الثلاثاء، 26 يوليو، 2016

قصة سيدنا موسي بطريقة رائعة Story prophet Moses full من اجمل قصص الانبياء

لمتابعة القصص الجديدة يوميا اضغط اعجبني ( like )

قصة سيدنا موسي بطريقة رائعة Story prophet Moses full من اجمل قصص الانبياء



قصة سيدنا موسي 

قصة سيدنا موسي Story prophet Moses full


قصة سيدنا موسى من اجمل قصص الانبياء بتبدي بـ رفض قانوني صارم لـ وجوده من قبل مايتولد بسنين!
الي حصل إن الفرعون الي كان بيحكم مصر وقتها كان حاكم جبّار ظالم بيدّعي الألوهية .. كان بيستعبد بني إسرائيل وبيحمّلهم فوق طاقتهم وبيستغلهم في الأعمال الشاقة من الخدمة والبناء وتعمير البلاد ..
_
في يوم من الآيام وصلت للفرعون أخبار إن بني إسرائيل عندهم نبوءة مضمونها إن واحد منهم هيكون سبب في هلاكه وسقوطه عن عرش مصر وتحرير بني إسرائيل من إستعباده ليهم .. [ مانقدرش نحدد إيه مصدر النبوءة دي بالضبط ..
- في الي قال إنها مجرد أسطورة إختلقها بنو إسرائيل عشان يعشموا نفسهم بظهور بطل منهم يكون على إيده هلاك الظالم وتحريرهم .. وده أضعف الآراء
- وفي الي قال إن أحد شيوخ بني إسرائيل أو أحد الكهنة عندهم شاف رؤيا بـ مضمون النبوءة دي , فـ نشرها عشان يطمّن بيها قومه ويصبّرهم على الي هما فيه , وفي نفس الوقت يخوّف أتباع فرعون فيخففوا من أذيتهم لبني إسرائيل ..
- وفي الي قال إن فرعون نفسه هو الي شاف حلم فيه نار جاية من بيت المقدس وبتحرق مصر والمصريين أجمعين لكن مابتئذيش بني إسرائيل .. ساعتها أحد الكهنة فسرهاله بالمعنى ده ..وده كان رأي السُدي وتبنّاه كثير من المفسرين فـ هو أقرب الاراء للصواب .. والله أعلى وأعلم بالأصح ]
المهم إن خوف الفرعون على عرشه خلاه فوراً ومن غير تفكير يصدر قرار بـ إعدام أي طفل ذكر يولد من بني إسرائيل
لكن المستشارين الي حواليه نبّهوه إن القرار ده هيكون سبب في فناء بني إسرائيل لإن الكبار منهم بيموتوا بسبب سنهم , والصغار بيتم قتلهم .. فبالتالي إحنا هنتضرر من قلة الأيدي العاملة وده هيأثر على إقتصاد البلد كله
فـ الأفضل إن العملية تتنظم , بإنهم يذبحوا الاطفال الذكور من بني إسرائيل في سنة , والسنة الي بعدها يسيبوا أي طفل ذكر يتولد فيهم عشان نضمن الحفاظ على النسل وبالتالي مانتأثرش بـ قلة الأيدي العاملة ..
فرعون وافق على الكلام ده وحسه منطقي وفيه مصلحته .. فـ أصدر القرار وإبتدا تطبيقه
ومن هنا زاد العذاب على بني إسرائيل بدل مايخف ..
_
في الوقت ده أم سيدنا موسى حملت بـ أخوه هارون في السنة الي الذكور ما بتتدبحش فيها .. فـ خلّفته في أمان من غير ماحد يئذيه أو تخاف عليه ..
لكنها حملت بـ سيدنا موسى نفسه في السنة الي مفروض يتقتل فيها أي طفل ذكر .. فـ كان الحمل ده كله خوف وقلق على المولود ..
يُحكى إنها حملت بيه من غير مايبان عليها أي آثار للحمل , بطنها ماكبرتش بشكل مُلفت وشكلها ماتغيرش زي باقي الحوامل .. فـ أتباع فرعون ما ميّزوش حملها .. بس كان ليها صديقة مُقرّبة هي أصلاُ قابلة من القوابل [ يعني واحدة من الأقباط المُكلّفين بـ توليد نساء بني إسرائيل , بيوّلدوهم مخصوص عشان يعرفوا نوع المولود فلو كان ذكر يبلّغوا الذبّاحين فوراً عشان يقتلوه]
روى ابن عباس عن موقف ولادة أم موسى , إنها لما جت تولد بعتت تجيب صديقتها دي وبتستغيث بيها عشان توّلدها وهي متعشمة فيها بسبب غلاوتهم عند بعض , قالتلها " قد نزل بي ما نزل ، فلينفعني حُبك إياي اليوم"
الست جت لها بسرعة وولّدتها فعلا .. لكن اول ما سيدنا موسى إتولد وشافته .. شافت نور جميل على جبينه .. إترعش جسمها وربنا زرع حبه في قلبها فـ حنت عليه ورحمته .. إعترفت لأمه إنها ماكنتش جاية تساعدها وكانت كل نيتها انها تشوف مولودها ولو كان ذكر هتبلّغ الذبّاحين وتتم مهمتها .. لكنها لما شافت الطفل حبته حب ماحبتهوش لأي طفل قبل كده .. فـ تراجعت عن نيتها و وّصتها إنها تحافظ على ابنها وتخبيه .. وفي رواية زادت على الكلام إنها شاكة يكون هو ده الطفل الي فرعون مستنيه ..
_ سيدنا موسى لما إتولد وكان ذكر فعلاً وبعد الموقف ده كمان كانت النتيجة الطبيعية إن خوف أمه عليه زاد وتأكد فـ بقت حريصة انها تحمي إبنها و محدش يوصل ليه .. بقت ترضعه في السر وتفكر في حل , لحد ما ربنا أوحى ليها في يوم من الأيام إنها تصنع صندوق صغير تحطه فيه وتسيبه في اليم ..
[- اليم هو البحر .. والمقصود بيه هنا النيل , رغم إن البحر بيتميّز عن النيل إن مياهه مالحة لكن إتسمى النيل بحر بسبب إتساعه..
- إختلفوا في طريقة الوحي دي .. فـ قالوا إنه كان عن طريق الإلهام .. وقيل عن طريق رؤية في المنام .. وقيل عن طريق إرسال ملك مُتمثل على هيئة بشر.. فـ الله أعلى وأعلم ]
كان قلب الأم بيتقطع خوف وقلق وألم وهي بترمي إبنها الرضيع في النيل لكنها كانت عارفة ومتأكدة إن رحمة ربنا هتكون أكبر من رحمتها بـ إبنها بمراحل .. وكان هو ده الضمان الوحيد .. ثقة في الله لا أكثر
( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .. [ آية 7 : سورة القصص ]
الآية دي عظيمة بليغة متكاملة .. جمعت بين خبرين و أمرين ونهيين وبشارتين ..
• الخبرين ..
إن ربنا أوحى ليها (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) .. وإنها هتخاف عليه (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ)
•وبناءاً على الخبر التاني ربنا أمرها بـ أمرين ..
إنها ترضعه (أَنْ أَرْضِعِيهِ) , وإنها تلقيه في النيل (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ) .. [ يُقال أرضعته لحد مابقى 3 شهور , ويُقال لحد 4 شهور ]
• وبسبب الأمرين ربنا نهاها عن حاجتين ..
إنها ماتخافش (وَلَا تَخَافِي ) , وإنها ماتحزنش (وَلَا تَحْزَنِي ) .. [ والنهي عن الشيء هو في الواقع نهي عن سببه , فـ الخوف سببه توقع أمر مكروه .. والحزن سببه حصول المكروه فعلا , زي فقد الحبيب أو بعده أو غيره .. ] فـ كان النهي في الأساس إنها ماتتوقعش حدوث المكروه , وماتفكرش في وحشة الفراق
والمعنى " ماتخافيش عليه من الهلاك أو من حصول مكروه ليه بسبب إلقاءه في اليم " .. و" ماتحزنيش على فراقه وبعده "
بس ربنا لما نهاها كان هو وحده العالم إنه بينهاها عن حاجتين في منتهى الصعوبة .. وبالتالي ماسبهاش من غير ضمان ..
• فكان الضمان والاطمئنان في بشرتين ..
البشرى الأولى .. إنه هيرده ليها ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) , ومن هنا نعرف السبب والعلة في النهي , لإنه مدام هيترد ليها بضمان ربّاني يبقى مافيش داعي تخاف من الكروه ولا تحزن من طول الفراق ..
وزاد على البشرى الأولى بشرى تانية لـ إدخال السرور عليها .. فـ طمّنها وبشّرها إنه بعد سنين هيجعله من المرسلين .. ( وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .. والبشرى دي مش بس تفرّحها إن ربنا كرّمه وكرّمها بإصطفاءه وجعله من المُرسلين , دي كمان تطمّنها أكتر إنه مش هيتقتل ولا يحصله أي مكروه بدليل إنه هيعيش سنين لحد مايبقى رسول .. _
ولإن ربنا عند ظن عبده بيه , فـ كان عند حُسن ظن أم موسى وزاد على ظنها كرم ماكانتش بتتخيله
مجرد ما الطفل إتحط في النيل ربنا أصدر أمره لـ الأمواج إنها تكون هادية وحانية عليه , فضلت الامواج في هدوءها ورفقها لحد ما وصلّت سيدنا موسى لـ قصر الحاكم الجبّار الي أمر بـ قتله! .. وهناك الموج سلّمه للشاطئ فـ إستقر الصندوق على اليابس جنب قصر الفرعون .. عشان يتحقق المشهد زي ما ربنا وصفه بالضبط .. (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴿38﴾ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) .. [ سورة طـه ]
وألقيت عليك محبةً مني يعني كل الي يشوفه يحبه .. قبول فوري وحب وتعلّق في قلوب الناس بمجرد رؤياه
وبوادر المحبة والقبول دول بنشوفها بتتحقق فعلاً مع زوجة فرعون نفسه ..
لما فتحت الصندوق ولاقت جواه طفل جميل .. ربنا زرع في قلبها القبول والحب والتعلق بالطفل ده من أول لحظة .. فـ رحَمته وحنّت عليه , وقررت إنها هتربيه
[ زوجة فرعون إتسّمت آسية زي ماعرفنا في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم « كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام » .. رواه البخاري]
آسيا زوجة فرعون كانت عكس جوزها تماماً .. كان هو كافر وهي مؤمنة , كان هو قاسي وهي رحيمة حنينة , كان هو جبار وهي رقيقة وطيبة .. وكان الي منغّص عليهم حياتهم حرمانهم من الذرية , هي كانت بتتمنى ولد .. فـ مجئ سيدنا موسى كان بـ مثابة هدية ربّانية ..
هو كان هدية فعلا .. لكن مش ليها لوحدها , إنما للمستضعفين أجمعين ..
آسيا راحت لفرعون وهي شايلة الطفل فـ سألها مين ده ! .. حكتله عن الصندوق , فقالها ده ممكن يكون أحد أطفال بني اسرائيل .. هو مش مفروض أطفال السنادي محكوم عليهم بالقتل ؟
فكّرته بـ حرمانهم من الأولاد وطلبت منه يسمحلها إنها تربيه .. [ يُقال إن حرمانهم من الأولاد مكنش بسبب عُقم حد فيهم , ويُقال كان عندهم بنت .. لكن كانوا كل مايخلّفوا ولد يموت .. فضلوا على الحال ده 7 سنين واكتر .. زي مايكون ده كله كان تهيئة لوصول سيدنا موسى , عشان يتضاعف حب آسيا ليه ويكون عند فرعون دافع أكبر إنه يخليه ..]
فرعون ماوافقش على طول .. آسيا قعدت تتحايل عليه وتستعطفته كتير .. حاولت تحببه فيه فقالتله هيبقى قرة عين لي ولك [قرة عين مأخوذة من الإستقرار , لإن العين لما تشوف حاجة بتحبها وتفرح بيها بيستقر نظرها عليها .. وهي كناية عن السرور .. دلالة على إنهم هيبقوا مسرورين فرحين بسبب وجود الطفل ده .. والكناية دي جاية من عكس المعنى , فـ عكس قرة عين هو سخنة عين , وهي أثر البكاء المُلازم للحزن والأسى] ..
رد فرعون على الجملة دي فقالها "أما لكِ فنعم , وأما لي فلآ " .. [ وعن الجزئية دي روى النسائي وابن عباس إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "والذي يُحلف به , لو أقرّ فرعون بأن يكون قرة عين له كما أقرَتْ , لهداه الله تعالى به كما هدى به امرأته , ولكن الله عز وجل حرمه ذلك " ..]
كملت آسيا دفاعها وإقناعها , قالت للذبّاحين "لاتقتلوه" .. وفوراً قدّمت السبب والتعليل فقالت "عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا "
(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) .. [ آية 9 : سورة القصص ]
"لايشعرون" هنا مش من كلام آسيا .. إنما هو من كلام الله عز وجل تعقيباً على الموقف .. والضمير عائد على فرعون وأتباعه .. بمعنى لايشعرون ولا يدركون ولا يتوقعون إن الطفل ده هو الي هيكون على إيديه هلاكهم وسقوطهم [ وقيل لا يشعرون عائدة على بني إسرائيل , بمعنى لا يشعر بني إسرائيل إن الفرعون لاقاه .. لكن التفسير الأول أقرب للأصح , والله أعلم ]

وافق الفرعون عشان تتحقق المشيئة الربّانية ويبدأ التحدي الإلاهي فنلاقي ربنا شاء وأراد إن فرعون نفسه يحمي النبي الي أمر بقتل ألاف الأطفال عشان يقتله ! ..
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) .. [ آية 8 : سورة القصص]
من أجمل وأبلغ التعبيرات في الآية دي :
- إنها وضّحت عاقبة الأمر [يعني النتيجة النهائية لإلتقاط سيدنا موسى] , وهو إنه هيكون عدو لفرعون ووزيره وكل أتباعه , وعداوته ليهم هتكون نهايتها انتصاره فـ توّرثهم هما الحزن والخسارة
- بعدها ختم الآية بتعليل العاقبة دي .. هما حصلهم كده ليه ؟ .. لإنهم كانوا خاطئين ..وهنا فرّق الفصحاء بين مُرتكب الخطأ ومُرتكب الخطيئة ..
فـ مُرتكب الخطأ هو الي عمل عكس الصواب بدون تعمّد [ويبقى الفعل منه أخطأ / والفاعل منه مُخطئ ] ..
بينما مُرتكب الخطيئة هو الي بيتعمد عمل الذنب لدرجة إنه كأنه بيفرح إذا أذنب [ويبقى الفعل منه خَطِئَ / والفاعل منه خاطئ ]
فـ الآية وضّحت إنهم كانوا "خاطئين " .. يعني مُتعمدين للظلم والعصيان والذنوب والآثام الي كانوا بيعملوها كأنهم فرحانين بيها .. فـ إستحقوا الجزء الأول من الآية وهو إرسال عدوهم الي هيلتقطوه ويربوه عشان بعد سنين ينتصر عليهم فيكون سبب حزنهم وهلاكهم
_
كل الحذر الي فرعون حاول يحمي نفسه بيه مامنعش عنه قدر ربنا وتحدّيه .. (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) .. [آية 6 : سورة القصص ]
"منهم" عائدة على بني إسرائيل .. وهامان هو اسم منصب مش اسم شخص .. وهو بالتحديد وزير الفرعون [ فـ أي وزير للفرعون يُسمى هامان .. زي ما لفظ "فرعون" نفسه منصب حاكم مصر في الفترة دي مش اسم شخص بعينه ]
[ في روايات تانية مُختلفة في شخصية الي لاقى التابوت .. فـ قيل إن فرعون نفسه كان قاعد كـ عادته في مجلسه على النيل وجنبه آسيا , في الوقت ده مر التابوت قدامه .. فـ أمر أتباعه إنهم يشوفوا إيه الي في النيل ده ويجيبوه ..
لما جابوه وفتحوه إبتدا الحوار السابق في إنه كان عايز يقتله وآسيا كانت بتستعطفه ..
- وقيل في رواية تالتة إن كان عنده بنت وحيدة لكنها برصاء .. أول ماشافت سيدنا موسى في التابوت شُفيت من مرضها , فـ أخدته لأبوها الفرعون وحكتله الي حصل .. وهنا ابتدا النزاع والنقاش نفسه بين إنه يتقتل ولا يربوه .. فـ الله أعلم بأيهم الأصح ..] _
آسيا واجهتها مشكلة , الطفل بيرفض أي مُرضعة .. من ساعة ما جيه وهو بيبكي بشدة من الجوع لكن كل ماتجيبله واحدة ترضعه مابيقبلش يرضع ..إحتارت آسيا وإتقطع قلبها على الطفل الي إعتبرته زي ابنها..
[ رفضه للمراضع كان بأمر ربّاني (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) , لكن نقدر نقول إن من مُقدمات الموقف ده هو تعوّده على لبن أمه في الكام شهر الي رضّعته فيهم قبل ماتلقيه في النيل .. وهنا نعرف إن ربنا لما قالها "أرضعيه " كان ورا الكلمة حكمة حتى في أدق الأوامر الربّانية وأصغرها]
بس ماكنتش هي الوحيدة الي قلقانة عليه وشايلة همه .. أم موسى في الوقت ده كانت مابتفكرش في حاجة غيره .. مشهد الصندوق وهو بيبعد عنها مش مفارقها .. شكل الأمواج وهي بتاخد ابنها يمين وشمال قطّع قلبها وخلاها تبعت أخته ورا الصندوق تتبع أثره وتطمن على حاله وتعرف هيوصل لحد فين ..أول مارمت الصندوق في النيل إبتدت الاخت فعلا تتابعه من بعيد عشان محدش يحس انها تعرفه (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ )
شافته وهو رايح ناحية قصر الفرعون .. شافت الجواري وهما بياخدوه وبيدخلوه عند زوجة فرعون .. رجعت فوراً لأمها تبلغها .. الأم إترعبت .. معقول هي ترميه عشان تحميه من أتباع فرعون الي بينفذوا أمره , فيبقى مصيره بين إيدين فرعون نفسه!!
في الوقت ده تحوّل قلب أم موسى وبقى فارغ من الصبر , فارغ من القوة , فارغ من القدرة على التحمّل , فارغ من كل أمور الدنيا إلا الحزن والخوف على موسى
فكرت جديّاً تروح لقصر الفرعون وتقوله ان ده ابنها , تستعطفه وتترجاه على أمل إنه يرحم دموعها فيسبهولها ..
لولا إن ربنا ربط على قلبها فـ قوّاها وصبّرها وملاها بالسلام النفسي والسكينة , هديت وإستكانت وسابت الموضوع لربها وتمسّكت بالوعد الإلاهي السابق إنه هيحميه ويردّه ليها .. (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .. [ آية 10 : سورة القصص ]
خلصت لحظات الجزع المؤقتة ورجعت أم موسى لإيمانها ويقينها ..قالت لبنتها تروح القصر تتابع أخبار أخوها وتيجي تقولها
راحت أخته فعلاً لحد ما وصلت لقصر فرعون , وقفت تبص وتحاول تفهم في إيه وإيه سبب الإرتباك الي القصر فيه ..
لحد ماعرفت إن أخوها رافض أي ست ترضّعه , ولاقتهم محتارين مش عارفين يأكلوه إزاي ولا يعملوله إيه
فـ قالت للحرس أنا اقدر أدلكم على ناس يرضّعوه ويتكفّلوا بـ رعايته ويخدموه .. (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) .. [ آية 12 : سورة القصص ]
[ (مِن قَبْلُ ) معناها من قبل ماتيجي أخته .. وقيل معناها من قبل إلتقاطه , بمعنى إن التحريم كان مُقدّر عليه ومكتوب في علم ربنا الأزلي من قبل الموقف بكتير .. وده تحريم منع مش تحريم شرع
(نَاصِحُونَ) من النصح مش من النصيحة , والنصح هو العمل الخالص الخالي من التقصير والفساد ]
فرحت آسيا بالإقتراح وطلبت منهم يجرّبوا المُرضعة الي بتتكلم عنها
لما جرّبت الأم ترضّع ابنها رضع فوراً فـ تحقق وعد ربها .. إرتاح قلب آسيا وعرضت عليها تقعد عندهم في القصر لحد ماتخلص فترة الرضاعة .. فـ إعتذرت أم موسى بـ إن عندها زوج وبيت واطفال وماتقدرش تسيبهم [ العُذر كان مقبول لإن من الواضح من كلمة (يَكْفُلُونَهُ) إن السائد عندهم هو أخذ المُرضعة للطفل طول فترة رضاعته وبعدها إعادته لأهله .. زي ماكان العُرف عند العرب إن المرأة الحُرة مش مُجبرة تسيب بيتها وتقعد عند أهل الطفل الي بترضعه .. عشان كده كانت حليمة مُرضعة حبيبنا المصطفى كانت بتراعيه في بيتها فترة رضاعته صلى الله عليه وسلم]
آسيا تفّهمت وقالتلها خديه لحد ما تنتهي فترة رضاعته وساعتها رجّعيه .. وماتقلقيش تربيتك ليه مش هتبقى ببلاش , هنديكي الي انتي عايزاه وهنكرمك على رعايتك ليه طول الفترة دي
وبكده يكون ربنا كان عند حُسن ظن أم موسى بيه وأكتر , مش بس ابنها رجعلها , لا ده كمان هتقدر تربيه في علانية بأمان وسلام وأمر ملكي بيحميه! .. وفوق دا كله هتاخد فلوس على تربيتها ليه !! .. (فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) .. [آية 13 : سورة القصص]
_
تمت سنين الرضاعة وبقى موسى عمره سنتين .. فـ أمه إلتزمت بالوعد ورجّعته لـ قصر الفرعون ..
هناك إبتدت زوجة فرعون ترعاه وتلعب معاه وتحنّ عليه وتعامله زي ابنها وتخاف عليه .. أما فرعون فماكنش بيتعامل معاه ومابيشيلوش غير نادراً .. لكنه كان راضي وهو شايف زوجته سعيدة للدرجادي بسبب الطفل ده
في مرة من المرات النادرة الي فرعون شال فيها موسى فوجئ بإنه شد لحيتة بقوة لدرجة ان في كام شعرة منهم اتقطعوا في إيده !! .. فرعون ثار وغضب وإتأكد انه فعلا مش طفل عادي وقال ده عدوي وهو المقصود بالنبوءة !.. فـ أمر الحراس يجو عشان يقتلوه
آسيا حاولت تدافع عنه وتفهّم فرعون انه مجرد طفل ومش فاهم ومش قاصد .. بس فرعون طبعا ماقتنعش ..
آسيا مايأستش وإقترحت إقتراح عشان تنقذه .. قالتله الاطفال مش بيميّزوا بين الجواهر والجمر اللي من نار
فهاتوا قدام موسى جواهر وجمر [وقيل كان الإختبار بـ تمرة وجمرة ] .. لو أخد الجوهرة يبقى هو فعلا مش طفل عادي لانه فهم إن المجوهرات غالية وثمينة وقيّمة فإختارها .. أما لو كان طفل طبيعي مش بيميّز هيختار الجمر لانه مُضيئ ومُتوّهج وشكله مُلفت للاطفال أكتر من الجواهر الي بيعتبروها حجارة مش جذابة بالنسبالهم
سيدنا موسى كان هيختار الجواهر .. لكن ربنا بعت جبريل فـ وّجه إيده للجمرة وأخدها .. وبما إن من عادة الاطفال إنهم أي حاجة جديدة عليهم بيمسكوها ويحطوها داخل فمهم عشان يستكشفوها .. فبالتالي سيدنا موسى أول ما مسك الجمرة حطها ف فمه على طول .. الجمرة حرقت لسانه وآذت إيده فرماها وقعد يعيّط
هنا إتأكد الفرعون إن موسى طفل عادي وتصرفاته نابعة من براءة وعدم قصد
لكن الموقف ده أثر على نطق سيدنا موسى فيما بعد فمابقاش لسانه طلق في الكلام لإنه إتذى وإتحرق بالجمرة .. وعشان كدا كان بيدعي ربنا لما بُعث إنه يجعل لسانه طلق صاحب منطق وفيه فصاحة في التعبير ومقدرة على توصيل الي هو عايزه بأوضح شكل .. (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي ) .. [ سورة طـه]
يُقال إن ربنا شفا لسانه شفاء تام فبقى طلق في الكلام .. وإستدلوا على كده بقوله تعالى ( قد أوتيت سؤالك يا موسى )
وقيل إن الشفاء كان جزئي مش كلي لان دعوة سيدنا موسى كانت (واحلل "عقدة" من لساني) .. فهو دعا بالقدر المطلوب بس وما استازدش , ولو كان طلب الشفاء الكلي وإن ربنا يشفي "عقد" لسانه كلها كان ربنا شفاه .. لكن الأنبياء مابيطلبوش غير على قدر إحتياجاتهم .. واستدلوا على الشفاء الجزئي ده بالآية .. (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ) .. [ آية 52 : سورة الزخرف ] ..
"ولا يكاد يبين" بتدل على إن لسه في خلل ما في نطقه .. بمعنى إنه مش بيّن الكلام بالشكل التام
_
من هنا بدأت تربية سيدنا موسى في قصر فرعون على يد أعظم المدربين والمثقفين والمربيين ..
وفي جزئية التربية خلينا نجرب نتأمل الآية دي (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي )
ربنا بيقول لسيدنا موسى انا عملت كل ده وأوحيت لأمك بإنها ترميك في النيل من البداية عشانك انت .. عشان تتربى بـ منتهى الإحسان ..
تتربى بأمان في بيت الحاكم وبقمة النعيم والترف الي موجودين في بلدك ساعتها ..
بتاكل من نفس أكل حاكم مصر وبتشرب من نفس شربه ..
والأهم من ده كله إن التربية دي ساعدت على تكونيك النفسي والعقلي
إنت إتربيت مع فرعون وكنت شايفه طول الوقت .. شايف إنه بشر عادي بياكل ويشرب وينام ويتألم لو جاله مرض ويعمل كل حاجة زيه زي أي حد من العوام .. فـ نشأت يا موسى وإنت متأكد ومُتيّقن إن فرعون مش إله زي ما هو والكهنة بتوعه بيحاولوا يصوّروا للناس
وفي كل التفاصيل دي وغيرها كتير بتبان الصنعة الإلاهية المذكورة في الآية دي ..
_ تكملة الآيات في سورة القصص كانت بتكملة تحقيق الوعود الربّانية ..
فـ من بعد ما ربنا ذكر حكاية رد موسى لـ أمه (فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) .. [آية 13 : سورة القصص] تحقيقاً للوعد الأول "إنا رادوه إليكِ" ..
كمّل بذكر تحقيق الوعد التاني الي كان "وجاعلوه من المُرسلين" .. فقال تعالى (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) .. [ آية 14 : سورة القصص ] بمعنى إنه لما بلغ كمال العقل وإكتمال القوة ربنا أتاه العلم والفقه والنبوة [ يُقال كان في الثلاثينات / ويُقال كان 40 سنة ]
ومن بعدها ابتدا سبحانه وتعالى يكمّل الآيات بـ تسلسل الأحداث الي وصلّته للنبوة .. وهي في البداية قتل القبطي الي كان سبب خروجه من مصر إلى مدين .. وهناك في مدين كانت فترة تأهيله لتلّقي النبوة .. ومن بعد ما أخد فترة التأهيل والتصبير وإكتملت قدرته على حمل الرسالة تلّقى النبوة وهو في طريق رجوعه لمصر ..

