن زهريتك لتحادثها وتجاملها كما عهدتك أيها ..." لتقاطع كلامها بضحكة  هستيرية حتى أثارت انتباه كل من كان في المنتزه. التفت إليها الغائب الحاضر و كأنه قد استيقظ من سبات عميق: "آآه ...ما..ماذا قلت؟ "
      تفاجأت بردته و بدت وكأنها لم تعد تحتمل تجاهله.  بدأ اليأس  يتسلل إلى خاطرها و الحزن يسكن  دربها، وهمت بأخذ حقيبتها  لتنصرف كاتمة همها  بين ضلوعها. خطت خطوات ثلاث والتفتت إليه. يبدو أنها لا تقوى على الرحيل. استرجعت أنفاسها و أنطقت بوابل من اللعنات على الشيطان لتعود حيث انطلقت لتسأله من جديد: "بالله عليك أخبرني ما الذي أصابك؟ بحق الله يا حبيبي, يا روحي, لا تترك الكلمات ترحل عن شفتيك؟   بئس الحب حين يخون الكلمة ويتحالف مع  الوجوم " .
-       رد بكل برود: "لا ءء...لا شيء؟"
أمسكت بذقنه بأناملها وأمالت وجهه تجاهها برفق، وجعلته ٌيحدق في مقلتيها السوداوتين و تقول بنبرٍة جذابة خافتة:
-       "لا تخف ما فعل بك الزمان, اشرح صدرك و اطرد غمك ,لا تخف قد يمر الزمان و تنجلي الأحزان راكعة لقوة الأفراح وتتغير الأشياء من حولك ..." ثم أنشدت له بيتا شعريا مطلعه:
-       " دع الهم ما استطعت *** فحملانك للهموم جنون "
    وضعت يدها فوق رقبته محاولة معانقته, ثم بدأت تغني أغنية حزينة مطلعها: "حبيبي خبرني...".
   غير أنه أفف في وجهها و أزاح يدها عن رقبته. توقفت عن الغناء. لتعيد نفس السؤال :
-        "قل لي ما بك و لو في كلمة؟"
-       رد: "لا شيء؟ "
-       "إذن نبئني بتأويل هذا الصمت؟ وما سر هذا الإطراق؟ و إلى متى ستبقى صامتا هكذا كالجماد؟  لست ثرثارة أو مجنونة حتى أتكلم لوحدي مع أنني متيقنة أنك لا تسمعني و لا تنصت لي و لا تحس بي. هل هذا يعني أنك لم تعد يكن لي نفس المشاعر؟ هل قبرت حبا قبل اكتماله؟ ودبحت تلك الأحاسيس الراقية  ؟"
-       "ليس تمة ما يقال".
-       ". كلام الحب الذي لا ينتهي وإلا مات وحان  وقت الرحيل. أكيد, هناك كثير مما يقال, كثير لم نخض فيه بعد ".
-        "مثلا؟"
-       "ابدأ أنت, لك الكلمة. اختر الموضوع الذي يروقك, المهم أن أسمعك, كل خلية في تشتهي كلامك. هيا ابتسم تكلم..." ثم أنشدت: "كلامك كلام كلامك كلام..."
-       "أوكي... ماذا رأيك في القضية الفلسطينية؟"
-       "هآآآ...فلسطين...؟؟؟ ما لي و لفلسطين؟ ما هذا الهراء؟ و منذ متى بدأ عندك الاهتمام بهكذا مواضيع؟"
-       "إذن ماذا عن داعش؟"
-       "آآآه...؟ ماذا...؟ لابد أنك جنت أو حدث لك ثقب في الذاكرة. لكن لن أتركك على هذا الحال. لا بد أن أصطحبك إلى طبيب نفساني. حالك لا يروقني".
     التف إليها و حدق في عينيها البـريئتـين والمغرورتين بالدموع، والغصّة في صوتها الخافت و الحمرة  تعلو  وجنتيها و الدهشة قد ملأت محياها. أمسك أصابعها الصغيرة و وفجأة ودون سابق إنذار قال لها مبتسما:
-       "حبيبتاه..!!! ليس بي غم ولا هم و لا أي شيء مما تتخيلينه إلا أنني في ورطة".
      رنت كلماته في جو السماء وكسرت ذلك الصمت المطبق. حملقت في وجهه باندهاش كبير أضفى عليها هالة من أنوثة مميزة  كان قد عهدها في مند زمان, حاولت التعقيب, لكنه لم يترك لها فرصة للكلام ثم أضاف:
-       "لقد نجحت أيتها العفريتة النبيلة  في آخر اختبار و تجاوزت آخر استفزاز قبل قرار عقد القران. لقد تورطت فيك وانتهى  الأمر".
     ثم وقف و ابتسم ابتسامه صغيرة. بينما لا تزال هي في دهشة واستغراب  و لم تصدق بعد ما يجري, أهو حلم في نوم عميق أم يقظة حمقاء؟ و قال بصوت عال:
-  "أنا حقا احبك "
     اقتربت منه وقبلت جبينه ثم عانقته  بشدة لدقائق طويلة وأطلقت العنان لدموعها  دون أن تنطق ولو كلمة واحدة.
     أخذ يدها وضغط عليها بشدة  حتى ألمتها ثم قبل كفيها برقة و قال لها بصوت هادئ يملؤه الحب والرضا : "ليس أمامي مجال للفرار منك, لذلك لن آوي إلى  جبل  يعصمني من أمواج و عواصف الهيام, بل سأركب معك سفينة الحياة  بعد أن أكملنا بناءها سويا". وفجأة صرخ صرخة  على إثرها دوّى المكان كله : "مودتي السرمدية. لقد ورطيني فيك و انتهى الكلام... " انتهى الكلام.
  • Blogger Comments
  • Facebook Comments

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك يحمسنا على استمرار نشر القصص

Item Reviewed: قصة ورطة حياة بقلم حسين أزرو Rating: 5 Reviewed By: AHMED Channel