بدأ السرد الربّاني للأحداث دي من بدايتها فـ قال تعالى : (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ) .. [ آية 15 : سورة القصص ]
الحكاية إنه في يوم من الأيام سيدنا موسى دخل المدينة [ المقصود بالمدينة هي مصر .. و يُقال هي مدينة منف بمصر وقيل منفيس قاعدة مصر الشمالية] في منتصف النهار [ وهو وقت قيلولة بمعنى إن أغلب الناس قافلين محلاتهم والشوارع شبه فاضية وهو ده المقصود بوقت الغفلة .. / وقيل إنه كان يوم عيد عندهم وكانوا مجتمعين في مكان الاحتفال , عشان كدا كانت الشوارع فاضية ..]
صادف في طريقه إتنين بيتخانقوا واحد فيهم قبطي من أتباع فرعون والتاني من بني إسرائيل .. [ يُقال إن القبطي كان بيشتغل في مخبز فرعون , وكان مطلوب منه يشيل مجموعة خشب كبيرة يوديها الفرن .. بس هو مكنش عايز يعمل ده بنفسه فـ حاول يجبر الإسرائيلي يشيل مكانه سُخرة كده من غير وجه حق , لما رفض الإسرائيلي شدوا مع بعض وابتدوا يتخانقوا]
المغلوب فيهم كان الاسرائيلي فـ إستغاث بسيدنا موسى عشان يتدّخل وينقذه وينصره
إستجاب سيدنا موسى للنداء فـ تدّخل و قال للظالم يسيبه .. لكن القبطي ما إستجابش , حاول سيدنا موسى إنه يبعدهم عن بعض فـ وكز القبطي بـ إيده عشان يبعده [ الوكز هو الدفع باليد وهي مضمومة الأصابع ] .. لكن من فرط قوة سيدنا موسى كانت الوكزة دي كفيلة بـ قتل القبطي .. (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ) .. [ آية 15 : سورة القصص]
[ ممكن حد يتسائل إزاي من مجرد دفعة واحدة الشخص يموت ؟ .. نقدر نقول إن : علمياً في مناطق موت فورية في جسم الإنسان , منها منطقة في الرقبة بيتفرع فيها الشريان الرئيسي الي بيوصل الدم للعقل لـ فرعين : فرع للراس من برا , وفرع للمخ .. عند التفرع ده في إنتفاخ بسيط إسمه "الجيب الكاروتي " .. لو تم الضغط على المنطقة دي بيتم إرسال تنبيه لـ[ العصب الحائر ] الي بيغذّيه .. فـ يحصل فوراً تبطئة لنبضات القلب وإنخفاض فجائي في ضغط الدم .. ساعتها الإنسان ممكن يفقد وعيه .. ولو الضربة شديدة شوية ممكن يتوقف قلبه تماماً فيفقد حياته .. وأغلب الظن إن هو ده الي حصل مع القبطي ..
بسبب قوة سيدنا موسى كانت الضربة كفيلة بـ قتله بدل إبعاده ..]

فوجئ سيدنا موسى بـ موت القبطي فـ حزن جداً وتاب فوراً.. أدرك إن الشيطان وسوسله و زوّد غضبه عشان يخليه ينفعل أكتر فـ تكون ضربته شديدة بالمنظر ده .. (قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) .. [آية 15 :سورة القصص]
أول حاجة فكر فيها هي العاقبة الدينية .. وده يبيّن لنا إنه كان صاحب دين .. [فـ من هنا كانت بعض الاراء إنه في الوقت ده كان عارف حقيقة انتماءه لـ بني إسرائيل وإتقال فيها أقاويل كتير عن كيفية معرفته .. لكن المهم إنه تديّن بـ بقايا دين بني إسرائيل فـ تعرّف على دين جده إبراهيم وإسحاق ويعقوب وعرف عداوة الشيطان لـ آدم وذريته وعرف إن نصرة المظلوم حق في كل الأديان وعرف كل تعاليم الدين فـ عمل بيها ..]
دعا ربنا إنه يسامحه .. إعترف بظلمه لنفسه وطلب المغفرة .. فـ ربنا استجاب طلبه وعفا عنه .. (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .. [ آية 16 : سورة القصص ]
أخد عهد على نفسه إنه مش هيتدّخل في أي خناقات تاني بين الظالمين الكافرين المجرمين .. (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ) .. [آية 17 : سورة القصص]
أما بخصوص كلمة [ بما أنعمت علي] فـ قيل إن معناها بما أنعمت علي من المغفرة والصفح عن القتل الخطأ.. لكن ده تفسير مُستبعد لإنه ساعتها ماكنش نبي فـ ماكنش يعرف -عن طريق وحي أو غيره- هل ربنا تقبّل توبته وغفرله ولا لا ..
لكن أغلب الظن إن معناها بما أنعمت علي من حكمة وعزة وعقل وجاه وغيرها .. يعني تذكر نِعم ربنا عليه وخلاها دافع أكبر ليه فـ أقسم بيها إنه يبعد عما يغضب الله من ظلم النفس والناس ونصرة المجرمين والتدخل بينهم ..
لكنه لم يستثني فـ أُبتلي [ يعني ما قالش إن شاء الله لن أكون نصيراً للمجرمين .. عزم من غير ما يقدّم المشيئة فـ ربنا إبتلاه بـ مُخالفة عزمه في اليوم الي بعده على طول ]
إنتهى الموقف بسلام خصوصاُ إن محدش شاف الي حصل غير الاسرائيلي الي هو أنقذه .. لكنه بقى طول الوقت خايف مترّقب للأخبار مستني يشوف رد فعل الناس عن الي حصل وهل هيعرفوا انه هو الي قتل ولا لا .. (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ)
مافاتش وقت كتير لحد ما قابل نفس الإسرائيلي الي دافع عنه إمبارح لاقاه بيناديه ويستغيث بيه بإستماتة في اليوم التالي!
عرف ساعتها إنه إسرائيلي مشاغب وكل شوية يعمل مشكلة .. إستنكر عليه إنه كل يوم يتخانق مع واحد ويستغيث بيه .. وبّخه وقاله " إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ "
الكلمة دي خلّت الإسرائيلي يفتكر إن موسى عايز يضربه هو , فلما قرّب سيدنا موسى عشان يدافع عنه لاقاه من كتر الخوف بيقوله إنت عايز تقتلني زي ماقتلت القبطي إمبارح , يبقى تدّخلك بيننا مكنش بغرض الإصلاح إنما من باب الجبروت والقتل والإفساد .. (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ )
فـ وقف سيدنا موسى وهدي وافتكر الي حصل وإفتكر إنه استغفر وتاب ووعد إنه ماينصرش المجرمين ..
فـ لف وإستدار ومشي من المكان وكمل إستغفار

لكن الكلام ده كان قدام القبطي التاني ! .. القبطي سمع وعرف إن سيدنا موسى هو الي قتل القتيل الي لاقوا جثته إمبارح .. فـ نشر الخبر وإنكشف السر وإجتمع الناس على إنهم لازم يقتلوه وياخدوا بـ تار القتيل
لكن ربنا بعتله شخص من أقصى المدينة , جاله من بعيد بطريق مختصر يجري عليه قبل ما المُتآمرين يوصلوله, وصل ليه فـ نبهه ونصحه إنه يخرج من مصر لإنهم بيدوروا عليه وإتفقوا خلاص هيقتلوه .. (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) ..[آية 20 :سورة القصص]
القرآن ماذكرش اسم الشخص الي نبهه [قيل إنه هو مؤمن آل فرعون .. وقيل هو ابن عم فرعون , وقيل إنه أخو زوجة فرعون] ..
لكن المؤكد إنه من علية القوم .. لإننا هنلاقي التعبير القرآني في جملة (من أقصى المدينة) بيدينا علامة على إنه كان راجل مهم ومن شرفاء القوم وسادتهم , لإن عادة الملوك السكن في أقصى المدينة وأطرافها عشان يضمنوا أمان أكتر و يبقى الخروج أو الهروب سهل عليهم لو حصل أي ثورة أو غارة أو حسوا بخوف استوجب الخروج لأي سبب .. [من هنا كانت المقولة "الأطراف منازل الأشراف" ]
وكون الراجل ده مهم وصاحب مكانة بيدينا تفسير منطقي عن كيفية معرفته لـ معلومة زي دي رغم إنها كانت مشاورات ومداولات بين كبراء القوم "الملأ" ومكنش حد من العامة يعرفها ..

خرج سيدنا موسى فوراً من مصر , خرج بيتلفت ويترّقب ويتأكد إن مفيش حد وراه .. إستعان بالله ولجأله فـ كان دعاؤه " ربِ نجني من القوم الظالمين ".. وهما ظالمين فعلاً لإنهم عايزين يطبّقوا عليه جزاء القتل العمد رغم إنه ماعملش حاجة غير إزاحة الراجل فـ قتله خطأ .. والقتل الخطأ عقوبته عمرها ماكانت ‘القتل‘
(فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
خروج سيدنا موسى كان سريع من غير أي ترتيبات .. أول ما الراجل قاله الخبر خرج برا البلد فوراً من غير حتى ماياخد أي أكل للطريق أو يجهز نفسه للسفر بأي وسيلة

إستمر سيدنا موسى في سفره الي دام 8 أيام هي المسافة بين مصر ومَدْيَن عن طريق سيناء
يُقال كان خروجه في موسم حصاد القمح [يعني في شهر يونيو] .. في الوقت ده الشمس بتكون متعامدة على مدار السرطان وبتشرق بزاوية 23.5 درجة شمال الشرق .. يعني كانت على يسار سيدنا موسى .. بالتالي كان واخد الشمس دليله في الطريق [وده يدعم رأي الناس الي قالوا إنه كان خارج وقاصد مدينة مَدْيَن لإنه عارف إنها لا تخضع لحكم فرعون]
استمر في المشي كل الأيام دي من غير أي أكل أو زاد إلا ورق الشجر .. أصابه هزال .. تقرّحت أقدامه .. إشتد جوعه لدرجة إن يُقال بطنه إلتصقت بـ ظهره وأمعاءه بقت بارزة
فضل على الحال ده لحد ماوصل مَدْيَن .. [مَدْيَن هي المدينة الي بُعث فيها سيدنا شعيب من سنين]
التعبير القرآني عن وصول سيدنا موسى لـ مَدْيَن كان بالإشارة لـ"ماء" مَدْيَن .. لإن القبائل زمان كانت بتبحث عن المكان الي فيه بئر ماء أو نهر أو عين عشان تسكن حوالين الماء وتعمّر المكان فـ يبقى بلدها .. ومن هنا قيل إن "ماء القوم هو الذي يُعرف به ديارهم"
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ) .. [آية 23 : سورة القصص]
قعد تحت ظل شجرة يرتاح من مشقة السفر والجوع والعطش , و يفكر في اللي حصل وفي اللي هيحصل
في الوقت ده كان في اتنين بنات واقفين على جنب .. بعيدين عن البئر و بيبعدوا أغنامهم عن باقي أغنام القوم (وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) .. [آية 23 : سورة القصص]
كلمة "من دونهم " معناها إنهم أقرب للناحية الي هو قاعد فيها , بمعنى إنه لو مشي بإتجاههم هيوصل للبنات قبل مايوصل للناس الي عند البئر ..
كان المنظر مُلفت بالنسبة لسيدنا موسى , شايف كل القوم بيسقوا غنمهم من البئر إلا البنتين دول ..
رغم تعبه وجوعه وشدة إرهاقه إلا إنه ماقدرش مايتدّخلش وهو شايف اتنين بنات لوحدهم شكلهم محتاجين مساعدة .. مروءته خلته يروح عندهم عشان يعرف لو ممكن يساعد في حاجة , قرّب منهم وسألهم إيه الي موقفهم هنا وليه بيبعدوا اغنامهم عن الشرب (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا )
قالوله أبونا شيخ كبير مش هيقدر يخرج كل يوم يرعى .. وإحنا ماعندناش القوة ولا المقدرة الي تخلينا نزاحم الرجال ونلاقي لـ أنفسنا مكان .. عشان كده إتعودنا نستنى لحد ما رُعاة الأغنام يمشوا فـ نقدر نسقي أغنامنا من بواقي الماء (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) .. [آية 23 : سورة القصص]
سيدنا موسى إستغرب إزاي بنتين يقدروا على رعي الاغنام ده من المعروف إنها شغلانة شاقة ومتعبة ومحتاجة يقظة
إستأذنهم إنه يسقيلهم .. برغم إنه لسه واصل من السفر وبقاله أيام بيمشي في عز الحر ومابيتقواش غير بورق الشجر , رغم إنه مالحقش حتى يقعد يرتاح شوية من كل ده ويستجمع قواه , إلا إن مساعدة المحتاج بالنسباله كانت أولى وأهم
فوراً راح وسقالهم أغنامهم بـ أسرع مما تخيلوا.. ومن غير أي منّ أو إنتظار للشكر سابهم ورجع لظل الشجرة (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) ..[آية 24 : سورة القصص]
يُقال إنه راح يسقي ليهم بعد ما الرُعاة خلّصوا ومشيوا .. ومن عادة الرُعاة بعد مايخلصوا إنهم يحطوا صخرة كبيرة جداً على البئر مايقدرش يشيلها من مكانها غير عدد من الرجال
بس القوة الجسدية الي ربنا ميّز بيها سيدنا موسى خلته يقدر لوحده يزيح الصخرة ويسقي الأغنام ويرّجع الصخرة مرة تانية لمكانها
لكن القصة دي مش متوافقة مع حقيقة إن الناس كانوا لسه بيسقوا من البئر .. والترتيب الزمني ده عرفناه من الآية نفسها .. فـ وجود "لما" التوقيتية في قوله تعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) دليل على إنه وصل في نفس الوقت الي الناس كانت بتسقي فيه ..
وإقتران حرف الـ"ف" بـ فعل السقاية في تكملة الآية الي بعدها ( فَسَقَى لَهُمَا) دليل على إنه سقى ليهم فور وصوله وبالتالي الناس كانت لسه بتسقي بردو وماكانوش انصرفوا

أما بإعتبار قصة الصخرة صحيحة يبقى ده يدعم الرأي التالت وهو إن البئر الي عليها صخرة دي كانت بئر تانية غير الي الناس كانوا بيسقوا منها .. بئر فاضية مُجاورة ومحدش بيسقي منها عشان عليها صخرة كبيرة محتاجة عدد كبير من الرجال يبعدوها , فـ كانوا بيسيبوها ويسقوا من العيون والآبار المفتوحة الي جنبها .. وبالتالي سيدنا موسى راحلها وأزاح الصخرة وسقى منها في نفس وقت سقاية باقي الناس من البئر التانية .. والله أعلى وأعلم بالأصح

سيدنا موسى لما خلّص مهمته سابهم ورجع لظل الشجرة .. وهناك ردد الدعاء " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير"
كانت جملته فيها ذكر النِعم السابقة من الأمن والنجاة من فرعون والوصول بسلام...إلخ
عددها في نفسه وشكر ربنا عليها .. وفي نفس الوقت أعلن عن شدة إحتياجه الحالي لـ أي خير ربنا هيكرمه بيه ..
_
ربنا ما تأخرش على كليمه في إستجابة الدعوة .. حرف الـ"ف" الي في الآية التالية (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي) بيوضّحلنا إن مجيء البنت ودعوتها لسيدنا موسى كانت هي بداية إستجابة ربنا لدعاءه ..
الي حصل إن البنتين رجعوا لأبوهم بدري على غير العادة .. إستغرب موعد رجوعهم وسألهم عن السبب.. جاوبوه وحكوله الي حصل من شهامة الراجل الكريم الي سقى لهم بدون طلب أو حتى مٌقابل
فكان رد فعل الشيخ إنه قال للبنت الصغيرة [واسمها صفورة ] روحيله وقوليله إن والدي بيطلبك عشان يجازيك أجر السقاية
راحتله صفورة وقرّبت منه في هدوء .. بمنتهى الحياء .. مُستترة بـ كُم ثوبها ومغطية بيه فمها .. (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) .. [آية 25 : سورة القصص]
[قيل الحياء كان في مشيتها .. وقيل كان في طريقة كلامها وأسلوب مخاطبتها , لإن الحياء مطلوب أكتر لما تكلم البنت راجل غريب عنها وخصوصاً وهي بتقوله يجي معاها لزيارة أبوها..
وإن صح المعنى ده يبقى الوقوف في قراءة الآية هيكون بعد كلمة "تمشي" .. كالتالي .. (فجاءته إحداهما تمشي – على إستحياء ...) ..]

صفورة بلّغته رسالة أبوها بمنتهى الأدب من غير ماتحسسه إنه أجير أو إنهم بيتمننوا عليه .. بالعكس ده هو الي بدأ بالإحسان وهما بيحاولوا يكافئوه مش أكتر
قد يكون سيدنا موسى فكر ساعتها إنه ما ساعدهمش عشان ياخد أجر .. دي كانت مساعدة لوجه الله .. لكنه جعان من أيام ومعندوش حل تاني ولعل دي تكون إستجابة ربنا لـ دعوته.. فـ قرر إنه يوافق ..
وقد يكون وافق يروح معاها بس عشان يشكر أبوها ومايحرجوش لكنه كان عازم على عدم قبول أي أجر ..
الله أعلم كان بيفكر في إيه ساعتها لكن المهم إنه راح معاها فعلا عشان تبتدي المسيرة الي ربنا كاتبهاله كـ تفاصيل لبقاؤه في مَدْيَن ..
_

يُحكى إنه في طريقهم للبيت كان ماشي وراها .. جت رياح وطيّرت هدومها ..وصفت جزء من جسمها .. هو غض بصره فورا .. إستاء من الموقف وكره إنه يئذيها بـ نظره .. حب يخليها تمشي مطمنة ومستورة فـ قالها انا همشي قدامك و دليني أمشي إزاي .. وقد كان ..
لما وصلوا للبيت أبوها رحب بيه جداً وقدّمله أكل فوراً كأنه كان محضّره قبل مايجي.. لكن نفس سيدنا موسى كانت أبيّة .. رفض بأدب ووضّح السبب .. فقال " إنّا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا"
رغم جوعه وتعبه وإحتياجه إلا إنه كان مُصمم يحتفظ بـ ثواب عمله للآخرة وماياخدش أي جزاء عليه في الدنيا .. [وهنا يتضح لينا مرة تانية إنه كان تعرّف على دين أجداده إبراهيم وإسحاق ويعقوب وتخلق بـ أخلاق الدين ]
الشيخ كان كريم فـ قاله لا والله يابني ده مش أجر للسقاية إنما دي عادتي وعادة آبائي ضيافة أي ضيف يمر بينا وإطعامه..
هنا جلس سيدنا موسى وقبل الضيافة ..
بعد الاكل الشيخ سأله إنت جاي منين وكنت رايح فين ؟
سيدنا موسى حكاله عن اللي حصل .. فـ الشيخ طمّنه وقاله ماتخافش ربنا نجّاك من القوم الظالمين وإطمّن البلد الي احنا فيها دي مش تابعة لـ حكم مصر فمش هيعرفوا يوصلولك هنا ..
(فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .. [آية 25 : سورة القصص ]
[- قيل إن الشيخ ده هو سيدنا شعيب .. وإستدل أصحاب الرأي ده بكلمة الشيخ الأخيرة " نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " فقالوا لو ماكنش نبي ماكنش عرف إن قوم فرعون ظالمين .. لكن أغلب الظن إنه عرف ظلم القوم بسبب الأحداث الي سيدنا موسى حكاهاله , فـ كونهم عايزين يطبّقوا عليه القصاص كـ عقاب للقتل الخطأ ده ظلم بيّن كافي يخليه يقول كلمته ..
وإستدلوا كمان بـ بعض الأحاديث الي بتقرّ اسم سيدنا شعيب في القصة .. لكن الأحاديث دي بعد البحث عنها بنلاقي إن ملهاش سند صحيح أو ثابت ..
في حين إن الإعتراضات على الرأي ده منطقية أكتر من الرأي نفسه .. فمثلاً الفرق بين زمن سيدنا شعيب وزمن سيدنا موسى مئات السنين - يُقال 3 أجيال- , صعب يكون سيدنا شعيب عاش كل السنين دي , وإن كان أطال الله في عمره وعاش للوقت ده فمن الصعب يكون بناته عاشوا كل السنين دي , وإن أطال الله في أعمارهم هما كمان وعاشوا .. فـ هيكونوا كبار في السن جداً .. في حين إنهم في القصة لسه شابات مُقبلات على الزواج..
ده غير إنهم لو كانوا بنات النبي شعيب مكنش هيبقى طبيعي تصرف القوم وإنتظارهم ليهم , بالعكس كانوا الرُعاة الي على البئر هيتسابقوا عشان يخدموا بنات نبيهم ويسقوا أغنامه ..
- وقيل إن الشيخ هو ابن أخو سيدنا شعيب واسمه يثرون .. وقيل ابن عمه , وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب .. كل دي أقاويل الله أعلم بصحتها لكن الي نعرفه إنه راجل صالح كبير في العمر وده الشيء الوحيد المؤكد ..]

سيدنا موسى كان لسه بيقرّب من الباب عشان يمشي .. لما صفورا همست لـ أبوها وإقترحت عليه إنه يشغّله معاه بالأجرة ووضّحت السبب في إقتراحها فـ قالت مش هتلاقي حد تستأجره أحسن من القويّ الي هيقدر يراعي ماشيتك ويحفظها ويقوم عليها في إصلاحها وصلاحها .. والأمين الي ماتخافش خيانته للي إستأمنته عليه
( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) .. [ آية 26 :سورة القصص ]
يُروى إنها لما قالتله كده إستغرب فسألها عرفتي منين إنه قوي ؟ .. قالتله ماشوفتش راجل أقوى منه في السقاية ,, وفي رواية إنها قالت رفع لوحده صخرة مايرفعهاش غير عدد من الرجال!
قالها وعرفتي منين إنه أمين ؟ .. قالتله رفض يمشي ورايا وطول الطريق كان ماشي قدامي عشان يحفظني ومايبصش عليا .. ومن ساعة ماكلمته وهو حاطط عينيه في الأرض حياءاً وأدباً ..
[ سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قال : أصدق النساء فراسة امرأتان كلتاهما تفرّستا في موسى فأصابتا . إحداهما امرأة فرعون حيث قالت ( قرة عين لي ولك لا تقتلوه) . والأخرى بنت شعيب حيث قالت ( يا أبتِ استأجره . إن خير من استأجرت القوي الأمين) ..]
مُحتمل يكون الشيخ حس في كلام بنته بـ بعض الميل و الإعجاب فـ حب يتفق مع سيدنا موسى على حاجة أكتر دوام من الشغل والإجارة .. فـ رجع الشيخ لـ سيدنا موسى وقاله انا عايز أجوّزك واحدة من بناتي , بس بشرط .. تشتغل في رعاية الأغنام عندي 8 سنين .. فـ لو تميت الـ10 يبقى إحسان وتفضّل منك .. مش عايز أتعبك بـ إشتراط الـ8 سنين إنهم يبقوا 10 .. ليك حرية الإختيار .. وماتقلقش انا مش هحمّلك مشقة ولا ائذيك في أي حاجة أثناء استئجاري ليك .. بالعكس هتلاقيني إن شاء الله من الصالحين في حُسن معاملتك ولين الجانب معاك
( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) .. [آية 27 : سورة القصص ]
وافق سيدنا موسى و قاله الإتفاق ده عهد بيني وبينك يستوجب وفاء كل واحد مننا بنصيبه من الاتفاق وإلتزامه بيه .. كرر سيدنا موسى كلام الشيخ من باب الإقرار والتوثيق فقاله سواء قضيت الـ8 سنوات أو كملتهم 10 في الحالتين هيكون ده نصيبي من الاتفاق وهكون أديت واجبي وأتممت الي عليا و بقيت بريء من العهد.. مفيش حرج عليا بعدها فـ أقدر أكون حر في البقاء أو السفر بدون أي عدوان عليّ بأن يتم مُطالبتي بأكثر من ذلك ..
وربنا شاهد ووكيل ورقيب على إتفاقنا ..
(قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) .. [ آية 28 : سورة القصص ]
إختلفت الأقاويل في هو قعد أنهي مدة من المدتين ؟ .. لكن الغالب هو رأي ابن عباس والي معاه إنه تم الـ10 سنين .. وده منطقي لإنه نبي من أولي العزم من الرُسل .. فـ مين هيكون زيه في كرمه وبرّه..
[سُئل ابن عباس أي الأجلين قضى موسى ؟ .. فقال أكملهما وأفضلهما .. وفي رواية أوفاهما وأبرّهما .. وفي أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بـ أسانيد ضعيفة تحمل نفس المعنى ]
_
أتم سيدنا موسى السنين الي كانت بمثابة تدريب ليه على النبوة ..
إتجوز صفورة وقرر إنه يخرج مع أهله ويرجع مصر تاني.. قراره كان على أمل منه إن أهل مصر خلاص نسيوا الي حصل زمان ومحدش هيعاقبه بسبب طول المدة ..
[قيل إنه خلّف من صفورة ولدين .. وبالتالي قد يكون لفظ أهله شامل زوجته وابناءه .. لكن الي أجمع عليه معظم أهل التفسير إن لفظ أهله المقصود بيه زوجته بس , على إعتبار إنه كان بيخاطبها هي.. وإستدلوا على إن الأهل بيقصد بيها الزوجة بحديث سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال"والله ما علمت على أهلي إلا خيراً "]
خرجوا فعلا بس الجو كان شتا .. إختفى القمر وغطاه السحاب .. الدنيا مطرّت وإشتد البرق والرعد .. الظلام بقى حالك فـ تاه سيدنا موسى وضل طريق الرجوع
[قولنا إنه أثناء رحلته من مصر لـ مَدْيَن كان بيستدل بالشمس لإنها كانت قدامه وعلى يساره نوعاً ما .. لكنه في رحلة الرجوع كانت الشمس بتتعامد على مدار الجدي بمعنى إنها بتميل 47 درجة عن ما كانت في الصيف.. أغلب الظن إن الموضوع دا غاب عن سيدنا موسى وكان ناسيه فـ ده الي خلاه ينحرف في مسار رحلته ويتجه ناحية الجنوب الغربي في إتجاه جبل سيناء في الجنوب ..]
سيدنا موسى وقف وحاول يضرب الحجارة ببعض فتشتعل نار تنوّرلهم وتدفيهم لكن على غير العادة مكنش في أي شرارة راضية تشتعل رغم الاحتكاك! .. دار بنظره في المكان وكان في عز حيرته وتفكيره لما وقعت عينيه على جبل الطور ..لمح من بعيد نار عظيــمة مشتعلة جنب الجبل..
فرح وإستبشر وحس إنها نجاة فـ استأنس برؤيتها ( فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ) .. [ آية 29 : سورة القصص]
بس أغلب الظن إن أهله ماكانوش شايفين النار دي .. هي معجزة ربنا إختصه هو بيها كـ نداء لبداية الوحي , فـ مش من المنطقي إن حد غيره يشوفها
وفي الغالب ده الي خلاه يقولهم بصيغة التأكيد (سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) .. [آية 7 : سورة النمل]
كان حابب يطمّنهم إنه شايفها وأكيد هيجيلهم بخير منها حتى لو اتأخر عليهم بسبب بُعد المسافة .. كان بديهي إن النار مش مشتعلة لوحدها وطبيعي يكون حد حواليها بيتدّفى بيها .. قد يكون عشم سيدنا موسى في أصحاب النار إنهم يكونوا أصحاب بيت كريمين فيستضيفوهم الليلة .. أو حتى يسألهم على الطريق فـ يرشدوه إزاي يكمل رحلته.. أو على الأقل يقتبس من نارهم نار لأهله يتدفوا بيها في البرد ده
لكن بينه وبين نفسه ماكانش متأكد إذا كان أصحاب النار يعرفوا معالم الطريق ويقدروا يدلّوه ولا لا .. وده في الغالب سبب التنوّع في التعبير القرآني عن الموقف ده .. فنلاقيه في الآية في سورة القصص بيقول (لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) .. [ آية 29]
ربنا عبّر عن نفسية سيدنا موسى والي كان بيفكر فيه بـ طريقتين مختلفتين .. مرة بالتأكيد عشان يطمّن أهله ويبررلهم تركه ليهم في الصحرا دي وفي عز الليل والبرد ده .. كان بيحاول يقنعهم ويثبت قلبهم إنه هيرجعلهم بالخير ..
ومرة تانية بالتشكيك لـ عدم ثقته في معرفة أصحاب النار بالطريق ..
لكن في العموم حتى لو ماقدرش يعرف الطريق فهو هيجيبلهم جزء من النار يتدّفوا بيه ..
_ إتجه سيدنا موسى بإتجاه الجبل .. كمل مشي لحد ما وصل لوادي قيل إن اسمه "طوى" (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) ..[ وقيل إن طوى هو نوع من الأودية شبه البئر المطوية .. وقيل إن بمعنى وطأ الأرض حافياً .. وقيل إن المقصود بـ"المُقدّس طوى" إنه تم تقديسه مرتين .. فالله أعلى وأعلم بالأصح ]
لاحظ شيء غريب في الوادي .. ماكنش في برد , مفيش رياح , صمت تام .. سكون غريب ..
قرّب من النار فشاف شجرة في منتهى الخضار والجمال .. مُحيط بيها من فوق لتحت نار بيضا مُضيئة لأقصى حد.. إستعجب سيدنا موسى من المنظر الي لا يُعقل ولا يُوصف!
كل ما يزيد إشتعال النار يزيد إخضرار الشجرة .. عكس قانون الطبيعة .. عكس أي شجرة بتتحول للإسوداد لو إتحرقت.. دي بتتحول للإخضرار كأن الي حواليها ميّة مش نار! .. لا خُضرة لون الشجرة بتتأثر بحرارة النار فتتحرق منها .. ولا النار بتتأثر بوجود الشجرة فيقل ضياءها ..
قرّب أكتر منها لكن قبل مايوصلّها كان سمع نداء .. نداء عظيم جاي من اليمين .. من جانب الوادي كان الله هو المُنادي ..( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) .. [ آية 30 : سورة القصص]
كان أول كلام الله هو تحية مُباركة ألقاها سبحانه وتعالى على نبيّه .. (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) .. [آية 8 : سورة النمل]
قيل بورك موسى والملائكة المحُيطة بيه وبارك الله البقعة كلها .. وقيل بورك نور الله والملائكة ممن حوله .. يُقال ان النار هي نور الله عز وجل لكن تم تسميتها نار على حسب ظن سيدنا موسى فـ يبقى المشهد أكثر دقة بوصفه من وجهة نظر سيدنا موسى ومشاعره وتفكيره وأحاسيسه وقتها..
لكن عشان الأمر ما يختلطش عند حد فيفتكر إن ربنا بنفسه تجسّد في صورة النار .. كانت تكملة الآية بـ تنزيه الله وتقديسه عن أي خاطر ممكن يجي في بال سيدنا موسى -أو في بالنا من بعده- مما لا يليق به سبحانه وتعالى , فقال تعالى (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .. [آية 8 : سورة النمل]
و "رب العالمين " فيها تعليل التنزيه .. يعني تنزّه الله عن التقيّد بالصورة أو المكان أو الجهة أو أي شيء لا يليق بجلاله .. نوع من التوضيح إنه مش لازم ربنا يكون مُتجسّد بنفسه في الوادي ومحصور في شكل النار عشان يكلّم سيدنا موسى .. فـ هو رب العالمين خالقهم ومالك أمرهم فلا يُشبه شأنه تعالى شأنهم ..

سيدنا موسى إندهش , إتخض وقلبه إتخطف .. قبل ما يسأل نفسه مين الي بيكلمه كان ربنا رد على سؤاله ..
فقال تعالى (أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .. [ آية 30 : سورة القصص]
من الطبيعي يكون إرتبك وماصدقش نفسه .. معقول ربنا بيكلمني بنفسه ؟!! .. فـ جيه النداء الإلاهي مرة تانية بيأكد ..
(يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .. [ آية 9 : سورة النمل]
و زاد التأكيد للمرة التالتة
(إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) .. [آية 12 : سورة طـه ]
[إختلفوا في سبب الأمر بخلع النعلين .. فـ قيل تزكية له لإن النعلين كانا مصنوعين من جلد غير مُزكّى.. وقيل لـ تمسّ قدماه تُربة الوادي فـ ينال من بركة الوادي
وقيل للخشوع والتواضع عند مُناجاة الله .. وهو الأولى بالصواب .. والله تعالى أعلى وأعلم..]
إنحنى سيدنا موسى وجسده كله بيترعش .. إستجاب فوراً للأمر وخلع حذاءه
ربنا كمّل كلامه وبلّغ نبيه بـ اصطفاءه وإختياره .. (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ) .. [ آية 13 : سورة طــه]
من هنا بدأت الأوامر الإلاهية تنزل على سيدنا موسى تباعاً .. فـ كان أول أمر يؤمر به هو عبادة الله والصلاة .. (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) .. [ آية 14 : سورة طــه]

ربنا وضّح لـ نبيّه البداية فـ أمره يبدأ بنفسه ويعبد الله قبل ما يسلك طريق الدعوة عشان يبقى أهل ليها ..
إختص الصلاة بالذكر وأفردها بالأمر رغم إنها تندرج تحت الأمر بالعبادة .. وده بسبب أهميتها واللي بيحصل فيها من ذكر الله وإنشغال القلب والعقل بيه .. من هنا كان التعليل الواضح في التعبير القرآني (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) يعني أقم الصلاة لتذكرني فيها .. لإن الصلاة بتذكّر العبد بـ ربه وبتخليه يستشعر وجوده في رحاب خالقه ومالك أمره ..
زاد انتفاض جسد سيدنا موسى وهو بيتلّقى التكليف الإلهي .. سكنته خشية وخشوع و رهبة من الموقف ومن الأمانة ..
وقبل ما الخوف أو الشك يتسلل لقلبه .. ربنا بعتله علامات للتثبيت وزرع اليقين..
سأله سؤال للتقرير .. قال (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ) ..[آية 17 : سورة طـه]
إزدادت دهشة سيدنا موسى .. ربنا بنفسه اللي بيكلمه , هو أكيد عالم بالإجابة , يبقى ليه السؤال ده إلا إذا كان وراه حكمة عُليا .. أجاب على السؤال فـ بدأ إجابته بـ تعريف انها عصا وإنسابها لنفسه ( قَالَ هِيَ عَصَايَ) .. ومن ثم تعديد منافعها .. يمكن يكون هو ده الغرض من السؤال .. فـ قال إنه بيسند عليها أثناء المشي (أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا) .. وبيخبط بيها الأشجار عشان تنزّل أوراقها للغنم بتاعته فـ تاكلها (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي) .. وبيستعملها في حاجات تانية (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ).. [آية 18 : سورة طــه]
إجابته كانت حكيمة .. بدأ بتعديد استعملاته ليها تفصيلاً وختم كلامه بـ الإجمال .. سابها مفتوحة و وضّح إن ليها استعملات تانية وده يحسس المُستمع إن لو كانت الاجابة المبدئية دي مُقنعة للسائل و هي فعلاً الي كان بيسأل عليه , فـ الباب مفتوح لـ تكملة الاستعمالات بـ تفصيل أكتر..
بالحوار ده أقرّ سيدنا موسى إن الي في إيده هي عصاه .. هي نفس العصا الي قعد يستعملها كل السنين دي والي هيؤمر بعد ثواني بـ إلقائها .. وهو ده الغرض من السؤال .. التقرير .. فـ من قبل الأمر التالي ثبت في ذهنه حقيقة العصا ثبوت غير قابل للشك .. وبالتالي لما تنقلب العصا حية هيتقفل أي باب للشيطان إنه يشككه في المعجزة أو يحسسه إن الحية مش هي نفسها عصاه الي هو عارفها .. وهيقتصر رد فعله على الاطمئنان وزيادة اليقين بـ قدرة الله العلي العظيم ..
ودلوقتي جيه الأمر الإلاهي بـ رمي العصا على الأرض .. (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ) .. [آية 19 : سورة طــه]
بمجرد ما لمست العصا الأرض لاقاها إتحوّلت ثعبان كبير .. مش أي ثعبان ده حنش! .. نوع سام لو عض حد يموت في الحال! .. بيهتز بقوة كأنه جان! .. جان ده نوع من أنواع الثعبان , أسرع أنواع الثعابين .. لكنه صغير .. أما الحية دي طولها كبير وحجمها فوق الطبيعي بكتير .. مضطربة وبتاكل أي حاجة في طريقها
(فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ) .. [آية 20 : سورة طـــه]
سيدنا موسى ماقدرش يقاوم المنظر .. حس إن جسمه كله بينتفض من الخوف
لف وإبتدا يجري من غير أدنى تفكير في الرجوع .. (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ)
لولا إن ربنا ناداه (يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) .. [ آية 10 : سورة النمل]
فـ ثبت مكانه .. هدّى نفسه وابتدى يتمالك أعصابه ..
جيه النداء الإلاهي مرة تانية يحسسه بالأمان ويطمّنه .. (يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ).. [آية 31 : سورة القصص]
استجاب سيدنا موسى ولف عشان يرجع مكانه .. لاقى التعبان لسه زي ماهو .. لسه بيتحرك , لسه شكله مرعب فـ جيه الأمر الأصعب .. (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) .. [آية 21 : سورة طــه]
مد إيده للحيّة وهي بتترعش , حاول يمسكها وهي في قمة إضطرابها وتحرّكها .. قاوم خوفه وحط ايده عليها ومسكها ..فـ تحقق الوعد الإلاهي و رجعت عصا في إيده أول ما لمسها!
بكده يكون سيدنا موسى إتدرب على المعجزة كاملة فـ لما تتكرر في قصر الفرعون يثبت ومايخافش زي الي هيخافوا .. ويقدر ياخدها بإطمئنان من غير تردد
ربنا أصدر الأمر الإلاهي من جديد ووهبله معجزته التانية لزيادة التثبيت .. قاله حط إيدك في جيبك هتلاقيها خرجت خالية من الشوائب مُختلفة عن لون جسمك فهي بيضة بياض ناصع مُعتدل مافهوش أذى أو سوء من برص أو غيره , إنما هو بياض فاتن يطيب رؤياه (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) .. وضم ذراعك إلى جنبك هتهدى ويروح عنك الخوف والرهبة .. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) .. أو يكون المقصود بـ ضم الجناح يعني ضبط النفس , لإن الطائر لو خاف واضطرب بيفرد جناحه , ولما يهدى ويطمّن بيضم جناحه ويعتدل في وقفته
فعلاً نفّذ سيدنا موسى الأمر الربّاني فـ حط إيده في جيبه [والجيب هو فتحة الثوب العُليا من الجهة الي بيخرج منها الرأس]
لما طلّع إيده فوجئ بيها بتتلألأ زي القمر .. زاد خوفه وإنفعاله , فـ نفّذ الأمر التاني .. ضم ذراعه فـ إختفى خوفه تماماً
إطمّن سيدنا موسى واكتمل يقينه .. فـ بقى جاهز لـ تلّقي التكليف ..
والتكليف كان على تلات أوامر
- الأمر الأول إنه يروح لفرعون وقومه يدعوهم لعبادة الله وتوحيده .. (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) .. [آية 32 : سورة القصص]
- الأمر التاني تجديد عقيدة بني إسرائيل وتخليصها من الشوائب الي دخلتها وتقويم الانحرافات الي حصلت في نفوسهم بعد تأثرهم بعبادة الأصنام ونسيانهم لعقيدة جدودهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) .. [آية 5 : سورة إبراهيم]
- والأمر الثالث تخليص بني إسرائيل من عبوديتهم ودعوة فرعون لإطلاق سراحهم والتوقف عن تعذيبهم
(فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) .. [آية 47 : سورة طــه]
سيدنا موسى أدرك أهمية وحجم المسؤولية اللي اتكلف بيها.. فإبتدا يفكر في نقاط الضعف الي عنده عشان يتجنّبها ويقدر يأدي المهمة بأكفأ ما يُمكن ..
كانت أول النقاط دي إنه قتل من الأقباط واحد وبالتالي هما متربصين بيه ومستنيين يشوفوه عشان يقتلوه (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) .. [آية 33 : سورة القصص]
ولو كانوا نسيوا بسبب السنين دي كلها .. فـ أكيد هيفتكروا ويصمموا ينتقموا لما يلاقوه جايلهم بـ دين جديد ودعوة ضد أهواءهم .. خوفه من القتل المرادي مكنش خوف على نفسه , بالعكس هو لو اتقتل في سبيل الدعوة هيكون جزاؤه عند ربنا كبير وهو القادر على تعويضه ومكافئته .. إنما الخوف كان على مصير الدعوة وتوصيل الرسالة
أما تاني نقاط الضعف فهي اللدغة الي في لسانه بسبب أكل الجمرة في طفولته .. فـ إقناع الفرعون وتوصيل الرسالة محتاج قوة بيان وفصاحة لسان و وضوح تعبير.. ومن هنا كان طلب سيدنا موسى من ربنا إنه يُرسل معاه أخوه هارون لإنه أكثر طلاقة منه في الكلام ..( وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ) .. [ آية 34 : سورة القصص]
(وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ﴿29﴾ هَارُونَ أَخِي ﴿30﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿31﴾ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿32﴾ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴿33﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿34﴾ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا) .. [ سورة طــه]
ربنا إستجاب لـ طلب سيدنا موسى وطمّنه إنه سبحانه هيكون معاهم سامع وشايف..
( قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ) .. [آية 35 : سورة طــه]
(وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) .. [آية 53 : سورة مريم]
( قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) .. [آية 46 : سورة طــه]
وإن فرعون رغم قسوته وتجبّره مش هيعرف يئذيهم وهتكون الغلَبة ليهم
(قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ) .. [آية 35 : سورة القصص]
من خلال المعجزتين دول ربنا وّصل لسيدنا موسى الطريقة الي هيثبت بيها نبوته ورسالته .. طمّنه بالأدلة الي تأكد ليه وللناس كلها إنه مش لوحده وإن في إله عظيم ورا المعجزات دي
_
بعد الإصطفاء والتشريف بل والتكليم الربّاني الي حصل مع سيدنا موسى .. رجع لأهله وهو مضطرب الفكر مطمئن البال سعيد بالتكريم رغم حجم المسؤولية والأمانة
كملوا طريقهم في إتجاه الشمال الغربي لحد ماوصلوا للطرف الشمالي لخليج السويس .. ومن المُحتمل يكون قابل سيدنا هارون هناك [ بعد نزول الوحي على هارون ] ..
ربنا وحده العالم نبيه موسى كان بيفكر في إيه وهو راجع مصر وعارف إنه هيواجه أعظم طاغية في عصره .. فكرة رجوعه لمصر كانت آمنة نوعاً ما لما كان هيدخلها لزيارة أهله في تخفّي بعيداً عن أنظار الفرعون وكبراء القوم .. لكن رجوعه لقصر الفرعون نفسه ومواجهته بـ الدعوة ومُطالبته بالإيمان بالله وحده وإطلاق سراح بني إسرائيل ده أشبه بالحرب!

وصل سيدنا موسى مع أخوه هارون لـ مصر وإبتدت الرسالة ..
راحوا لـ فرعون مع بعض شيوخ بني إسرائيل .. إبتدا التبليغ فـ كان بيكلمه بـ منتهى اللين والرفق , دعاه لله وحكاله عن رحمته وجنته .. عن وجوب توحيده وجزاء عبادته ..
وضّحله إنه زي ماهو في الدنيا بيملك مصر , يقدر في الآخرة يملك الجنة إذا آمن بالله وتاب له وعبده حق عبادته فرعون كان بيسمع الكلام بـ ملل وإستهزاء وبمنتهى اللامبالة .. لولا إن ربنا سخّره يسمعهم ومايفكرش يعمل حاجة قبل ما يخلصوا كلامهم كانت تحققت مخاوفهم لما أبدّوا قلقهم من عدم صبر فرعون عليهم ومُعاقبته ليهم قبل مايظهروا مُعجزاتهم أو حتى يكملوا كلامهم (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ) .. [آية 45 : سورة طــه]
فرعون عقّب على كلام سيدنا موسى بإنه سأل عن طلبه ومبتغاه من ورا ده كله .. فـ كان الرد إنه عايزه يعبد الله الواحد .. و يفك أسر بني إسرائيل ويسمحلهم بالخروج
إندهش فرعون من تجرأ موسى وطلبه الي أشبه بالمستحيل! .. إبتدا يفكّره بـ أفضاله عليه وإنه سمحله يتربى في قصره وأكرمه وجعل له مكانة .. حاول يأثر فيه ويستنكر عليه طلبه ودعوته وإنه ماينفعش يكون ده جزاء الجميل الي عمله الفرعون فيه (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ) .. [آية 18 : سورة الشعراء]

فكّره إنه قتل قبطي وكأنه بيقوله شوف نفسك الأول ! دين إيه الي جاي تدعو ليه وإنت قاتل ! إبتدا يهوّل الموضوع ويكبّره فـ ماقالهاش بصريح العبارة , إنما قاله "وفعلت فعلتك التي فعلت!" .. عملت عملتك ! العملة البشعة الي ماتتقالش! .. وانت من الكافرين بنعمتي فقتلت أحد اتباعي بعد ما اتربيت في بيتي! .. ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) .. [آية 19 : سورة الشعراء]
فرعون كان فاكر إن كلامه ده هيعجّز سيدنا موسى عن الرد ويحسسه بالخزي أو يخليه يتراجع
لكن هنا تحققت دعوة سيدنا موسى وربنا أطلق لسانه بالرد المناسب , فقاله غلطت فعلا وكنت ضال لما عملت كده بإندفاع العصبية القبلية لقومي , قبل ما اعرف إندفاع العقيدة السليمة الي ربنا أكرمني بيه النهاردة (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) .. [آية 20 : سورة الشعراء]
هربت منكم لما خوفت على نفسي وجودي بينكم .. [وهنا كان كلام سيدنا موسى بيتضمن تلميح إن القتل الخاطئ ده لو كان صدر من قبطي من أتباع فرعون ماكنش هيبقى جزاؤه القتل .. إنما الحكم الظالم ده صدر على موسى لإنه من بني إسرائيل .. الفئة المُستضعفة المُستعبدة ..]
كمل كلامه بـ ذكر نعمة ربنا .. صاحب النِعم الحقيقية الي تستحق ذكرها وشكرها .. بعيداً عن نِعم فرعون المزعومة الي بيمّن بيه عليها .. فمن بعد ضلاله وإفتقاره ربنا سامحه وهداه ورزقه العلم والحكمة والنبوة..) فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .. [آية 21 : سورة الشعراء]
وإن كان فرعون بيتمنن على سيدنا موسى بفضل تربيته ليه , فـ أي فضل ده الي بيتكلم عليه ؟ وصول سيدنا موسى لقصره كان بسبب إستعباده لبني إسرائيل والتحكم فيهم لدرجة التحكم في نسلهم وذريتهم كمان .. قتله للذكور من أولادهم أجبر أم سيدنا موسى إنها تحطه في التابوت وترميه في البحر .. ساعتها أراد رب العالمين إن الفرعون يتلقطه فيتربى في بيته مش في بيت أهله .. هل هو ده الفضل الي بيتكلم عليه ؟ .. فضل ناتج عن إستعباد قومه وتخويف أهله وإبعاده عنهم ؟
سيدنا موسى إختصر كل الكلام ده ووصله لفرعون بكل أدب ولطف في جملة بليغة ليّنة ( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) .. [آية 22 : سورة الشعراء]
هنا ثار فرعون وإبتدا التحدي .. قاله وإيه رب العالمين الي انت بتتكلم عنه دا؟!!
(قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) .. [آية 23 : سورة الشعراء]
رد سيدنا موسى : (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ( .. [آية 24 : سورة الشعراء] إلتفت فرعون للي حواليه وقال بـ منتهى الإستهزاء والسخرية ) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ) .. [آية 25 : سورة الشعراء] سيدنا موسى تجاهل السخرية وكمل كلامه .. ) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ( ..[آية 26 :سورة الشعراء]
توجه فرعون بالكلام المرادي لـ أتباع سيدنا موسى من بني إسرائيل الي كانوا معاه حاول يشككهم وينقلهم إحساس الاستهانة والسخرية فقالهم (إِنَّ رَسُولَكُم الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) .. [آية 27 : سورة الشعراء] سيدنا موسى ما إهتمش بالإتهام وتجاوز عن السخرية دي وكان كل همه يعرّفهم بـ عظمة ربهم فكمل تاني ( قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) .. [آية 28 : سورة الشعراء]
فرعون مكنش بيسأل سيدنا موسى عن ربنا من باب المعرفة أو الإستفهام إنما كان سؤاله بقصد الاستهزاء لا غير .. وبرغم رد سيدنا موسى عليه بكل إيجاز وبلاغة إلا إنه ماقتنعش وأصرّ على الجدال , فسأله أمال ليه القرون الاولى ماعبدتش ربك ده؟! .. (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ) .. [آية 51 : سورة طــه] رد سيدنا موسى بإن القرون الأولى حسابها عند ربها ومحدش هيفلت من المُسائلة سواء عبد الله أو عبد سواه كل واحد هيتجازى بـ عمله إن خيراً فـ خير وإن شراً فـ شر.. وكل ده معلوم عند الله وحده في كتاب جامع كل صغيرة وكبيرة فـ لا يغيب عن الله شيء ولا ينسى .. (قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ) .. [آية 52 : سورة طــه]
الكلام ده مفروض يطمّن السائل ويخليه يركز في مصيره هو ومايقارنش نفسه بحد لإنه هيتحاسب لوحده , زي ماغيره هيتحاسب عن نفسه بس .. لكن فرعون ماكنش مجرد سائل , كان مُكابر وبيسأل من باب التعجيز لا اكثر ..
حاول سيدنا موسى يلفت نظر فرعون لـ آيات الله في الكون .. كلّمه عن حركة الرياح وإرسال المطر وإخراج النبات وصولاُ إلى الأرض .. فهمّه إن الأرض دي هي بداية خلق الانسان , منها أخرجه الله وفيها سـ يُعيده .. ومن ثم يبعثه من جديد للحساب .. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى ﴿53﴾ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى ﴿54﴾ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) .. [سورة طــه]
الطاغية ماعجبوش الكلام وإبتدى يخاف على ضمائر الشعب من الدعوة الجديدة دي .. ثار فرعون وفقد المنطق والبرهان الي يقدر يرد بيه , فـ لجأ للقوة والوعيد وأنهى الحوار بتهديد (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) .. [آية 29 : سورة الشعراء]
لكن سيدنا موسى مافقدش الهمة وماتراجعش بسبب التهديد .. إبتدا يغيّر اسلوب الحوار ويحاول إقناعه بطريقة جديدة هي إظهار معجزة أو برهان .. ( قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ) .. [آية 30 : سورة الشعراء]
سيدنا موسى حط فرعون في موقف حرج بالعرض ده .. لو رفض التحدّي هيبان إنه خايف فـ يفقد ثقة كل الشهود الي واقفين وسامعين الحوار ..فإضطر يوافق ,(قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) .. [آية 31 : سورة الشعراء]
رمى العصا في أرض القصر واتكرر المشهد مرة تانية فـ أول ما لمست الأرض تحولت لـ ثعبان ضخم بيتحرك بسرعة تهز القلب .. ( فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ) .. [آية 32 : سورة الشعراء]
مالحقوش يستوعبوا الموقف كان سيدنا موسى بادر بالمعجزة التانية فوراً .. دخّل إيده في جيبه وطلّعها فلاقوها بيضا مُضيئة زي القمر ليلة كماله .. (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ ) .. [آية 33 : سورة الشعراء]
فرعون حاول يتدارك الموقف ويقدّم مُبرر للمعجزة قبل ما العقول تصدقها .. فـ إتهمه بالسحر .. (فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) .. [آية 36 : سورة القصص]
سيدنا موسى إستنكر عليهم التكذيب رغم عِظم المعجزتين والإحساس الغريب الي بيتملّك اي حد يشوفهم ( قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) .. [آية 77 : سورة يونس]
كان هادي و واثق فـ إختصرلهم العاقبة بكل ثقة ..(وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) .. [آية 37 : سورة القصص]
لكن استكبار عقولهم وضلال قلوبهم كانوا أكبر رغم المنطق والبرهان ..
(قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) .. [آية 78 : سورة يونس]
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) .. [آية 47 : سورة المؤمنون]
_
فرعون والملأ الي معاه [ الملأ هما كبراء القوم وسادتهم ] .. لما شافوا المعجزتين دول إبتدوا يفكروا هيعملوا إيه ويواجهوا موسى إزاي ويثبتوا كذبه ويبعدوا الناس عنه من غير ما يبان إنهم خايفين .. كانوا عايزين يبعدوه ويسجنوه لكن من غير ما يكون سجنه سبب في ثورة بني إسرائيل .. فـ شافوا إن الأسلم يشركوا بني إسرائيل نفسهم في القرار عشان يبقى العقاب الي هيحل بموسى نابع عن رضا بعضهم.. حوّلوا مجرى الكلام وابتدوا يخاطبوا كبراء بني إسرائيل المتواجدين في المكان.. قالولهم ده ساحر عايز يخرّجكم من - ماقالوش أرض مصر .. كان التعبير بـ"أرضكم " أقرب لقلوبهم .. عشان مايحسوش إنهم غرباء عن البلد ودُخلاء فيها .. لأ دي أرضكم الي بقيتوا زي المواطنين فيها بسبب طول مدة بقاءكم ..
وختم الكلام بـ سؤال مُتملق يستميل بيه قلوبهم "فماذا تأمرون؟" .. إتحوّل الحال في ثواني و لـ ثواني فبقى بنو إسرائيل هما الي بيأمروا .. بقى الفرعون الطاغية مستني منهم أمر عشان يخلّصهم من "الساحر" الي عايز يخرّجهم من وطنهم .. ) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴿34﴾ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) .. [سورة الشعراء]
كان هو ده كلام فرعون الي ردده أعوانه من مستشارين و وزراء وكهنة زيادة للتأكيد والإقناع .. (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴿109﴾ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) .. [سورة الأعراف]
بني اسرائيل حسوا بإحراج كبير ومابقوش عارفين يستغلوا الفرصة الي فرعون ومستشارينه بيتفضّلوا عليهم بيها .. ولا يصدقوا عيونهم وعقولهم بعد الآيتين المُعجزتين الي شافوهم ولسه مأثرين عليهم ..
لجأوا لـ حل ذكي يخرّجهم من الموقف ده .. اقترحوا عليه يأجل الموضوع ده لحد ما ياخدوا –الرأي العام – .. كان الإقتراح بإنهم يحددوا يوم يكرر فيه موسى الي عمله قدام كل الناس .. فيبقى الحكم على مرأى ومسمع من جميع السُكان .. الفكرة أقنعت الحاضرين من وزراء ومستشارين .. فـ أيدوها وزادوا عليها إن التحدّي يكون من الطرفين عشان الناس لو شافوا سحر موسى لوحده ممكن يتأثروا بيه أو يميلوا ليه .. نجيب إحنا كمان أحسن سحرة عندنا ونحارب السحر بالسحر .. فيكون رأي المشاهدين في النهاية عادل ومُنصف لنا .. (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿36﴾ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) .. [سورة الشعراء]
فرعون إقتنع بالفكرة وأعلن تحديه لموسى ..
(فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى ) .. [سورة طــه]
سيدنا موسى من غير تردد وافق على التحدّي و حدد المعاد واليوم كمان .. (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) .. [آية 59 :سورة طــه]

(فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى( .. [آية 60 : سورة طــه]
إتحدد الميقات وجيه المعاد .. يوم الزينة .. يوم إحتفال عظيم إجتمع فيه الجماهير بمنتهى الحماس عشان يتفرجوا على السحرة وهما بيغلبوا موسى الاسرائيلي الي بيدعو لدين جديد وبيدّعي المعجزات (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴿38﴾ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ ﴿39﴾ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ( ..[سورة الشعراء]
في الوقت ده كان السحرة عند فرعون بيتفقوا معاه على المكافئة الي هياخدوها لما يكسبوا التحدي .. هما مجرد سحرة مأجورين مش هاممهم لا دين ولاعقيدة ولا أي حاجة غير الأجر المادي الي هياخدوه في مقابل مهاراتهم في السحر والخداع .. فرعون طّمنهم على أجرهم ووعدهم باللي أكتر من كده كمان , فـ شجّعهم بإنهم لو كسبوا هتعلى مكانتهم فـ يبقوا من المقربين للحاكم والإله الفرعون العظيم! .. (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ﴿41﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) .. [سورة الشعراء]
_
إبتدت المواجهة وإبتدا السحرة في إثبات قدراتهم وثقتهم فـ خيّروا سيدنا موسى وقالوله براحتك يا إما تبدأ إنت يا إما هنكون إحنا البادئين .. (قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ) .. [ آية 115 : سورة الأعراف]
رد سيدنا موسى كان أكثر ثقة منهم , ما إهتمش بـ ثقتهم وإستهان بـ تحدّيهم.. فـ ساب البدء ليهم .. (لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ) .. [آية 43 : سورة الشعراء]
رمى كل ساحر منهم حبل و زعموا إنهم بـ عزة فرعون لغالبون! (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ) .. [آية 44 : سورة الشعراء]
إشتغل سحر السحرة على العيون فـ تخيّل كل الموجودين إن الحبال تحوّلت لـ ثعابين.. القرآن وصف سحر السحرة دول بـ[ السحر العظيم ] , فتخيّل مدى مهارة السحرة الي خلّت اللفظ القرآني -الي دايماً دقيق- يوصفهم بالعظمة! .. (فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) .. [آية 116 : سورة الأعراف]
كان الدور في الرمي على سيدنا موسى , ربنا طمّنه إنه مايخافش ( قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى) ..[آية 68 : سورة طـه]
ويلقي العصا الي في إيده هتغلب سحرهم , فـ ماترددش ولا تراجع رغم عظمة سحرهم .. (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ) .. [آية 69 : سورة طـه]
كانت ثقته في ربه أعظم وإطمئنانه ويقينه بـ دينه أسمى وأقوى (فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) .. [آية 81 : سورة يونس]
رمى العصا فـ تكرر المشهد للمرة التالتة وتحوّلت العصا فوراً لـ أفعى ضخمة بتتحرك وتسعى بشكل حقيقي وواقعي لدرجة خوّفت السحرة وهزّت وجدانهم (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ) .. [آية 45 : سورة الشعراء]
نسيوا كل الي كانوا جايين عشانه .. نسيوا كل إغراءات فرعون وكل مطامعهم المادية والمعنوية .. هما أعلم ناس بالسحر وبالتالي كانوا أكتر ناس فاهمين إن الي حصل ده إستحالة يكون سحر إنما هو معجزة عظيمة هما نفسهم ماقدروش يقاوموها .. فكان رد فعلهم هو السجود فوراً وإعلان الإيمان بـ رب موسى وهارون! .. (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿118﴾ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ ﴿119﴾ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴿120﴾ قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ ﴿121﴾ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) .. [سورة الأعراف] كان تصرفهم مفاجأة صاعقة لفرعون! .. إزاي يكون جايبهم ومتفق معاهم ومعشّمهم بـ منصب ومال ومكانة محدش بيوصلّها .. ويستسلموا بالبساطة دي! ..
قرر فوراً إنهم يستاهلوا عقاب رادع يخليهم عبرة لغيرهم .. وسبق العقاب بـ إتهام يُبرر العقاب قدام الجماهير دي كلها
قالهم إنتوا إزاي تتجرأوا وتؤمنوا بـ رب موسى قبل ما تستأذنوني! .. دي مؤامرة ومكر منكم عشان تنفذوا خطتكم وتخرّجوا أهل المدينة منها .. هو اكيد متفق معاكم وإنتوا إتغلبتوا عن قصد راضيين وموافقين عشان يكمل الاتفاق وتحققوا مطلبه المستحيل بخروج بني إسرائيل!
في ثواني قلب الآية وإتهمهم بالخيانة الي تستحق العذاب !! .. ومن بعدها صرّح بالعذاب بكل صراحة وحزم .. قالهم هقطّع أيديكم وأرجلكم من خلاف وبعدها هصلب كل واحد فيكم! .. (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿123﴾ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) .. [سورة الأعراف ]
لكن يقينهم كان أكبر من تهديده .. إختاروا الخلود الدائم في جنة رب موسى , على النعيم المؤقت في أرض فرعون الجبّار ..بمنتهى الإيمان قالوا (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴿50﴾ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) .. [ سورة الشعراء]
ماطلبوش السماح ولا تراجعوا عن موقفهم بعد تهديدهم وتحديد عذابهم .. بالعكس إستنكروا على الفرعون عقابه ليهم على هُداهم! (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا) .. [ آية 126 : سورة الأعراف]
اما طلبهم فـ كان من ربنا بالثبات على الهدى والصبر على الابتلاء والعذاب الي هيمروا بيه في سبيله (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) .. [آية 126 : سورة الأعراف]
وكمّلوا كلامهم بـ منتهى الحكمة واليقين الي يُضرب بيهم المثل ويبيّن لنا تأثير هُدى الله لما بيسكن القلوب .. (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿72﴾ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿73﴾ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى ﴿74﴾ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ﴿75﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى ﴿76﴾ ) .. [سورة طــه]
عجز فرعون قدام ثباتهم وعدم إهتمامهم بـ وعيده! فـ لجأ للقوة ونفّذ تهديده
_
السحرة ماكانوش الوحيدين الي اتعذبوا بسبب التحدّي ده
بني إسرائيل هما كمان أخدوا جرعتهم من العذاب المُضاعف
وأصل الحكاية إن الملأ من أتباع فرعون خافوا من إزدياد عدد المؤمنين المُتأثرين بالمعجزات .. فـ بدأوا يحرّضوه على سيدنا موسى وبني إسرائيل ويقولوله إنت هتسيبهم يدّعوا وجود إله آخر وينتقصوا من قدرتك وقدرة آلهتك فيتجرأ الناس عليك ويستهينوا بيك ويفسدوا في أرضك
فـ أصدر فرعون القرار بـ تقتيل ابنائهم وترك نسائهم وزيادة تعذيبهم وتسخيرهم ..
(وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) .. [آية 127 : سورة الأعراف]
سيدنا موسى كان بيصبّر قومه وبيحثهم على التقوى وعدم الشكوى .. بيفكّرهم إن الأرض باللي عليها مِلك لله وحده .. وهو قادر يخليهم ورثائها والملكاء عليها جزاء تقواهم ..( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .. [آية 128 : سورة الأعراف]

لكن بني إسرائيل ما استحملوش كتير .. إبتدوا ينقموا على الوضع والذل , قالوله كانوا بيئذونا قبل ماتيجي ولسه بيئذونا بعد ماجيت , كأنهم بيوصلوله رسالة إن وجودك ماغيّرش حاجة في حالنا بالعكس زاد الأذى! .. (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) .. [آية 129 : سورة الأعراف]

سيدنا موسى تفّهم نفاذ صبرهم وماعتبش عليهم , بالعكس حاول يثبّتهم ويواسيهم .. يفكّرهم إن ربنا موجود ويبشّرهم بإقتراب الهلاك للظالمين وإن من بعد هلاكهم هيبقوا هما المُستخلفين ..
لكن نبههم إن الخلافة ساعتها هتكون إختبار .. ربنا عايز يبيّن نواياهم ويشوف رد فعلهم وعملهم .. (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(.. [آية 129 : سورة الأعراف]

المؤمنين مع سيدنا موسى ساعتها كانوا من شباب بني إسرائيل وصغارهم .. بينما الكبار في السن منهم كانوا عارفين جبروت فرعون ومجربينه سنين طوال .. فـ كان خوفهم أكبر بكتير من إقتناعهم .. وبالتالي اختاروا يتقّوا شر فرعون ومايؤمنوش .. خوفاً من إن فرعون يعرف بإيمانهم فيزيد عذابهم على وجه الخصوص ..
وبالتالي كان الي آمن مع سيدنا موسى وسيدنا هارون قلة مُتخفيَة من الشباب .. فـ جيه وصفهم في القرآن بـ[ ذريةٌ من قومه] .. (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) .. [آية 83 : سورة يونس] في الظروف دي كلها كان الإهتمام بالدين والقرب من الله هو الأهم رغم كل حاجة .. مفيش حاجة هتصبّرهم وتحسسهم بوجود ربنا جنبهم قد وجودهم هما في رحابه.. فـ أوحى الله لسيدنا موسى وهارون إنهم يختاروا كام بيت من بيوت بني إسرائيل ويخصصوهم لعبادة الله والاستعانة بالصلاة .. وساعتها يقدر سيدنا موسى يبشّرهم بكل خير مستنيهم .. والبُشرى في الأمر كانت عامة .. عشان تبقى شاملة كل خير ممكن يتمّنوه ويتخيّلوه في الدنيا .. وكل خير هيتجازوا بيه في الآخرة ..
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) .. [آية 87 : سورة يونس]
_
فرعون قرر يحط حد للموضوع ده .. فـ جمع الملأ وكشفلهم عن نيته في قتل سيدنا موسى .. قدّملهم المُبررات المُقنعة الي تخليهم يشتركوا معاه في النية دي فيكون القرار جماعي وبيسانده فيه كل الي حواليه تحسبّاً لأي ثورة قد تقوم بها بني إسرائيل بعد قتل زعيمهم .. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) .. [آية 26 : سورة غافر] _
في الظروف دي ربنا بعت لسيدنا موسى راجل من آل فرعون .. قيل انه ابن عم فرعون نفسه .. الله أعلم لكن من الواضح والمؤكد إنه كان من الكبراء فعلاً لإنه كان حاضر الإجتماع.. القرآن ماذكرش إسمه ولا صفته وإكتفى بذكر الخصلة الأهم فيه وهي "الإيمان"
الراجل ده كان مؤمن كاتم إيمانه وبيظهر إتبّاع فرعون وأعوانه عشان يسلم من شرهم .. لكن ماقدرش يسكت وهو شايفهم بيتفقوا على قتل رسول الله الي هو مؤمن بيه .. تدّخل وحاول يقنعهم قد إيه الفكرة خاطئة وعقيمة .. وضّحلهم إن موسى ماقالش حاجة غير إنه رسول من رب غير الي بتعبوده .. هو قدّم الأدلة والإثباتات الواضحة على نبوته .. وبالتالي فيه إحتمالين .. يا إما يكون كاذب يا إما يكون صادق .. فلو كان كاذب يبقى كذبه مش هيضر حد غيره , ومسيره هينكشف ومش هيستمر في الكذبة دي كتير .. أما لو كان صادق وإحنا قتلناه فـ إيه يضمن لنا النجاة من عذاب الله؟ .. (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿28﴾ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا) .. [سورة غافر]
كلامه كان مُقنع خصوصاً إنه مش مشكوك في ولائه وإنتماءه .. المفروض إنه بيتكلم بدافع الحرص على عرش فرعون لكن رغم كل ده فرعون ما اقتنعش .. دافع عن فكرة قتل موسى لإن مصلحته فيها والموضوع بقى عِند وتحدّي لكبرياءه .. فـ غلب طغيانه وجوهره الحقيقي على ديموقراطيته المزعومة.. قالهم انا عارف الأصح ورأيي هو الي هيهديكم للي فيه صلاح الحال ورشاد البال .. فرض عليهم الأمر الواقع بإن رأيه هو بس الي هيمشي وأي رأي غيره يبقى غلط ولازم يختفي .. (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ..[آية 29 : سورة غافر] الراجل المؤمن ما استسلمش وما سلّمش بالأمر الواقع .. كمّل محاولاته في إقناع الملأ .. فكّرهم بأحداث تاريخية وتجارب ملموسة في الأقوام الي قبلهم لما كذّبوا رسل ربهم وكان إيه مصيرهم واللي حصل لهم
بعدها قرّب الأمثلة اكتر واكتر فـ دخل لتاريخ مصر نفسه , فكّرهم بسيدنا يوسف لما بُعث بالبيّنات فـ الناس شكوا فيه وبعدها لحقوا نفسهم وآمنوا بيه قبل ما طوق النجاة يفلت منهم
إيه الغريب في إن ربنا يبعت رُسل ؟؟ .. التاريخ بحد ذاته أكبر دليل وإثبات على إنتصار القلة المؤمنة بسبب إيمانها على الكثرة الكافرة!
ربنا كان بيعذّب الكافرين أقسى أنواع العذاب .. أغرقهم بالطوفان وصعقهم بالصرخة وخسف الأرض بيهم .. مستنيين إيه ونضمن منين إن وقوفنا ورا فرعون مش هيضيّعنا ويهلكنا ؟؟ .. (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ﴿30﴾ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ﴿31﴾ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿32﴾ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿33﴾ وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴿34﴾ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) .. [سورة غافر]
بعد كمية التخويف والإقناع دي إبتدا الملأ يميلوا للإبتعاد عن فكرة قتل سيدنا موسى .. واضح إن الفكرة نتايجها مش مضمونة فملهاش لازمة وخلينا بعيد أحسن ..
فرعون حاول يجاريهم فـ يثبتلهم بطريقة غير مباشرة إنه معاه حق وإنهم لازم يتّبعوه ..
إبتدا يقلل من شأن سيدنا موسى عن طريق مقارنة فقره وحاله واستعباد قومه , بـ جاه فرعون ومُلكه وغناه .. (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿51﴾ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ) .. [سورة الزخرف]

ومن ثم أمر هامان ببناء صرح عظيم يوصل لـ أعالي السما عشان يشوف إله موسى الي بيدّعيه!
الفراعنة كانوا واصلين لمرحلة متقدمة جداً من الثقافة والحضارة وبالتالي صعب يكون طلب فرعون نابع من إعتقاد فعلي إنه ممكن يشوف الإله بالشكل المادي الساذج ده
إنما كان طلبه من باب الإستهتار والسخرية وفي نفس الوقت عشان يتظاهر إنه عادل وبيبحث عن الحق .. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿36﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) .. [ سورة غافر]
بكده حس الفرعون إنه تغلّب على أي ظنون ممكن تسكن الناس بـ وجود إله غيره .. زاد تباهيه بنفسه وزُيّن ليه عمله فـ أرسل في البلاد مُنادي بيعلن انه الرب الأعلى .. (فَحَشَرَ فَنَادَى ﴿23﴾ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) .. [ سورة النازعات]
هنا جهر مؤمن آل فرعون بإيمانه .. واضح إن الإيمان كان تعمّق في قلبه فـ ثقته بالله كانت أقوى من أي مخاوف دنيوية .. فقالها صراحةَ بمنتهى الجرأة ومن غير أي خوف ..
ما إكتفاش بـ إعلان إيمانه .. إنما تعدّى الأمر لـ دعوة الناس للإيمان كمان! .. المؤمن الحق هو الي لما يستشعر حلاوة الإيمان ويلمس طريق النجاة بيتمنى الخير للي حواليه فبيدلهم عليه
إبتدا يقلل من أمر الدنيا في نظرهم ويفكرّهم إنها زائلة ومفيش سبيل لـ دوامها .. عرّفهم إن الآخرة هي الأبقى وإن نعيمها هو النعيم الحق الي يستاهل الفرحة لإنه نعيم دائم في دار الخُلد والبقاء والاستقرار .. حاول يعاتبهم ويصحيّهم من غفلتهم .. حسسهم بخوفه عليهم واستفاض في النُصح ليهم .. فقالهم (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿38﴾ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴿39﴾ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿40﴾ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴿41﴾ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴿42﴾ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿43﴾ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) .. [سورة غافر]
خلّص كلامه ومشي من المكان فـ تحوّل كل تفكيرهم من إيذاء موسى لـ إيذاء المؤمن ده نفسه!
لكنه سبق و فوّض أمره لله .. فـ تدّخلت العناية الإلاهية بشكل ما وحفظته من فرعون وجنوده .. (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) .. [آية 45 : سورة غافر]
[ يُروى عن ابن عباس: أنه هرب إلى جبل .. فبعث فرعون في طلبه .. فأدركوه وهو يصلي والسباع حوله , فلما همّوا ليأخذوه هاجمتهم الذئاب وأكلتهم! ..] _
مع استمرار فرعون واللي معاه في الظلم والتعذيب لبني إسرائيل , ربنا ساعتها شاء أن يقع البلاء ..تخويفاً لـ آل فرعون وتلييناً لقلوبهم ..
لإن الشدة بتخلي الإنسان يلجأ لقوة أكبر من شدته .. فيبطّل مُكابرة ويرجع لخالقه .. (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) .. [آية 130 : سورة الأعراف]
الأرض بقت جدباء لا زرع فيها ولا ماء .. النيل شحّ والثمار قلّت , الناس جاعت والقحط بقى هو سيد الموقف
لكن من بجاحة آل فرعون وإستعلائهم ماربطوش كفرهم وظلمهم بـ البلاء الي حصل لهم .. بالعكس دول كانوا بيشوفوا أي خير يجيلهم بسبب إستحقاقهم ليه وإنه من حُسن عملهم أو حظهم .. إنما أي شر يحلّ بيهم يقولوا دا بسبب شؤم موسى واللي معاه ..أخذتهم العزة بالإثم فـ إفتكروا إن كل الي بيحصل ده سحر من سيدنا موسى! .. (فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿131﴾ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) .. [سورة الأعراف]
فـ ربنا زاد البلاء تأديباً ليهم وعظة لعلهم يفوقوا ويرجعوا .. بعتلهم طوفان وجراد وسوس وضفادع ودم!! .. (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ) .. [آية 133 : سورة الأعراف]
القرآن ماذكرش إذا كانت الابتلاءات دي جت مرة واحدة في نفس الوقت ولا في أوقات متفرقة .. لكن ذكر الأهم وهو رد فعل آل فرعون بعد الابتلاءات دي ..
فرعون وأعوانه أخدوا على نفسهم عهد إنه إذا موسى دعا ربه وأنقذهم من البلاء دا فهم هينفذوا وعدهم ويؤمنوا بيه ويطلقوا سراح بني إسرائيل كمان معاه .. (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ ) .. [آية 134 : سورة الأعراف]

وفعلا دعا سيدنا موسى وفعلا إنكشف البلاء .. هو نفّذ طلبهم لكن هما مانفذوش وعدهم .. نكثوا بالحلف الي حلفوه فرفضوا يخرّجوا بني إسرائيل ونسيوا البلاء الي كانوا فيه .. (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ) .. [آية 135 : سورة الأعراف] _ بعد ده كله بقى مؤكد وواضح إن مفيش أمل إن فرعون وأتباعه يغيّروا رأيهم أو يؤمنوا أو حتى يبطّلوا تعذيب في بني إسرائيل .. رغم كل الآيات والإبتلاءات الي اتبعتتلهم والي بلغ مجموعها 9 آيات زي ما ربنا قال عنهم (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) .. [آية 12 : سورة النمل]
[وهي في رأي أغلب العلماء : العصا ، واليَد ، والطوفان ، والجراد ، والقُمَّل ، والضفادع ، والدم , والقحط ، وآخرها وأعظمها انفلاق البحر]

هنا دعا سيدنا موسى على فرعون ..( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴿88﴾ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) .. [سورة يونس] فـ أُستجيبت الدعوة وجيه الوحي الإلاهي لسيدنا موسى إنه يخرج من مصر وياخد بني إسرائيل .. (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ) .. [آية 52 : سورة الشعراء]

لكن فرعون ماسابهمش .. حشد جنوده وأعلن التعبئة العامة وطلع بنفسه مع الجنود عشان يلحقهم .. (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿53﴾ إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴿54﴾ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ﴿55﴾ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ( .. [سورة الشعراء]
حالة الاستنفار والاهتمام ده كله يأكد لأي عاقل إن فرعون كاذب في كل إدعاءاته .. إزاي يكون عنده المُلك ده كله ويدّعي الأولوهية وفي الآخر يخاف من قلة زي دول .. كان مفروض يقلل من شأنهم ويتجاهلهم
لإن من صفات الإله الاستغناء .. فهو غني عن كل كافر أو كاذب أو مُدّعي ..
وده عكس الي بيعمله فرعون .. رغم إتهامه لسيدنا موسى بالكفر والكذب والإدعاء إلا إننا بنلاقيه بيطارده هو والي معاه كأن تصرفه إعلان صريح لـ خوفه من موسى وإثبات إنه بيشكّل خطر فعلي عليه!
إستمر سيدنا موسى والي معاه في المشي لحد ماوصلوا عند البحر ووقفوا .. إبتدا جيش فرعون يقرّب .. ظهرت أعلام الجيش .. سكن الخوف قلوب بني إسرائيل الموقف كان صعب مُرعب وخطير .. البحر قدامهم ومش معاهم سفن أو أي أدوات للعبور .. والعدو وراهم ومش معاهم سلاح أو أي مُقومات للقتال ..
فيهم نساء كتير واطفال .. بينما العدو مُسلّح وكله رجال
إبتدا الخوف يتعدّى القلوب ويظهر على الألسنة .. قالوا فرعون هيوصل لنا ويقتلنا من أولنا لـ آخرنا ..( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ( .. [آية 61 : سورة الشعراء]
سيدنا موسى بمنتهى اليقين طمّن نفسه وطمّنهم (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ( .. [آية 62 : سورة الشعراء] ماكنش عارف إيه الحل ومعندوش أي فكرة للنجاة .. معندوش غير قلبه اللي مليان إيمان وثقة في الله إنه هيوجهه ويرعاه
في اللحظة دي ربنا أكدّله ثقته وأثبتله صحة يقينه .. نزل عليه الوحي بأمر ربّاني إنه يضرب بعصاه البحر .. [ البحر دا في الغالب هو خليج السويس الي في منطقة البحيرات] .. سيدنا موسى أطاع الأمر على الفور .. ضرب البحر بالعصا الي في إيده فـ إنفلق نصين وظهر القاع طريق للنجاة .. (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) .. [آية 63 : سورة الشعراء]
نزل سيدنا موسى واللي معاه .. مشيوا على اليابس الي كان من ثواني قاع للبحر .. كانت مياه البحر محاوطاهم من الإتجاهين زي ماتكون جبال عظيـــمة .. ومش أي جبال .. لا هي من الصخر ولا هي من الرمال .. إنما جبال مياه منظرها رهيب يخطف الأنفاس
وصل فرعون وجنوده فـ شافوا المعجزة .. من كتر العناد ما تفكّرش في تفاصيل المعجزة والرسالة منها .. ماقالش ده دليل على وجود رب موسى .. ماراجعش نفسه ولو ثواني عشان يعرف فين الحق
بالعكس .. تخطى كل ده وأمر الجنود فوراً بالنزول وراهم ..
أول ما سيدنا موسى والي معاه وصلوا البر التاني ربنا أوحى ليه إنه يسيب البحر زي ماهو .. وعلل الأمر بـ إن فرعون وجنوده حُكم عليهم بالموت غرقاً (وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ) .. [آية 24 : سورة الدخان]

فعلاً لما بقى فرعون وجنوده في منتصف الطريق بحيث إنهم لا يقدروا يهربوا رجوعاً ولا يقدروا يسرعوا عبوراً .. أمر الله البحر فـ أنطبق عليهم ..( وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ﴿65﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) .. [سورة الشعراء]
في عز ما الموج بيعلى والموت بيقرّب .. فرعون تأكد من الهلاك وشاف الحق فـ أسلم .. قال آمنت إن مفيش إله غير إله موسى .. آمنت وانا من المسلمين .. مش بس تراجع وإنكسر عناده وكبرياءه فـ أعلن إيمانه , لا ده كمان أعلن إستسلامه .. أسلم واستسلم
حاول يخبّط على الباب الصح لكن في الوقت الغلط .. كان الباب خلاص إتقفل .. كان الموت مُتحقق وهو قادر يشوفه ويلمس وجوده .. فمكنش في سبيل للرجوع
[سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" .. والغرغرة هي مرحلة طلوع الروح وبلوغها الحلقوم ]
عاش فرعون كل السنين دي في عز الدنيا .. في منتهى العظمة والنعيم .. ومافكرش في لحظة إنه يسعى لـ عز الآخرة ونعيم الجنة .. فـ كان جزاء كل الي عمله إنه بقى آية .. ربنا نجّى جسده وماجعلوش غذاء للأسماك .. مش تكريماً ليه إنما تخليداً لذكرى الطاغية الي تجبّر فـ كان مصيره عبرة لكل جبّار يجي بعده ويفتكر نفسه ملك الدنيا فيسنى بيها الآخرة , جسد فرعون وقصته حجة على كل حاكم ظالم نسي إن مالك يوم الدين موجود وشاهد وبـ يُمهل لكن إستحالة يُهمل
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿90﴾ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿91﴾ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) .. [سورة يونس]
_
• يُقال إن بني إسرائيل رغم الي شافوه بعيونهم إلا إنهم ماصدقوش غرق فرعون .. واضح إن كلماته لما قال "انا ربكم الأعلى" كانت لسه بتتردد في أذهانهم وبتأكدلهم قدرته وبتشككهم في موته بالبساطة دي .. فـ ربنا أخرجلهم جسمه ورماه على صخرة مرتفعة عشان يشوفوه كلهم ويتأكدوا من موته وهلاكه ..
• فرعون موسى هو رمسيس الثاني بإتفاق الآراء العلمية والإسلامية .. المميز والغريب والي بنعتبره من ضمن الآيات في جثة رمسيس الثاني هو إن الوضعية اللي إيده ثابتة عليها منذ آلاف السنين هي إرتفاع يده اليُسرى بحيث بتتشاف عالية وبعيدة وغير مُرتخية .. عكس جميع المومياوات الي بتبقى وضعية إيدهم الطبيعية هي تقاطع اليد اليُمنى على اليد اليُسرى وإرتخاءها على الصدر ..
جُثة رمسيس الثاني وجدت بالشكل ده من ساعة غرقه .. والتيبس الي حاصل في إيده ده اسمه التيّبس الرمي .. وده ممكن يحصل في حالات الموت الي بيبقى الإنسان متوتر فيها جداً لدرجة تيّبس الأعضاء .. زي حالات الإنتحار مثلا أو القتل الي بيبقى قبله خوف وتوتر كبير .. لكن بترتخي العضلات بعدها بـ12 أو 20 ساعة على أقصى تقدير وتدخل الجثة في مرحلة الإرتخاء الثانوي وتكمّل مراحلها الطبيعية بعد الوفاة ..
بينما جثة فرعون ماحصلش فيها الارتخاء ده .. مع الأخذ في الإعتبار الوقت الي المصريين إحتاجوه عشان يكتشفوا جثة فرعون وياخدوها ويرّجعوها لمصر ويحنطوها فمن المؤكد إن الـ12 أو 20 ساعة كانوا خلصوا فعلاً بعد وفاته وقبل تحنيطه .. لكن رغم مرور الوقت الطبيعي إلا إن مرحلة الإرتخاء ماجتش أبداً .. أغلب الظن إن الكهنة حاولوا يليّنوا العضلات عن طريق الأعشاب والدهانات الي بيستعملوها عشان يقدروا يبتدوا مرحلة التنحنيط .. لكن مفيش فايدة .. فإضطروا يحنطّوها على وضعها كده .. ولجأوا لإنهم يربطوها بأربطة شديدة فيشدوا إيديه الإتنين نحو صدره باللفائف الي بتتلف بيها الجثة ..
ومرت قرون كتير .. بعدها بأكثر من 3 آلاف سنة لما عثروا على الجثة في الدير البحري ونقلوها لمتحف بولاق سنة 1902 فإبتدا خبير الآثار يفك الأربطة فوجئ بإن اليد اليُسرى رجعت فوراً لوضعيتها وإرتفعت تاني زي ماكانت رغم كل السنين دي.. محدش من علماء الآثار أو الطب الشرعي قدروا يفسروا ليه الإرتخاء الثانوي ماحصلش من ساعتها .. طب إزاي إحتفظت العضلات بخاصية الإنقباض .. طب منين إكتسبت الخاصية المطاطية فبقت كل ماحد ينزّلها ترجع تاني لوضعها وترتفع .. طب بعد ما إكتسبت الخاصية دي إزاي قدرت تحتفظ بيها رغم كل السنين دي.. ده المطاط نفسه لو فضل مشدود 100 سنة أو أقل هيفقد خاصيته ويحصله إرتخاء إجباري .. فـ سبحان الله وكفى ..
فرعون وأعوانه دلوقتي في حياة البرزخ .. الحياة بين الدنيا والآخرة .. لكن عذابهم مانتهاش لحد هنا .. فـ كان جزائهم في الدنيا عذاب الغرق بالفظاعة دي .. وفي الآخرة الخلود في النار .. وفي البرزخ تكرار للعذاب بالغداة والعشيّ .. أرواحهم دلوقتي لسه بتتعذب كل صبح وليل .. بتعيش نفس إختناق الغرق الي عاشوه من آلاف السنين .. وبيزيد عليه العرض على النار في كل يوم أكتر من مرة .. (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿45﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) .. [ سورة غافر]
• إتسجّل يوم النجاة ده في تاريخ اليهود والمسلمين كمان ..
إعتبره اليهود عيد بيحتفلوا بيه كل سنة .. وصامه سيدنا موسى شكراً لله على النجاة وحمداً له على معجزته الكبرى وإستجابة دعاؤه وإنجاؤه هو وقومه من فرعون وأتباعه

أما عندنا في الإسلام فـ بيُعتبر يوم عاشوراء من الأيام المميزة الي بنستناها من السنة للسنة عشان نصومها وننال المغفرة المُترتبة عليها
وأصل الصيام ده إن سيدنا النبي لما راح المدينة لاقى اليهود بيعظمّوا اليوم ده فسأل عن السبب .. قالوله إنه اليوم الي ربنا أنجى فيه سيدنا موسى وبني إسرائيل من فرعون .. فـ كان رده "نحن أحق بموسى منهم " ومن هنا صامه نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه ووصّانا إحنا كمان نصومه و وضّحلنا إن ربنا هيغفرلنا ذنوب سنة كاملة بصيام اليوم ده ..[لكنه وصّانا نصوم يوم قبليه أو يوم بعديه من باب مُخالفة اليهود ..]
• في اللحظة الي سيدنا موسى ضرب فيها البحر بـ عصاه عشان ينشق .. تصادف وجود سمكة – أو عدة أسماك- كان قدرها إنها تنشق مع البحر .. إنشقت السمكة وبقت نصفين فلما رجع البحر لطبيعته ربنا كمّل كل نصف بـ الأجزاء الي تسمح للسمكة بإنها تعيش وتتكاثر .. فـ إتوجد من يوميها صنف جديد من الأسماك هو في الحقيقة نصف سمكة .. إتسمى سمك موسى .. تكاثر وطلع من البحر الأحمر عن طريق باب المندب فـ إبتدا إنتشاره لجميع البحار والمحيطات وبقى موجود لحد يومنا ده ومعروف بإسمه ده لكن أغلب الناس ماتعرفش قصته وسبب تسميته
• في بداية الآيات الي بتحكي قصة سيدنا موسى في سورة القصص ربنا إبتدا القصة بذكر السبب في هلاك فرعون .. (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) .. [آية 4 : سورة القصص ]
الظلم سبب للهلاك .. الاستعلاء بغير حق سبب للهلاك .. الفساد في الأرض و إستضعاف الناس وتذبيحهم وإنتهاك حُرماتهم من اكبر أسباب الهلاك ..
المقصود بـ [ الأرض] في الآية هي أرض مصر والمناطق التابعة لها .. والمعنى إنه قسّم أهل مصر فرق وطوائف متعددة .. وبقى يستعمل كل فرقة منهم حسب هواه .. فمنهم الي بيكلّفهم بالسحر , ومنهم الي بيكلّفهم بالبناء , ومنهم الي بيختصّهم بـ معاونته ومناصرته ..
وفرقة منهم بيستضعفهم , وهما دول بني إسرائيل .. وبما إنه شايفهم ضعفاء فـ بقى يعتدي على حرماتهم فـ يذبح أطفالهم ويستحيي نسائهم [ يستحيي يعني يسيبهم أحياء لما يتولدوا ] .. وبكده يكون التكبّر الي ربنا وصفه بيه في بداية الآية , كان هو سبب كل الفساد الي حصل وإتصف بيه في نهاية الآية ..
ده كان تصرف فرعون ودي كانت إرادته .. إنه يهين بني إسرائيل ويذلهم ويستضعفهم .. لكن إرادة ربنا ببني إسرائيل كانت غير كده .. فنلاقيه سبحانه وتعالى بيكمل الفكرة في الآية الي بعدها عشان الصورة تبقى أوضح لينا
(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )
هو ده الملخص .. فرعون علا وأراد الذل للطائفة دي .. وربنا عدل وأراد النصرة ليهم ..
وزاد على النصرة التوريث فـ شملهم سبحانه وتعالى برحمته وقدّر لهم يكونوا أئمة فيتحرروا من ذل العبودية ويبقوا أمة حرة مستقلة بنفسها وليها الحق الكامل في القرار والإختيار .. يتحوّلوا لأصحاب حكم ويكون لهم الورث بعد هلاك فرعون وأتباعه
وهتكمل الصورة أكتر وأكتر لما نكمل قراية الآية الي بعدها .. (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)
مصير بني إسرائيل هو التمكين في الأرض .. قيل أرض الشام .. وقيل أرض مصر .. والمهم إن النتيجة واحدة وهي العزة من بعد الذل
اما مصير فرعون وهامان وأتباعهم هو تحقق التخوّف الي كانوا بيحذروا منه وبيهربوا من حصوله عن طريق قتل كل الاطفال دول ..
[ منهم ] في الآية عائدة على بني إسرائيل .. فـ برغم حذر فرعون الشديد من أطفال بني إسرائيل وحرصه على قتلهم إلا إن الحذر ما منعش القدر .. الطفل المقصود إتربى وسطهم .. حمايته كانت نابعة منهم وعزته كانت بسببهم ..
الحماية والعزة لسيدنا موسى كان مصدرها الوحيد ربنا .. لكن ربنا خلى السبب الدنيوي لحماية سيدنا موسى هو فرعون نفسه .. ربنا إختار إن سيدنا موسى يتولد في السنة الي بيتقتل فيها الذكور لحكمة عظيمة هو وحده الأعلم بها ولكن أبسطها وأوضحها بالنسبالنا هي تجلّي القدرة الربّانية وظهور التحدّي الإلاهي الي خلّى فرعون عاجز قدامه .. بيّن إنه جاهل بعلم الغيب بدليل إنه ربّى عدوه في بيته .. غير جدير بالإستعلاء أو التكبّر فمابالك بإدعاء الألوهية ..

رغم موت فرعون إلا إن آثـاره في نفوس بني إسرائيل لسه عايشة ما ماتتش
فرعون قسّى قلوبهم وعوّدهم على القهر والخضوع والذل لغير الله .. وده الي كان ظاهر جداً في موقفهم بعد مدة قليلة جداً من معجزة إنشقاق البحر وغرق الفرعون!
الحكاية إن سيناء -الي بني إسرائيل عبروا ليها- تُعتبر من أوفر مصادر الثروة لمصر .. فيها مناجم ذهب ونحاس وأحجار كريمة وغيرها.. وبالتالي كانت منطقة مليانة حياة لإن عُمال المناجم وأُسرهُم وبعض البدو كانوا كلهم عايشين ومُتعايشين فيها ..
في عهد الدولة الوسطى كانت الآلهة حسب إدّعاءهم هي "حاتحور" .. عبارة عن صنم على شكل بقرة , الفراعنة شيّدوا ليها المعابد واختلقوا التماثيل وإبتكروا طقوس عبادة بيقوموا بيها .. أغلب الظن إن هو ده الي بني إسرائيل شافوه بعد ما مشيوا شوية في سيناء ..
مرّوا على معبد من المعابد دي وشافوا أهل المكان بيعبدوا آلهتهم المزعومة و بيعظّموها .. فـ كان رد فعلهم إنهم طلبوا من سيدنا موسى إنه يجعل ليهم إله يعبدوه زي ما الناس دول ليهم أصنام بيعبدوها!
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) .. [آية 138 : سورة الأعراف]
التعبير القرآني كان بـ[ أصنامٍ لهم] .. ما إكتفاش بـ كلمة [أصنام ] .. إنما أضافها ليهم تأكيداً على جهلهم .. بمعنى إنهم هما أصحاب الأصنام دي , هما أصحاب السلطة عليها , هما الي بيملكوها .. فـ حوّلوا نفسهم لـ مملكوين ليها , إتحوّلوا بـ إرادتهم لـ عبدة الشيء الي بيملكوه فـ بقى هو مالكهم بمحض إرادتهم!
والعجيب إن بني إسرائيل حسدوهم وحبوا يقلدوهم! .. بدل مايكرهوا الذل الغريب ده لشوية حجارة .. بدل ما يرفضوا ظلم عقولهم والاستخفاف بيها بالشكل ده .. رغم إنهم لسه مانسيوش الموقف العظيم الي مروا بيه , لسه المعجزة حاضرة في ذهنهم ومنظر غرق فرعون وجنوده لسه ماغابش عن عقلهم
تجاهلوا ده كله وتحكمّت فيهم الغيرة لما شافوا ناس بيعبدوا أصنام فـ بقوا عايزين إله "ملموس ومرئي" زيها
سيدنا موسى فهمّهم إن عبادة الناس دي باطلة وأعمالهم غير مقبولة ومصيرهم معروف .. نصحهم ولفت نظرهم إن كلامهم ده نابع من جهل فـ لازم يبطلّوه ويقدّروا قيمة إن ربنا فضّلهم على العالمين في زمنهم وبعث فيهم رسوله الكليم ..
فكّرهم بـ فرعون وتعذيبه ليهم والي كان بيعمله فيهم وإن ربنا نجّاهم وأنقذهم منه ومن عبوديته وجبروته .. فبأي عقل يجحدوا كل النِعم دي و يسيبوا رب العالمين ويعبدوا صنم مابينفعش ولا بيضر!
(قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿138﴾ إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿139﴾ قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿140﴾ وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) ..[سورة الأعراف]
تراجع بني إسرائيل عن طلبهم ده بعد كلام سيدنا موسى وتذّكِرته ليهم ونهيه الصريح الي في محله ..
_
مهمة سيدنا موسى الأولى إنتهت بتحرير بني إسرائيل من الذل والتعذيب .. لكن المرحلة الجاية محتاجة إنهم يجاهدوا في سبيل الله .. وواضح انهم لسه مش مستعدين لمهمة كبيرة زي دي بدليل إن مع أول إختبار بسيط إتهزّت عقيدتهم وطلبوا من رسولهم إن يجعل لهم صنم يعبدوه
وبالتالي كان لازم يبقى في رسالة ربّانية مُفصلّة تنزل على سيدنا موسى تعرّفه مفاتيح تربية قلوب بني إسرائيل وإعدادهم لـ مهمتهم الكبرى .. عشان كدا ربنا أوحى لسيدنا موسى بـ موعد جديد للقاء
فـ ساب أخوه هارون خليفة على بني إسرائيل لحد مايرجع .. وراح يقابل ربه ويناجيه ويتلقّى منه أصول التشريع
(وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) .. [آية 142 : سورة الأعراف]
_
قبل لقاء ربنا كان مطلوب من سيدنا موسى إنه ينعزل فترة عن أي مشاغل دنيوية .. يتفرّغ للعبادة ليل نهار فـ يصّفي روحه ويقوّي عزيمته ويرتقي بـ نفسه تدريجياً لحد ما يبقى قادر وجاهز يقابل ربه ويكلمه ويسمعه
الفترة دي كانت 30 ليلة بأمر من ربنا .. صامهم كلهم سيدنا موسى وكان خلال الصيام بيحس إنه بيقرّب أكتر من ربنا . بيحبه أكتر , بيتواصل معاه أكتر وبيرتقي بمنزلته أكتر . داق حلاوة المُناجاة وعاش شهر في رحاب الله . تعلّقت روحه بـ لذة الطاعة و اشتدت رغبته في الإستزادة من العبادة ..
فلما خلصوا الـ 30 ليلة .. ربنا أضاف على المدة 10 ليالي , قيل كانت الزيادة من فضل الله عليه لشدة تعلّقه بالمُناجاة فـ زاده إكراماً ليه عشان يقرّب أكتر وتطول مدة بقائه مع ربه بدون أي مشاغل دنيوية ..
وقد تكون الزيادة لحكمة تانية ربنا وحده الأعلم بيها
تم سيدنا موسى الـ 40 ليلة ومازادش عليهم .. قيل إن سبب عدم الزيادة هو رأفة بـ روح سيدنا موسى لإن طاقته البشرية ماكنتش تستحمل روحانيات ونور ربّاني أكتر من كده
وقيل : لإن إستمرار غيابه عن بني إسرائيل أكتر هيكون سبب في ضرر كبير وفتنة أكبر ليهم .. [حتى إنه يُقال إن بني إسرائيل وقعوا في "عبادة العجل " في الـ10 أيام الزيادة الي سيدنا موسى تمّ بيهم الـ40]
(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) .. [آية 142 : سورة الأعراف ]
في الآية ربنا إستخدم لفظ ("تمّ " ميقات ربه) دلالة على إن مشيئة الله من البداية كانت 40 ليلة لكن الأمر نزل على سيدنا موسى متفرّق على مرحلتين : 30 ليلة ثم 10 ليالي .. والحكمة من تجزيئ الأمر إما إن تكون الـ10 الزيادة بمثابة عبادة جديدة وأمر مُنفصل فـ يتكرر الأجر ويتضاعف الثواب لسيدنا موسى عند تنفيذه وإستجابته
وإما تيسيراً لنبي الله موسى وتسهيلاً عليه عشان لما يوصل للثلاثين يكون متشوّق لإتمام الأربعين
_
لما آن الأوان وحان المعاد سيدنا موسى من فرط الحب الي في قلبه لـ ربه ما إكتفاش بـ الوحي والتكليم , لكن طلب الأعلى والأشبه بالمستحيل .. قال يارب اسمحلي أشوفك ..
طلبه كان نابع من حب عظيم وإحساس عميق فـ ربنا حس بيه وكان عالم بحقيقة مشاعره الصادقة دي
ربنا كان قادر يقوله لأ وخلاص .. وساعتها هيكون رد نافذ وعادل محدش يقدر يراجعه فيه أو يعارضه عليه.. لكن لإن الموقف كان موقف حب صادق , ربنا رد بمنتهى الرحمة .. عرض عليه السبب عشان يفهم ويقتنع .. عرّفه إن العلة هي إن محدش من الخلق يقدر يستحمل نور ربنا وعظمته..
مش بس وضحله السبب , ده كمان إداله مثال فوري .. قاله وجّه بصرك على الجبل العظيم الي قدامك ده .. هتجلّى للجبل وهيشوفني .. وانت يكفيك رد فعل الجبل كـ برهان .. لو الجبل صمد واستحمل نور الله يبقى إنت كمان هيتحقق طلبك وتشوف ربك
لكن الي حصل إن الجبل في ثواني بقى فتات .. إتهدّ من خشية الله .. من نوره وضياءه سبحانه وتعالى .. رغم إنه جماد أصمّ عظيم في الحجم والمكونات .. مابالك الإنسان الضعيف المُجوّف الي ما إستحملش حتى رؤية جبل زي ده بيتهد قدامه بالمنظر ده
وده فعلاً الي حصل لسيدنا موسى لما شاف المشهد ده .. فقد وعيه وأغمى عليه من هول الموقف , لما فاق أدرك وتأكد إن محدش يقدر يستحمل نور الذات الإلاهية .. قال يارب سبحانك تنزّهت وتعاليت عن أن تُرى بالأبصار , تُبت إليك يارب سامحني على تجاوزي في طلبي وأنا أول المؤمنين بك وبعظمتك .. (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) .. [آية 143 : سورة الأعراف]
ربنا واساه عشان يبعد عنه الحزن بعدم الرؤية فـ فكّره بـ النِعمة العظيمة الي هو متفرّد بيها , قاله يا موسى انا اخترتك واصطفيتك وفضّلتك على كل الناس في زمانك فـ جعلتك صاحب رسالة وخصصتك بالكلام المباشر مع رب العالمين
فـ خذ التوراة وبلّغ بيها وخليك فاكر وشاكر على النعمة دي دايماً .. (قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) .. [آية 144 : سورة الأعراف]
استكمل ربنا كلامه بالإشارة للألواح .. اللوح المُتعارف عليه هو قطعة مربعة من الخشب , بينما ألواح سيدنا موسى هم في واقع الأمر من الحجارة مش من الخشب لكن تم تسميتهم بالألواح مجازاً لإنهم على شكل لوح .. [وقيل كانت من الجوهر / وقيل من الزمرد / وقيل من الياقوت .. فـ الله أعلى وأعلم بالأصح]
أما عددهم فـ أُختلف فيه لـ عدم وجود نص صريح , فـ قيل 10 ألواح , وقيل 7 ألواح , و قيل لوحين فقط لاغير وده الي مذكور في التوراة [ وبفرض إنهم لوحين بس فهيكون السبب في ذكرهم بالجمع بـ لفظ " ألواح " بدل لوحين , هو أحد سببين .. يا إما يكون السبب إن كل لوح فيهم مكتوب على الوجهين .. بمعنى إنه تم إعتبارهم 4 ألواح ؛ كل وجه لوح مُنفصل .. / أو تكون جُمعت لإن الإثنين هو أدنى رقم في الجمع]

كان مكتوب على كل لوح فيهم التعاليم الإلاهية.. قيل كان مكتوب فيها التوراة , وقيل إنها كانت قبل التوراة .. والراجح إنها أول وحي تشريعي نزل على سيدنا موسى .. بمعنى إنها كانت الأصل الإجمالي للتوراة ..
الكتابة على الألواح كانت عبارة عن نقش على الحجر .. نقش عن طريق القدرة الإلاهية بدون أي تدخل بشري
ربنا أمر سيدنا موسى بأخذ الألواح بشدة وقوة وعزم على تنفيذ ما فيها .. وتبليغ قومه بيها وتنبيههم وتهديدهم بـ مصير المُخالف لما فيها ..
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) .. [آية 145 : سورة الأعراف]

قبل إنتهاء ميقات سيدنا موسى مع ربه ومجيئ معاد الرجوع لـ قومه .. ربنا بلّغه إن قومه ضلوا من بعده وعبدوا "العجل" .. وضّح سبحانه إن تسرّع سيدنا موسى في السعي للخير كان من أسباب فتنة قومه وعبادتهم العجل..
(وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ) .. [آية 83 : سورة طـه]
من الآية بيبيان إن سيدنا موسى إستعجل في الذهاب للقاء ربه و ساب قومه [ يا إما يكون سابهم قبل المعاد المُحدد / أو قبل مايستقروا في المكان المحدد , يا إما يكون سابهم قبل ما يحذّرهم من العصيان والوقوع في الفتنة , يا إما يكون المعنى إنه لما جيه يخرج للقاء ربه إختار 70 رجل من أفضل القوم وأحسنهم .. كان المفترض إنهم يروحوا معاه .. لكنه استعجل وسبقهم شوقاً للقاء الله ..]
سيدنا موسى رد و برر إستعجاله بـ تقديم العذر وبعدها توضيح العلة والسبب
فـ قاله يارب دول ورايا ,, على إثري ,, قريبين مني .. بُعدي عنهم ماكنش كبير .. ولحاقهم بيا أمر سهل وسريع لدرجة إنهم هيتتبعوا أثر أقدامي قبل ماتختفي أو تتبدل بأثار تانية..
وسبب إستعجالي هو شوقي ليك .. أول ماجاني الأمر بادرت فوراً للمجيئ عشان أوصل لك أسرع وأكسب رضاك أكتر وما اتأخرش في التنفيذ أبداً
(قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ) .. [آية 84 : سورة طــه]
ربنا عارف الإجابة من غير سؤال , لكن عرض السؤال من البداية كان من باب الملامة .. عتاب راقي عشان يوضّحله إن إستعجاله عن الوقت المُحدد ليه كان من أسباب فتنة قومه من بعده (فَإنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ) .. [آية 85 : سورة طـه]
لكن تكملة الآية كانت بتوضيح السبب الرئيسي والمباشر في الفتنة وهو الشخص الي دعاهم للضلالة .. (وأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)
_
الي حصل إن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر كان النساء لابسين ذهب كتير وحُليّ من أملاك المصريين .. كانوا واخدينهم سلف للإحتفال بـ أحد أعيادهم .. فلما جالهم الأمر بالخروج ماجتش فرصة إنهم يرجعوهم فخرجوا بيهم ..
لكن بعد ما كل حاجة خلصت والأجواء هديت , رموا كل الذهب ده لإنه مش من حقهم ويُعتبر حرام ..
السامري ده بقى جمّع الذهب ده كله وعمل منه تمثال شبه العجل .. [ يُقال إن السامري هو الي قالهم يرموه لإنه مش من حقهم .. عشان بعد مايقتنعوا ويتخلصوا منه يجمعه هو وينفذ فكرته ..]
واضح إنه كان نحّات مُحترف أو صايغ ذهب , عشان كدا لما صنع العجل صنعه بمهارة وحرفيّة .. قدر يصنعه بشكل مُبهر وعمله مُجوّف من جوا وحطه في إتجاه الرياح
تصميمه كان مقصود لغرض واضح .. ضيق الفتحات كان مُقدّر بشكل يسمح بدخول الهوا من فتحته الخلفية وخروجه من أنفه فيعمل صوت شبه صوت العجول الحقيقية [ خوار العجول] .. وقيل إن السامري إستعان بـ آلة نفخ خفيّة حطها في مجرى مرور الهوا عشان تساعد على خروج الصوت بنفس فكرة المزمار أو الصفارة ..
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ) .. [ آية 148 : سورة الأعراف]
بعد ما خلّص صناعة العجل خرج على بني إسرائيل بيه .. سألوه إيه ده ؟ قالهم ده إلهكم وإله موسى!
قالوله إزاي ده موسى راح لميقات ربه .. قالهم موسى نسي , راح للقاء ربه هناك ونسي إن ربه هنا! ..
جت نسمة هوا شديدة فـ دخلت في العجل وخرجت منه فـ طلع صوت خوار .. هنا صدّق بنو إسرائيل الكلام و قالوا ده فعلا إله موسى فعبدوا العجل بكل سذاجة .. (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ) .. [آية 88 : سورة طـه]

الفكرة إنهم ناس ضعاف النفوس نشأوا على عبادة الاصنام والإستعباد من الإنسان .. فـ نفوسهم إتعودت على الذل من البشر ومن الجماد كمان .. والعجل كان شبيه بـ تمثال البقرة "حاتحور" الي شافوه بعد عبورهم البحر وطلبوا من سيدنا موسى إله زيه ..
جايز يكون هو ده السبب الي خلّى السامري من البداية يصنعه على شكل عجل [العجل هو طفل البقرة قبل مايكبر ويبقى ثور ]
عشان يبقى شبيه بـ الآلهة المصرية المزعومة الي فتنت قومه وعجبتهم .. وإحتمال كبير يكون ده فعلاً هو الي أثر في نفوسهم بشكل أكبر فساعد على سهولة خداعهم وإفتتانهم
لما سيدنا هارون عرف الي حصل .. حاول يفوّقهم على حقيقة الفتنة الي هما فيها .. قالهم ده اختبار من ربنا عشان يعرف مدى محافظتكم على دينكم وتمسككم بعبادته وتوحيده .. اسمعوا مني واتبعوا أمري وتوبوا لله الرحمن هيرحمكم ويغفرلكم ويبعد عنكم الفتنة .. (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) .. [آية 90 : سورة طـه]
هنا إنقسم بني إسرائيل قسمين .. أقلية مؤمنة تمسّكوا بدينهم ويقينهم وكانوا مستوعبين وفاهمين إن ده كله كلام فارغ ومش معقول .. وأغلبية كافرة قادها حنينها لعبادة الأصنام إنهم يصدقوا الي إتقال
عبيد العجل رفضوا النصح والموعظة الي كان سيدنا هارون بيقدّمهالهم .. لكن هو كرر النصيحة وواظب على الوعظ من غير ملل أو يأس .. فكّرهم بـ المعجزات والنِعم الي ربنا منّ عليهم بيها .. بس كلامه كله مالاقاش صدى في قلوبهم ..إستضعفوه وأجّلوا الكلام في الموضوع لحد ما سيدنا موسى يرجع .. ( لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) .. [آية 91 : سورة طـه]
جهلهم وسوء أدبهم خلاّهم يعتبروا سيدنا هارون مش أهل للنصيحة والطاعة رغم إنه خاطبهم و وعظهم بألطف أسلوب وأبلغ منطق ..
[ قال الرازي إن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه:
زجرهم عن الباطل- أولا- بقوله: (يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ)
ثم دعاهم إلى معرفة الله- ثانياً- بقوله: (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ)
ثم دعاهم- ثالثا- إلى معرفة النبوة بقوله: (فَاتَّبِعُونِي )
ثم دعاهم- رابعاً- إلى الشرائع بقوله: (وَأَطِيعُوا أَمْرِي).. ]
.. هو ماحبش يلجأ للقوة بتحطيم العجل لإنه خاف تحصل فتنة أكبر وتبتدي حرب أهلية
فـ فضّل الانتظار لحد ما أخوه يرجع .. كان عارف إن سيدنا موسى بشخصيته القوية هيقدر يحط حد للفتنة دي بأقل خسائر ممكنة ..
في الوقت الي سيدنا موسى كان قرّب من المكان الي ساب قومه فيه , كانوا هما بيرقصوا حوالين العجل وبيأدوا طقوس عبادة غريبة .. سمعهم سيدنا موسى وزاد إقترابه منهم لحد ما ظهر عليهم .. سكت الجميع وساد الصمت ..
استمر الصمت دقايق لحد ما كسره صوت سيدنا موسى وهو بيوّبخهم ويسألهم عن سبب الي عملوه .. ذم تصرّفهم واستنكره .. معقول يكون هو ده شكل الخلافة الي يعيشوا بيها بعد الي شافوه منه من التوحيد والحث على عبادة الله وإرضائه , والتحذير الي حذّرهم بيه لما طلبوا منه صناعة صنم الإله زي ما غيرهم عندهم آلهة .. (قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ) .. [آية 150 : سورة الأعراف]
كل ده ليه ؟ .. ليه اتصرفوا وكأن ربنا ماوعدهمش بـ خير الدنيا والآخرة وحُسن العاقبة ؟! .. (أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) .. [آية 86 : سورة طـه]
حسوا إن وعد ربنا اتأخر ؟ .. (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) .. [آية 86 : سورة طه]
ولا حسوا إن رجوع سيدنا موسى اتأخر ؟ .. افتكروه مات ومش راجع ؟ .. افتكروه ضل أو تاه؟! .. استعجلوا أمر الله فـ عصوه ! (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) .. [ آية 150 : سورة الأعراف]
العَجَل هو عدم الإتمام , والأمر هنا قد يكون المُراد بيه هو التكليف .. فيكون المعنى إنهم لم يتمّوا ما كلّفهم الله به من الحفاظ على شريعته وإنتظار رجوع موسى .
وقد يكون المُراد بـ "الأمر" في الآية هو الوعيد والعقاب .. فيكون المعنى إن بعد ما سبق وجالهم التهديد بـ عاقبة عبادة غير الله , فكان من المتوقع منهم إن لو غلطوا و وقعوا في عبادة الأصنام يكون ده بعد مدة طويلة من الوعيد .. لكنهم في وقت قليل رجعوا للعصيان وعبدوا العِجل فـ وقعوا في الي تم نهيهم عنه وتحذيرهم منه و إستحقوا العقاب .. كأنهم إستعجلوا تحقيق الوعيد الي ربنا حذّرهم منه عن طريق مُبادرتهم لفعل سبب وقوعه ..
(أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي) .. [ آية 86 : سورة طـه]

سيدنا موسى سابهم واتجه لسيدنا هارون .. رمى الألواح على الأرض دلالة على شدة غضبه من فرط غيرته على دين الله , وابتدا في عتاب أخوه .. (وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) .. [آية 150 : سورة الأعراف]
ساله إزاي تسكت على الفتنة دي ؟!! إزاي تطاوعهم وتفضل قاعد معاهم ؟! .. إزاي ماخرجتش وجيتلي وبلّغتني بضلالهم .. ليه ماسبتهمش وتبرأت منهم .. الساكت عن الخطأ مُشارك فيه يبقى إزاي تشاركهم ؟ هل ده عصيان منك لأمري لما قولتلك لا تتبع سبيل المُفسدين ؟! .. (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿92﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) .. [ سورة طـه] زاد الصمت بعد كلام سيدنا موسى .. أما سيدنا هارون فـ كان بيحاول يفهّم أخوه بهدوء .. حاول يهدّيه وإستحلفه بـ أمهم وصلة الدم الي بينهم .. شرحله إن الموضوع مش عصيان منه لكن هو خاف يسيبهم ويمشي فـ يعاتبه موسى إنه مافضلش معاهم رغم إنه سابه مسؤول عنهم .. خاف لو حاول يرجّعهم عن فتنتهم بـ عنف إنه يكون سبب في فتنة أكبر تؤدي لقتال فـ يسأله موسى إزاي يفرّق بينهم كده ومايستناش رجوعه (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) .. [ آية 94 : سورة طـه]
حكاله إن القوم إستضعفوه وكانوا هيقتلوه لما قاومهم .. فهمّه إنه مش ظالم زيهم لما سكت عن ظلمهم .. (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .. [آية 150 : سورة الأعراف]
سيدنا موسى ساعتها أدرك إن هارون اتصرّف أحسن تصرف ممكن في الظروف دي فاستغفر الله لنفسه تأدباً مع الله وطلباً للعفو على غضبه , واستغفر لأخوه على أي تقصير قد يكون صدر منه في ردع القوم عن عبادة العجل .. (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) .. [آية 151 : سورة الأعراف]
وبعدين إلتفت للقوم وسألهم وانتظر منهم رد مناسب على خطأهم العظيم .. قالوله إنهم ماعملوش كده بإختيارهم وإرادتهم , إنما كانوا شايلين أحمال وأثقال من زينة الأقباط [قيل إنها الزينة الي إستعاروها قبل خروجهم من مصر زي ماقولنا قبل كده / وقيل إنها معدات جيش فرعون الي قدروا ياخدوها بعد غرقه فإعتبروها غنيمة مع إنهم ماحاربوش عشان يستحقوا الغنيمة] ..
فلما أدركوا إنها مش من حقهم ألقوها ورموها [يُقال في حُفرة / ويُقال في النار عشان يصهروها ] ..
وزي ما هما رموا زينتهم السامري كمان رمى الي كان معاه
فكان عذرهم أقبح من ذنبهم لإنهم تورّعوا عن الخطأ الحقير فـ فعلوا الكبير..
(قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) .. [آية 87 : سورة طـه]
قبل صدور الحُكم كان الدور على السامري عشان ياخد فرصته ويقول مُبرره..
إلتفت سيدنا موسى للسامري وحب يفهم منه إيه حكايته وإيه الدافع من ورا الي عمله .. فـ سأله عن "الخطب" بمعنى الأمر العظيم والسبب القوي الي ممكن يكون خلاه يعمل كده .. (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ) .. [آية 95 : سورة طـه]
كان رد السامري بـ إنه لما سيدنا جبريل نزل على الأرض في معجزة شق البحر كان راكب فرس الحياة .. والفرس ده أي حاجة بيمشي عليها بيدّب فيها الحياة بإذن الله .. السامري ساعتها أخد قبضة من التراب الي وقف عليه فرس سيدنا جبريل .. [ وقيل إن نزول سيدنا جبريل و رؤية السامري له كان عند ذهاب سيدنا موسى لـ مُناجاة ربه .. فـ الله أعلم بالأصح]
معنى كده إن السامري قدر يشوف الي محدش شافه وعرف مكان التراب الي سيدنا جبريل لمسه! .. (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) .. [آية 96 : سورة طـه]
ده لإنه -على حسب الرواية دي- شاف المكان الي سيدنا جبريل لمسه بيتحوّل لخضرة بعد ماكان صحراء جافة
فـ أخده وحطه مع الذهب وهو بيصنع العجل .. (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا) .. [آية 96 :سورة طـه] .. [ سُمي جبريل بالرسول لإنه رسول الله إلى أنبيائه وناقل الوحي لجميع الرُسل]
وبالتالي التراب الي فيه الحياة ده كان هو السبب في صوت الخوار! ..
أقرّ السامري بـ ذنبه واعترف قدام الجميع إن نفسه سمحتله بالخطأ الفادح ده في إضلال بني إسرائيل .. (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) .. [آية 96 : سورة طـه]
[في رأي تاني في تفسير الآية وهو إن السامري قال : عرفت الي قومي ماعرفهوش من إنك لست على حق يا موسى .. وكنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول بمعنى إني كنت على دينك "كان يتظاهر بالإيمان " , وبعدها نبذ الدين وترك التظاهر و أظهر حقيقة كفره , فـ سوّلت له نفسه إضلال بني إسرائيل فـ خدعهم و أغواهم عن طريق تنفيذ طلبهم الي كانوا طلبوه من سيدنا موسى لما قالوله اجعل لنا إله ]
سيدنا موسى مافتحش باب المناقشة في إدّعاء السامري .. أنهى الموضوع وأصدر الحكم
مش مهم الخوار ده كان سببه إيه .. مش مهم الطريقة الي إتعمل بيها سواء كانت من أثر جبريل أو من فتحات عملها السامري في جسد العجل .. المهم الجريمة الي السامري ده إرتكبها .. المهم إنه فتن القوم وإستغل إعجابهم الدفين بـ سادتهم المصريين وإنهم بيحاولوا يقلدوهم ويتشبّهوا بيهم في أي حاجة حتى في عبادة الأصنام
هي دي الجريمة الي يستحق فيها العقاب ..هو ده سبب الحكم الصارم الي سيدنا موسى بلّغه بيه .. الحكم كان إن السامري هييبعد عن كل الناس .. هيتطرّد من الأُمة .. هيفضل وحيد في الدنيا لا بيقرب من حد ولا حد بيقرّب منه [ يُقال إن سيدنا موسى دعا عليه إنه ما يمسش حد عقاب ليه على إنه سبق و مسّ حاجات المفروض ما يلمسهاش .. والمسّ كـ عقوبة هنا معناه عدم الاستئناس بالناس .. فـ كان جزاؤه هو هجر الناس وتَرك مُخالطتهم ]
( قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ) .. [آية 97 : سورة طــه]
بعد عقوبة السامري راح سيدنا موسى للعجل ورماه في النار .. صهره قدام عيون الي عبدوه لحد ما ذاب وتغيّر شكله .. وبعدها رمى بقاياه في البحر عشان يثبتلهم ضعفه وهوانه وإنه مايقدرش يحمي نفسه ..
أدرك القوم ساعتها حجم الضلال الي كانوا فيه .. ندموا ندم كبير وتحسّروا على حالهم وتمنّوا إم ربنا يغفرلهم خطأهم .. (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .. [آية 149 : سورة الأعراف]
ربنا عبّر عن شدة ندمهم بـ( لما سُقط في أيديهم) .. كأن فمهم سقط في أيديهم بمعنى عضّوا أيديهم من شدة الندم والحسرة ..
وتم ذِكر اليد لإن الندم بيحصل في القلب وبيظهر في اليد .. كقوله تعالى (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها)
ولإن اليد هي أعظم الجوارح فـ قد يُنسب إليها ما لم تفعله مباشرةً .. كقوله تعالى (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ)
_
إنهاءاً للموضوع وإغلاقاً لباب العقوبات .. وضّح سيدنا موسى عقوبة عبدة العجل .. قالهم توبوا لـ خالقكم وعاقبوا أنفسكم في الدنيا إتقاءاً لـ عقاب الآخرة .. سألوه عن طريق التوبة فـ كان رده إن مفيش غير طريقة واحدة تتوبوا بيها هي إن المُطيع منكم يقتل الي عصى وكفر

العقاب دايماً من جنس العمل , ولإن العمل في الموقف ده كان إهدار لحياة العقول وقتل لصحوة التفكير الي بتميّز بني آدم عن غيره من المخلوقات , بالتالي كان الجزاء هو إزهاق حياة الجسد نفسه بعد ما تم إزهاق العقل فـ مابقاش الإنسان يفرق عن الجمادات والحيوانات بـ أي شيء

وقد كان .. إستجابوا للأمر الصعب والي بيبيّن ندمهم الحقيقي .. بدأت الفئة الي ماعبدتش العجل تمسك الخناجر وتقتل عبَدة العجل
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .. [آية 54 : سورة البقرة ]
الإختبار كان صعب على الي قتل وعلى اللي إتقتل .. ولذلك التوبة كانت مقبولة فـ غفر الله للقاتل والمقتول .. وقيل كُتب للقاتل عفو وكُتب للمقتول شهادة ..
ربنا إختبر صبرهم وطاعتهم ورغبتهم في التوبة .. وبعدها رحمهم وعفا عن البقية فـ أصدر الأمر الإلاهي بالتوّقف عن القتال

لما هدأ سيدنا موسى و ذهب عنه الغضب أخذ الألواح الي ربنا كتبلهم فيها هُداهم و دلّهم فيها على الطريق الي كله خير و رحمة للمؤمنين الي بيخافوا ربهم ويوقّروه ويرهبوه ..(وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) .. [آية 154 : سورة الأعراف]

إبتدا سيدنا موسى في نشر الشريعة .. وابتدا بني إسرائيل في المساومة
قالوله إقرأ لنا الألواح لو لاقينا الاحكام فيها سهلة ونقدر نطبّقها هنتقبّلها وناخدها ونعمل بيها
سيدنا موسى فهمّهم إن دي شريعة الله فـ إقبلوها بما فيها أياً كان
هما ماوافقوش وماسكتوش .. استمروا في النقاش و زادوا في المجادلة .. قالوله إشمعنى ربنا كلّمك إنت ؟ ونضمن منين إن الألواح دي مُرسلة من عند الله فعلاً .. شككوا وتمادوا لدرجة إنه يُقال إنهم طلبوا ربنا يكلمهم ويقولهم إن ده رسوله وإن دي شريعته عشان يؤمنوا بيها ويطبّقوا ما فيها ..
فـ كان جزاء الاستهتار بـ أحكام الدين والمساومة الي كانوا بيعملوها رغم كل المعجزات دي , إن ربنا بعتلهم ملائكة رفعت الجبل فوقهم ! فـ بقوا قدام الأمر الواقع , يا إما تقبلوها زي ما هيّ يا إما الجبل هيقع فوق راسكم!!
المنظر كان مُرعب .. جبل بحاله فوق راسك حاسس بـ ظله زي الغيوم .. جبل عظيم ممكن يقع عليك في ثانية بـ كن فيكون .. الخوف والرعب الي لمس قلوبهم من المنظر كان كبير ومايتوصفش , لكن الأكبر من كدا هو حجم المعجزة الي حرّكت الجبل بالشكل ده .. إثبات لقوة وقدرة الله بشكل ملموس وفوري ..
كان الأمر واضح .. آمنوا بما أُرسل إليكم من ربكم إيمان العمل به ومُراعاة أحكامه وإلا سقط الجبل عليكم .. (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .. [ آية 171 : سورة الأعراف]
أطاعوا الأمر وتقبّلوا التوراة وأمروا بالسجود فـ سجدوا بدون نقاش.. أخذ الله عليهم الميثاق إيذاناً بإنتهاء الموقف [ الميثاق يعني الوعد بإنهم هيعبدوا الله وحده ويؤمنوا بـ رسوله ويتبّعوا ما جاءهم به من الشرع ويطبقّوا ما فيه وينتهوا عما نُهوا عنه] .. قال ابن جرير " ولو كانوا أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق"
( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .. [آية 63 : سورة البقرة]
_
سيدنا موسى إختار 70 راجل منهم [ أفضلهم وأحسنهم ] .. قالهم توبوا لـ ربنا عن الي عملتوه لعله يسامحكم ويقبل توبتكم .. صوموا وإتطّهروا واستغفروا واسألوا الله التوبة لكم ولـ باقي قومكم
خرج بـ السبعين رجل وراح لـ ميقات حدده الله لهم ..قرّب من الجبل وإبتدا يكلّم ربنا .. هو يكلمه وهما يسمعوا لعلها تكون المعجزة الأخيرة الكبيرة الي تأكد في قلوبهم الإيمان وتنسيّهم معتقداتهم الدفينة الي لحد دلوقتي بتمشيّهم
لكنهم ما إكتفوش بـ المعجزة السمعية .. تجرأوا وطلبوا الأكتر وقالوله مش هيستقر الإيمان في قلوبنا غير لو رأينا الله !! (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) .. [ آية 55 : سورة البقرة]
إبتدوا كلامهم بـ مُناداة نبي الله موسى بـ اسمه بدون أي تكليف .. وده يوضّح سوء أدبهم مع نبيهم ويلّمح لشكوكهم في نبوّته ..[حتى في زمن رسولنا الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه ربنا وصّى الصحابة وأمر الي حواليه مايكونش ندائهم ليه بإسمه زي ما بينادوا بعض ..( لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)
وعشان كده نلاقيهم دايماً في الأحاديث بيقولوله "يارسول الله" .. بينما الكفار فقط هما الي كانوا بيقولوله يامحمد .. لإنهم مش مُعترفين بـ رسالته أصلاً .. فـ كان تصرّف بني إسرائيل مع سيدنا موسى كـ تصرف الكفار بـ الرسالة]
التعبير القرآني كان بـ لفظ "جهرة" لإزالة إحتمال إنهم ممكن يكتفوا بالرؤية في المنام .. أو العلم القلبي [لإن الرؤية عند العرب ممكن تيجي بمعنى العلم بالقلب ..وبما إن القرآن عربي ونازل على العرب بـ لغتهم ومصطلحاتهم فـ كان من المحتمل إنهم يأوّلوا الآية على إن المعنى هو طلب العلم القلبي بمعنى طلبوا اليقين ..لكن لفظ جهرة قطع الاحتمالات دي كلها وأكدّ على إنهم بيطلبوا الرؤية العينية والحسية]
فكان الطلب صريح ومؤكد إنهم عايزين يشوفوا الله زي مابيشوفوا بعض .. أو بالأصح زي ما كانوا بيشوفوا الأصنام والآلهة الزعومة الي كان بيتم عباداتها قدامهم في مصر!
بعد كل المعجزات دي!! .. بعد كرم ربنا عليكم وإصطفاءه ليكم وتميّزكم بكل المعجزات المتتالية دي ولسه بردو بتعندوا وتطلبوا وتتأمروا ؟؟ ..
الطلب في حد ذاته تجاوز كبير .. ده سيدنا موسى النبي الكليم بنفسه ماكنش مسموحله بتنفيذ الطلب ده .. ما بالك بـ ناس غيره .. ناس يفرق عنهم كتير ..
هو نبي إصطفاه الله وكلّفه بـ حمل تقيل وكان مطلوب منه إنه يقوّم نفوس ضعيفة ماتعرفش معنى اليقين , فـ أي واحد مكانه كان هيحتاج هو اليقين الي يقوّيه على مهمته الصعبة ويثبّته على أي صعاب هيقابلها .. ده غير إنه صام كتير وطهّر قلبه وإرتقى جداً في المنزلة قبل ما يتجرأ ويطلب الطلب ده .. لكنه رغم كل ده ماكنش طلبه من باب التأكد والتيّقن زي ما هما طلبوه , إنما طلبه كان نابع من حب وشوق لرؤية حبيبه .. عايز يشوفه إستئناساً بيه مش من باب المساومة أو التأكد من وجوده .. ما وّقفش إيمانه أو يقينه أو تصديقه للرسالة بـ تنفيذ الطلب و رؤية الله , هو مؤمن بيه في جميع الحالات .. لكنه كان مشتاق يشوفه مش اكتر
بينما هم عُصاة وخاطئين , غلطوا كتير وفي كل غلطة كان ربنا بيسامحهم وبيسمحلهم بفرصة تانية ويبعتلهم معجزة تثبّتهم .. وفوق ده كله طلبهم كان شرطي! .. مش هنؤمن غير لو شوفناه .. بيطلبوا بجرأة وتبجّح ويفرضوا شروطهم رغم كل المعجزات والآيات الي شافوها بعيونهم
فـ كان جزاء طلبهم ده بالطريقة دي هو رجفة مُدمرة أصابتهم فوراً فـ مات الـ70 أجمعين .. (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) .. [آية 155 : سورة الأعراف]
[تم التعبير عن الرجفة في آية تانية بـ الصاعقة .. (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) .. [آية 55 : سورة البقرة]
والصاعقة هي أي أمر هائل رآه الشخص أو أصابه , حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك أو موت أو ذهاب عقل ..وبالتالي الصاعقة ممكن تكون صوت أو نار أو زلزال أو رجفة أو غيره ..وبما إن القرآن جملة واحدة فـ ربنا وضحّلنا نوع الصاعقة الي أصابتهم في آية تانية "وهي الرجفة" ]
سيدنا موسى حس بـ حزن شديد وإحباط وأسى على كل الي بيحصل ده ..لكن وسط ده كله فكّر في باقي القوم وخاف عليهم ..إزاي يسيبهم ومعاه أحسن 70 راجل منهم , ويرجعلهم من غير ولا واحد! ..هيقولهم إيه وهيصدقوه إزاي؟ ..
إبتدا سيدنا موسى بـ دعاء الله إنه يسامحهم ويغفرلهم ومايعاقبهمش بما فعل السفهاء منهم ..(قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) .. [آية 155 : سورة الأعراف]

كرم ربنا ورحمته كانت أكبر من أخطائهم فـ استجاب لدعوة نبيه وأحياهم بعد موتهم! ..ردّ فيهم أرواحهم بعد الموقف العظيم ده والموتة البشعة دي لعلهم يكونوا فهموا وإتعظوا فـ يؤمنوا ويشكروا كرم ربنا عليهم وإحيائه ليهم بعد هلاكهم ..(ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .. [آية 56 : سورة البقرة]

أغلب الظن إنه في اللحظات دي حصلت النبوءة لبني إسرائيل بـ قدوم نبي هيظهر بعد سنين ويكون خاتم الأنبياء والمرسلين
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .. [آية 157 : سورة الأعراف]
في الآية دي ربنا بيربط بين الحاضر والماضي ومابينهما ..بين تلات أزمنة مع بعض ..زمن التوراة وزمن الإنجيل ومُخاطبة الرسول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه ..عشان يبيّن إن البُشرى بسيدنا محمد كانت في التوراة والإنجيل ..وفي الغالب البُشرى في التوراة حصلت في اليوم ده لإنه يوم عظيم حصل فيه -وكمان قبليه- معجزات كتير مُتقاربة ..ده غير إنه كان وسط أفضل 70 رجل في بني إسرائيل فـ من المناسب إن يتم التبشير بالنبي الكريم في الظروف دي بالذات ..ده غير إن التوقيت ده منطقي بسبب ترتيب الآيات
_
كملوا مسيرتهم بإتجاه بلاد الشام ..سيدنا موسى إختار 12 واحد منهم ..عن كل سبط من الأسباط واحد يُمثّلهم كـ نقيب ..(وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَتيْ عَشَرَ نَقِياً )
أمر الـ12 نقيب دول إنهم يروحوا بيت المقدس ويدخلوه ويتحسسوا الأخبار هناك ..يشوفوا الأحوال ويعرفوا مدى قوتهم عشان يجمعوا معلومات مبدئية عن الناس الي هيقاتلوهم ..سيدنا موسى وصّاهم إنهم مايقولوش أي حاجة من الي هيشوفوها هناك غير ليه هو شخصياً بس ..النُقباء نفّذوا الأمر و راحوا و رجعوله بالأخبار ..دخلوا عليه وهو قاعد وسط جماعة من بني إسرائيل فـ قالوله إننا لاقينا الأرض الي بعتّنا ليها مليانة خير و نعيم ..لكن سُكّانها أقوياء ومدينتهم حصينة
بدأ كل نقيب منهم يوّصي السبط الخاص بيه إنه ما يقاتلش لإنهم مش قد القتال ..[بإستثناء 2 من النُقباء كان رأيهم غير كده]
سيدنا موسى أمرهم بدخول الأرض المقدسة والقتال عشان يقدروا يحكموا بيت المقدس ويحموا بيت الله ..الأمر بالدخول هو في واقع الحال أمر بـ فعل الأسباب المؤدية إليه .. بمعنى إنه أمرهم بـ السفر للأرض المقدسة عشان يدخلوها ويقاتلوا الي فيها
كان ده إمتحانهم الأخير بعد كل المعجزات الي مروا بيها والآيات الي شافوها ..كان هو ده هدفهم السامي ..الجهاد في سبيل الله ..جيه دورهم يثبتوا إيمانهم بـ إنهم يحاربوا ناس جبّارين "بيعبدوا الأصنام "
سيدنا موسى كان متوقع إنهم يرفضوا لإنه سبق و جرّبهم في مواقف كتير وكانوا في كل موقف يواجهوه بالعِناد والعصيان ..وده الي خلاه المرادي قبل ما يؤمرهم بالقتال إبتدا بتذكيرهم بـ نِعم الله .. عرض لهم أكرم الذكريات وفكّرهم بالمعجزات عشان تبقى بمثابة الضمانات الي تأكدّ لهم إن قدرة الله ومشيئته هي الي هتنصرهم لو آمنوا بيه وتوّكلوا عليه
قالهم إفتكروا إن بعت ليكم منكم أنبياء وخلاكم زي الملوك في حرية تصرفكم في أنفسكم ..رزقكم الله السلامة من العبودية فأصبحتم تملكون أنفسكم وبيوتكم وأزواجكم وأولادكم ..ومن ثم رزقكم نِعم عديدة ماحدش غيركم إتميّز بيها من العالمين في زمنكم.. حذّرهم من عاقبة الإعراض والإرتداد عن الأمر وعرّفهم إن جزاؤهم هيبقى الخسارة في الدنيا والآخرة.. (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ ﴿20﴾ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) ..[سورة المائدة]
كان رد قومه إنهم خايفين من القتال وإن فيها قوم أقوياء جبّارين [الجبّار مُشتق من الجبر .. بمعنى الإجبار .. لإن الشخص شديد القوة بيجبر الناس على الي هو عايزه]
بدأ بنو إسرائيل الجزع والتذمر والبكاء ..قالوله لو مُتنا في مصر كان أحسن لنا
أكدّوا الإعراض وصمموا على قرارهم بعدم الدخول طول ما أهلها فيها ..فلو أهلها خرجوا منها لأي سبب من الأسباب الي ملهاش علاقة بينا ..ساعتها عندنا إستعداد ندخلها , أما غير كده فـ إحنا مش قدهم ومش هنعرّض نفسنا لمواجهة معاهم ..(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ) ..[آية 22 : سورة المائدة]
كأنهم كانوا بيلمحوا لـ طلب آية جديدة أو شيئ خارق من عند الله يخلي أهل البلد يخرجوا منها فـ يدخلوها هما بـ يُسر و راحة بدون ما يحصلوا على شرف دخولها بـ الجهاد في سبيل الله ..
يُقال إن كان عدد بني إسرائيل الي مع سيدنا موسى في الموقف ده 600 ألف , من بين كل دول مفيش غير اتنين بس هما الي مُستعدين يقاتلوا وبيحاولوا يقنعوهم بالقتال ..[الاتنين دول كانوا من ضمن الـ12 نقيب ..وأغلب الظن إنهم يوشع بن نون "فتى موسى في قصة موسى والخضر " ..وكالب بن يوقنا]
ربنا وصفهم هما الاتنين بإنهم يخافون .. والمقصود يخافون الله ولا يخافون سواه..
لما ربنا جل في عُلاه يوصفهم بـ خوفهم من الله ده يبيّن لنا صدق إيمانهم وخوفهم الحقيقي الخالص من الله وحده لدرجة إنهم ينالوا شرف ذِكرهم في كتاب الله المحفوظ بـ وصف زي ده
ربنا أنعم عليهم بالإيمان والتثبيت والثقة بوعد الله وإطاعة أمره للدرجة الي تخليهم يقفوا قدام قومهم كلهم ويحثوهم على الطاعة
قالولهم توّكلوا على الله وخذوا بالأسباب فـ إدخلوا الأرض المقدسة وقاتلوا ..ساعتها مجرد دخولهم و توّكلهم هيكون سبب في انتصارهم لإن ربنا معاهم وقادر ينصرهم ويحميهم ..(قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ..[آية 23 : سورة المائدة]
لكن ردهم كان صريح وجريئ ومؤّكد بـ 3 أساليب تأكيد [إن / لن / أبداً ] ..(قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ..[آية 24 : سورة المائدة]
الأسوء من الرفض هو طريقته ..سوء الأدب والإستخفاف واللامُبالاة الي أظهروها جعلت سيدنا موسى يتأكد إن مفيش فايدة في الجيل ده , فرعون لسه عايش في قلوبهم بـ آثاره الي سابها فيهم والي محتاجة سنين كتير عشان يتعالجوا منها ويرجعوا لـ فطرتهم الطبيعية السويّة
سيدنا موسى دعا ربه فـ قاله يارب إنت العالم إني لا أملك لـ نصرة دينك إلا أمر نفسي وأمر أخي فـ إحنا على أتم الإستعداد لطاعتك في أي أمر تأمرنا به.. أما قومي فـ قد خرجوا عن طاعتي وفسقوا عن أمرك ..ومدام الأمر كذلك فـ إفصل يارب بيننا وبينهم واحكم بيننا بقضائك العادل بـ أن تعطينا ما نستحق وتجازيهم بما يستحقون ..(قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) ..[آية 25 : سورة المائدة]
وهنا ربنا أصدر الحكم على الجيل ده بـ[التِيه] 40 سنة , بحيث يكونوا خلال الفترة دي ماتوا أو أصابتهم الشيخوخة فـ يتولد بعدهم جيل جديد سويّ ماداقش ذل ولا إتهزم داخلياً .. يتربى على الشريعة والدعوة وعبادة الله الواحد ويفهم التوراة ويؤمن بيها قلباً وقالباً فـ يقدر يقاتل وينتصر ويحكم بيت المقدس ..(قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) .. [آية 26 : سورة المائدة]
المقصود بـ التيه هو بقاءهم في الصحراء من غير أي استقرار .. يمشوا ويمشوا ويستمروا في المشي من غير هدف ولا دليل .. سفر صبح وليل مش عارفين هما فين ولا رايحين على فين ولا هيوصلوا إمتى
أضلهم الله ظاهراً زي ما إختاروا الضلال باطناً ..
[أغلب الظن إن سيدنا موسى وهارون كانوا معاهم في التيه لكن ربنا خفف عنهم المعاناة زي ما سبق وجعل النار برد وسلام على سيدنا إبراهيم]
_
تاه بني إسرائيل في صحراء سيناء .. مشيوا كتير من غير أكل ولا ماء ..شمس حارقة وأجساد مُجهدة محتاجة للغذاء ..إحتياجهم كان شديد لأكل يقوّيهم على تكملة الرحلة .. وبرغم إن التيه كان عقوبة ليهم ومفروض كل المُعاناة الي يواجهوها خلاله يكون من ضمن العقوبة .. إلا إن رحمة ربنا -كالعادة- شملتهم وماسابتهمش .. بعتلهم سبحانه المن والسلوى وظللهم بـ غمام يحميهم من حرارة الشمس..
المن ده مادة طعمها حلو بتفرزها أشجار الفاكهة [قيل إنه شبيه بالعسل / وقيل خبز شبه الرقاق / قيل إنه شراب وقيل إنه طعام .. والرأي الجامع بين الآراء إنه لو اُكل لوحده كان طعام طعمه حلو .. ولو مُزج بالماء بقى شراب طيب , ولو مُزج بغيره بقى مادة تانية جديدة ..
والرأي العام والشامل إن المنّ هو جميع ما أمتن به الله على بني إسرائيل من طعام وشراب وغيرهم من النِعم الي بتجيلهم من غير سعي منهم أو تعب ..]
أما السلوى فـ ده نوع من أنواع الطيور [ يُقال إنه شبه السمان لكن أكبر شوية]
جالهم الشرط إنهم ياخدوا من المن والسلوى المقدار الي يكفيهم في يومهم ومايزيدوش ومايطمعوش ومايخزّنوش أي شيء.. ومايقلقوش لإن في صباح اليوم الي بعده ربنا هيبعتلهم منّ وسلوى جديد كـ رزق لـ يومهم الجديد ..هيفضلوا على الحال ده طوال أيام الأسبوع بإستثناء يوم السبت ..يوم السبت هو اليوم الوحيد الي مش هيبقى فيه نزول للمن أو السلوى على الإطلاق ..وبالتالي الجمعة هيكون الكمية المبعوثة من المنّ والسلوى مُضاعفة عن كل يوم , هيجيلهم نصيب يومين و مسموحلهم يخزّنوا منه عشان ياكلوه يوم السبت
عشان يبقى السبت هو يوم تفرّغ للعبادة .. مطلوب منهم ينسوا السعي لأي حاجة دنيوية .. يسعوا لـ عبادة الله و رضاه .. يطمّنوا بتوفّر إحتياجاتهم بدون جهد منهم في تجميعها فيركزوا على العبادة ومايشغلهمش عنها حاجة
لكن كالعادة هنلاقي مُخالفين للشروط والقوانين .. الي كان بيخالف منهم الأمر ويخزّن المنّ والسلوى في أي يوم كان بيصحى الصبح يلاقيه فاسد وفيه دود ..بينما يوم الجمعة هو اليوم الوحيد الي كان المنّ المُخزّن فيه بيفضل صالح للأكل ومُحتفظ بطعمه ومحفوظ من أي فساد أو دود عشان يقدروا ياكلوه يوم السبت زي ماوعدهم ربهم
حتى لما إشتد العطش بيهم , سيدنا موسى ضرب بـ عصاه الحجر فـ إنفجرت منه 12 عين ميّة !
رقم 12 ماكنش عبثي , إحنا عارفين إن بني إسرائيل بينقسموا لـ12 سبط زي ماحكينا في قصة سيدنا يعقوب .. وبالتالي ربنا بعتلهم 12 عين لكل مجموعة فيهم عين لوحديهم
قيل إن الحجر مقصود بيه حجر معين .. الرأي ده ورد عنه آثار كتير لمفسرين كتير لكن المُحققين من العلماء حكموا على الآثار دي كلها بالضعف
فـ بقى الرأي التاني هو الأرجح وهو إن "الحجر" مقصود بيه إضرب بعصاك أي حجر تختاره ..وبالتالي "ال" التعريف هنا يبقى المُراد بيها تعريف الجنس ..جنس الحجارة نفسه . مش حجر بعينه
الرأي ده أكثر منطقية لإن إنفجار الماء من حجر معين هيفتح المجال لـ بني إسرائيل إنهم يعتقدوا في عظمة الحجر نفسه
بينما إنفجار الماء من حجر عادي تم إختياره عشوائياً هيبقى أقوى وأصدق في إقامة الحجة والبرهان عليهم .. فيزيد إيمانهم ويزيد تصديقهم لنبوة سيدنا موسى وكرامته عند ربنا
(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرََ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ..[آية 160 : سورة الأعراف]
الأسباط هم فرق بني إسرائيل زي ما عرفنا في قصة سيدنا يعقوب .. لكنهم ماكنوش متقسمين عشائِر لما كانوا في مصر , فـ الآية هنا بتعرّفنا إن التقسيم حصل بعد عبورهم البحر وقبل تفجّر الماء
وبعدها جيه ذِكر الإستسقاء بعد التقسيم .. الترتيب ده كان ضروري لإن الماء لو كان تفجّر قبل ما يتقسّموا لـ فرق كانوا هيتخانقوا ويتزاحموا عليه بشكل فوضوي وغير مُنظم .. بعكس الي حصل لما عرفت كل فرقة العين الخاصة بيها فـ بقت تشرب بإطمئنان وإنتظام
لكن رغم الكرم الربّاني ده كله هما زهقوا من المن والسلوى , وإشتاقوا لـ الثوم والبصل والعدس والحاجات التقليدية البسيطة الي كانوا متعودين عليها في مصر
خاطبوا سيدنا موسى بمنتهى البطر والجحود .. قالوله "لن" نصبر على نفس الطعام .. كلامهم بأسلوب النفي القاطع ده وتأكيدهم عليه بـ(لن) بيبيّن سوء أدبهم مع نبيهم .. بيقولوله إحنا من دلوقتي فصاعداً مش هنصبر على الاكل ده تاني .. زي مايكونوا بيهددوه عشان يلجأ للدعاء بسرعة وينفذلهم طلبهم فوراً
سيدنا موسى قالهم إزاي يبقى عندكم لحم طير زي السمان وأكلة تحلّوا بيها كمان زي المن وتسيبوه وتطلبوا العدس والتوم ؟؟ .. بتستبدلوا الأكل الأكرم والأعلى بما هو أدنى ؟؟ .. الي بتطلبوه مش أمر صعب . هو أمر هيّن لدرجة إنه موجود ومتوافر في كل القُرى و الأمصار فمايستاهلش مع كثرته وتوافره ده إني أطلبه وأدعو الله به .. لو كنتوا عايزينه تقدروا تروحوا مصر هتلاقوه [ قيل إن المقصود بـ مصر هي مصر الفراعنة نفسها .. لكنها في الآية كانت بتنوين , وبما إنها ماجتش ممنوعة من الصرف فـ ده خلّى باب التأويل مفتوح لـ إمكانية إن يكون المعنى : أي مصر من الأمصار ؛ لإن البقول والأكل الي بتطلبوه ده موجود في كل البلاد والقُرى والأمصار]
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) .. [آية 61 : سورة البقرة ]
في ختام الآية ربنا بيبيّن لنا عاقبة أفعال بني إسرائيل ونتيجة أخطائهم إنهم بقى محكوم عليهم بالذل والهوان في الدنيا , وغضب الله وسَخَطه في الآخرة
[- الضرب عند العرب يعني إلتصاق الشي بالشيء .. فـ جاء التعبير البليغ بإن الذلة والمسكنة "ضُربت" على بني إسرائيل , أي إلتصقت بيهم ولازمتهم وبقت متأصلة فيهم
- الذلة هي الهوان والحقارة , والمسكنة هي الضعف النفسي والفقر القلبي الي بيستولى على الشخص فيحسسه بالهوان مهما كان عنده أسباب قوة
- الفرق بين الذلة والمسكنة هو إن الذل أسبابه من الخارج , والمسكنة أسبابها من داخل الإنسان نفسه
- البقاء في الذل سنين كتيرة بينتج عنه المسكَنة والضعف النفسي الداخلي
واليهود عاشوا قرون طويلة مُستعبدين ومذلولين لـ أمم مختلفة ومتعددة , وده خلاهم يكتسبوا ذل وهوان داخلي لدرجة إنهم مابيميّزوش بين الحياة الكريمة والذليلة , لدرجة إنهم ممكن يفضلّوا الذل على الكرامة لمجرد إنه بيحقق لهم غرض دنيوي نفسهم فيه .. ومهما كترت قوتهم او أموالهم أو أسباب نعيمهم بيستمروا في إدّعاء الفقر والبؤس وإظهاره للناس..
وبكده تكون الآية الكريمة وصفت بني إسرائيل بـ بجحود النعم ، وسوء الأدب , وحماقة التفكير ، وهوان النفس ، وبلادة الطبع ، وبطر الحق ، والبغي على أنفسهم وعلى غيرهم.. وهو ده الي بنشوفه مؤيد بالمواقف والأحداث الصادرة من بني إسرائيل في كل زمان ومكان
ومن عدل ربنا ورحمته إنه بعد ما ذكر لنا مواقف بني إسرائيل السيئة وصفاتهم القبيحة وجزاءهم الذميم .. فكّرنا و وضّح لنا إنهم مش كلهم كده .. العقاب مش عام وزي ما كان جزاء الإساءة عذاب , فـ جزاء الإحسان إحسان
وبالتالي فـ من آمن منهم بـ أنبيائهم –قبل بعثة سيدنا محمد- وصدّق آيات ربه واجتهد في العمل الصالح فهو مُنعّم في آخرته لا خوف عليه ولا حزن يصيبه ..
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) .. [آية 62 : سورة البقرة]
_
في يوم من الأيام لاقوا جثة واحد غني مقتول , أهل القتيل ماعرفوش مين الي قتله فـ لما يأسوا وتعبوا لجأوا لسيدنا موسى وقالوله يلجأ لـ ربه [ويُحكى إن القتيل كان غني جداً وملوش أي وريث غير ابن أخ واحد فقير جداً .. فلما ابن اخوه حس إنه طال عليه الزمن ولسه عمه ما ماتش , قتله بنفسه عشان يورثه . بعدها راح لسيدنا موسى عشان يتظلّم عنده ويدّعي على ناس تانية إنهم هما الي قتلوه فـ يبعد عن نفسه التهمة ..وقيل إنه نقل الجثة عند بيت الناس دي , أو عند باب أحد الأسباط عشان تكون التُهمة مُوجهة ليهم ..
بطبيعة الحال الناس دول أنكروا كل الإنكار وحاولوا يثبتوا حقيقة إن ملهمش يد في الموضوع .. فلما إختلفوا وتنازعوا ومابقوش عارفين الحقيقة فين كان اللجوء الوحيد لله و رسوله إنهم يظهروا مين القاتل الحقيقي ..(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) ..[آية 72 : سورة البقرة] ..]
سيدنا موسى قالهم ربنا بيأمركم تدبحوا بقرة , لما تنفّذوا الأمر وتذبحوها هتعرفوا عن طريقها مين القاتل ..[إختيار البقرة مكنش من فراغ ..كالعادة الاوامر الربّانية كلها بتكون مُحاطة بـ حِكمة عظيمة .. والحكمة المرادي في رأي المفسرين إنه سبحانه أمرهم بـ ذبح نفس المخلوق الي كانوا مُعجبين بـ تماثيله وطقوس تعظيمه لما طلبوا إن يكونلهم إله زيه (حاتحور) , ومن ثم تطوّر الوضع معاهم وعبدوا العجل وهو من نفس الفصيلة ..فـ كان الأمر بـ قتل البقرة عشان يعرفوا إنها مخلوق ضعيف لا يستحق العبادة]
كان المفروض والطبيعي إنهم ينفذوا الأمر على طول ويدبحوا أول بقرة تقابلهم بما إن الأمر جيه من غير تحديد مواصفات
لكنهم عملوا عكس كده وابتدوا اسئلة ومفاوضات ..رجعوا لسوء الظن وسوء الأدب مع سيدنا موسى وإتهموه إنه بيسخر منهم , سيدنا موسى إستعاذ بالله إنه يكون جاهل بعظمة الله فـ يسخر من ناس لجأوا لله ..(وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ..[آية 67 : سورة البقرة]
فهمّهم إن حل قضيتهم هيكون في ذبح البقرة , وبما إنه أمر إلاهي فـ كان المفروض يصدقوا ويسلّموا ويثقوا في الله
الأمر هنا ربّاني ,بيتضمن معجزة ,يعني حاجة ملهاش علاقة بالأسباب المنطقية والفلسفة البشرية الي بتحكم حياتهم العادية ..لكن هما نسيوا ده كله وكان تفكيرهم عقلاني
فـ سألوا سيدنا موسى ,, ياترى المقصود بقرة عادية زي الأبقار الي احنا عارفينها؟ ولا مخلوق مختلف ليه مزايا خاصة؟ ..إسأل لينا ربك يا موسى عشان يوضّح لنا ماهيتها ..(ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ) ..[آية 68 : سورة البقرة]
فـ دعا سيدنا موسى ربه ..وجيه الخبر إنها بقرة متوسطة في العمر , لا هي كبيرة عجوزة , ولا هي صغيرة و فتيّة ..إنما سنها متوسط ما بين الحالتين فـ ابتعدوا عن كثرة الأسئلة وامتثلوا لأمر الله في أسرع وقت.. (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ) ..[آية 68 : سورة البقرة]
بني إسرائيل ما إكتفوش ..فـ سألوا مرة تانية ..لونها إيه ؟ ..بيطلبوا من النبي يكلم ربه مخصوص عشان يسألوه عن لونها !! ..طلبهم بـ إتصال سيدنا موسى المتكرر مع ربه عشان نفس الموضوع رغم إنه موضوع بسيط مش محتاج ده كله , كان فيه تجاهل واضح لـ وقار الله , نسيوا إن الكلام مع الله ودعاؤه ليه أداب لازم يحترموها خصوصاً لما يكون في أمر ربّاني وإستجابة لـ طلبهم في معرفة قاتل قريبهم
لكن سيدنا موسى صبر عليهم وسأل ربه ليهم ..فـ كانت الإجابة إنها بقرة صفراء لونها صافي خالي من أي شوائب , شديدة الصفرة لدرجة إنه يُقارب على البياض , زاهي مُريح ومُفرح لكل الي نظره يقع عليها ..( قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) ..[آية 69 : سورة البقرة]
زادوا في السؤال واستزادوا من التفاصيل ..قالوله احنا بقينا شايفين البقر كله شبه بعضه ومابقيناش عارفين انهي بقرة فيهم ..اسأل ربك يبيّن لنا صفاتها ويدلنا على ماهيتها ..(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) ..[آية 70 : سورة البقرة]
تفكيرهم كان ولازال في إعتقاد إن البقرة المطلوبة هي بقرة مُحددة مميزة عن غيرها ..وكأن المعجزة هتتحقق عن طريق بقرة معينة مش بـ قدرة الله ومشيئته ..بينما الواقع إنهم لو كانوا جابوا أي بقرة يقابلوها وذبحوها كان ربنا في الحال حققلهم المعجزة وجعل البقرة الي اختاروها صالحة للمعجزة .. لإن الفكرة هي بيان قدرة الله وإحداث المعجزة عن طريق بقرة ما . أياً كانت صفاتها
فـ كان الرد المرادي مُحدد لأقصى درجة ..قالهم إنها مُكرّمة مابيستعملوهاش في الحرث ولا السقاية .. (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ)
صحيحة سليمة مافيهاش عيب (مُسَلَّمَةٌ )
لونها صافي مابيختلطش بأي لون تاني (لاَّ شِيَةَ فِيهَا)
قالوله دلوقتي بس عرفنا الوصف الواضح الدقيق الي مافيهوش أي إشتباه والي يخلينا نقدر نميّزها عن غيرها ..(قَالُواْ الآن جِئْتَ بالحق)
إستخدام القرآن للألفاظ دايماً دقيق , وبالتالي التعبير القرآني عن ردودهم أكيد نابع من دقة بردو ..ردهم ده بيوضّحلنا قد إيه كانوا ولا زالوا مُتعنتين وبيتكبّروا ويضيّعوا أداب الحديث مع نبيهم ومع ربهم
طلبهم الدائم بكلمة [ ادعو لنا ربك] بدل [ادعو لنا ربنا] بيوضح قد إيه بيتبرأوا ويتنكرّوا من شرف عبوديتهم لربنا زي مايكونوا لسه مش مصدقين أو مش مقتنعين.. زي مايكون "الله" تبارك وتعالى هو رب لـ موسى وحده حتى يأتيهم اليقين!
حتى ردهم الأخير بـ[ "الآن" جئت بالحق] بيحسسنا إنهم كانوا لسه شاكين .. كأنهم كانوا بيختبروه ومش هيصدقوا غير لما يشوفوا بعيونهم ويلبّي ليهم طلبهم!
فعلاً إبتدوا يبحثوا لحد ما لاقوها وذبحوها بعد ماكانوا خلاص قرّبوا يتركوا الذبح تماماً ومُخالفة ما أُمروا به بسبب كثرة مماطلتهم وتشديدهم على أنفسهم ..(فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ) .. [آية 71 : سورة البقرة]
بعد الذبح سيدنا موسى مسك جزء منها [يُقال كان لسانها / ويُقال فخذها / ويُقال عظمها] وضرب بيه المقتول .. فـ صحي من موته تحقيقاً للمعجزة!! .. سيدنا موسى سأله مين الي قتلك؟ ..رد عليه وقاله فلان ..ورجع مات تاني ..[ويُقال شاور على القاتل مجرد إشارة من غير كلام]
(فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ..[آية 73 : سورة البقرة]
بنو إسرائيل شافوا قدام عينيهم إحياء الميت كـ معجزة جديدة بتتضاف لكمية المعجزات الي عاشوها ..واحنا سمعنا عنها واتسجلت في كتابنا الكريم المحفوظ إلى يوم الدين عشان يتخلّد الموقف ويُكتب في التوراة والقرآن فيكون آية وباب للتفكّر و زرع اليقين
إثبات لينا وليهم إن إحياء الموتى يوم البعث هو على الله هيّن ..ربنا أحيا الميت في موقف بسيط إحقاقاً للحق لا أكثر ..أي عاقل بيفكر بمنطقيّة هيعرف إنه إحياءنا يوم القيامة بغرض الحساب والجزاء هو بالتأكيد موقف أعظم وأولى
_
إستمرت فترة التيه وقبل الـ40 سنة مايخلصوا توفى سيدنا هارون.. ومن بعده بحوالي 3 سنين حان أجل النبي الكليم وتوّفي عن عمر يناهز 120 سنة
أغلب الظن إن سيدنا موسى توفي قبل إنتهاء فترة التيه ..وتولى يوشع بن نون أمر بني اسرائيل من بعده
_
في نهاية قصة سيدنا موسى في سورة القصص ربنا بيقول لسيدنا النبي لما الكفار كذبّوه .. إنت ماكنتش شاهد ولا حاضر كل تفاصيل حكاية موسى .. يبقى إزاي هتعرف التفاصيل دي كلها من غير إله يدلّك عليها .. إزاي هتخترع قصة من خيالك وتطلع مطابقة لتاريخ أجدادهم الي هما عارفينه كويس .. ازاي يكذبوك بعد ماتقولهم تفاصيل نبي سبقك بألاف السنين
قصة سيدنا موسى الي وصلت لنا في كتاب ربنا كانت بحد ذاتها حجة على اليهود وعلى علماءهم ..دليل حي على صدق نبوة سيدنا محمد



قصة سيدنا موسي والخضر

سيدنا موسى في يوم من الأيام كان بيلقي خطبة في بني إسرائيل .. ومن الواضح إن خطبته كانت كاملة متكاملة رائعة مقنعة , لدرجة إن حد فيهم سأله بعد ما إنتهى من الخطبة وقاله " هل على وجه الارض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ " ..
سيدنا موسى كان كليم الله .. صاحب المعجزات , أحد أولي العزم من الرُسل , الي ربنا إختصه بالتوراة وميّزه هو وقومه بمعجزات متتالية للتثبيت وزرع اليقين .. فـ كان من البديهي بعد ده كله تكون إجابة أي حد على السؤال إن "محدش أعلم من النبي الكليم" , وفعلا دي كانت إجابة سيدنا موسى , رد على السؤال بكلمة واحدة هي " لا " ..
هو كان فعلاً أعلم الناس في قومه , لكن مش أعلم الناس على الإطلاق
ربنا عتب عليه إنه أنسب العلم لنفسه بدل مايرد الأمر لله ويقول "الله أعلم" .. فـ أوحاله إن فيه عبد أعلم منه موجود بـ"مجمع البحرين " [ مجمع البحرين يعني نقطة إلتقاء البحرين أو إجتماعهما ]

سيدنا موسى أدرك إنه تسرّع في إجابته .. كان رد فعله لما عرف مكان شخص أعلم منه إنه عقد العزم بالسفر للمكان ده عشان يقابله ويستزيد من علمه..

بس سأل ربنا هوصل هناك إزاي ؟ .. ربنا رد عليه إنه ياخد معاه حوت [الحوت في اللغة يعني نوع من السمك بشكل عام , مش الحوت الضخم المُتعارف عليه ] , وقت مايفقد الحوت يعرف إن هي دي المنطقة المقصودة ..
الحوت كان مملوح [مشوي] .. أخده سيدنا موسى وحطه في مكتل [ يعني وعاء أو جراب أو قُفة كبيرة]
قال لـ يوشع بن نون إنت مهمتك الوحيدة تاخد بالك من السمكة دي ولو فقدتها تقولي

ومن هنا إبتدا رحلته طلباً للعلم .. كان عنده هدف من رحلته .. ماشي وحاطط في دماغه إنه مش هيقف غير لما يوصل .. قال لـ يوشع هفضل ماشي لحد ما أوصل لـ مجمع البحرين .. أو أمشي سنين كتير حتى لو هكمل مشي "حُقبة " من الزمن (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ( .. [ آية 60 : سورة الكهف]
[ - يوشع بن نون هو فتى موسى , يُقال كان خادمه , ويُقال ابن اخته , ويُقال كان بيلازمه عشان يستفيد من علمه
- قيل البحرين هما بحر الروم وبحر القُلْزُم ((اسمهم حالياً البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر)) / وقيل بحر الروم وبحر فارس / وقيل بحر الأندلس / وقيل نقطة إجتماع البحرين هي عند طنجة / وقيل في إقريقيا ..
- المقصود بـ(حُقبًا ) فترة طويلة من الزمن .. قيل سنة / وقيل70 سنة / وقيل 80 سنة / وقيل أكثر ]
_

سيدنا موسى ويوشع وصلوا لصخرة وقعدوا عندها يستريحوا .. قرروا يناموا ولما يصحوا يكملوا رحلتهم .. لكن أثناء نومهم الحوت فارقهم , ربنا أحياه فـ مشي في البحر وسابهم .. [ يُقال إن سبب حياة الحوت كان إنهم كانوا نايمين جنب عين اسمها (عين الحياة ) بتحيي أي حاجة بتلسمها بإذن الله .. فلما رذاذ العين دي لمست الحوت أحياه الله .. و قد يكون ربنا ردّ فيه روحه بـ كن فيكون من غير أسباب .. فـ الله أعلم بالأصح ]
لما الحوت رجع عايش إضطرب وابتدا يتحرك لحد ماوقع من المكتل ونزل في البحر .. آثار الحوت في الميّة كانت واضحة ..[ يعني المكان الي يعوم فيه بيبقى له أثر واضح بعديه]
يُقال إن آثاره كانت على شكل صخر .. يعني الميّة الي الحوت يلمسها تتحوّل حجر عشان تبقى واضحة وتبقى دليل لسيدنا موسى وفتاه لما يرجعوا ..
ويُقال كانت على هيئة مسلك "طريق " شكله واضح في البحر ..
ويُقال إن ربنا جعل الميّة الي يعدّي عليها الحوت تفقد خاصية الجريان , وبالتالي هتفضل ثابتة وواضحة ومميزة عن باقي الميّة الي حواليها لإنها واقفة مش مُنسابة زي باقي البحر .. (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)
ساعتها يوشع صحي من النوم وشافه وهو ماشي .. لكن قرر إنه مايزعجش سيدنا موسى , قال الأحسن يستناه لما يصحى وساعتها يبلّغه بـ فقدان الحوت .. لكن لما سيدنا موسى صحي يوشع نسي وماجبش سيرة الحوت .. (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا) .. هما بلغوا المجمع فعلاً لإن فقدان الحوت كانت هي علامة الوصول .. لكن يوشع نسي يقول لـ سيدنا موسى على فقدان الحوت فـ كملوا طريقهم وسابوه ..
و رغم إن يوشع هو بس الي نِسي لكن ربنا قال عنهم هما الاتنين "نسِيَا" , فـ فسروها إن سيدنا موسى نسي يسأل عن الحوت ويطمن إنه موجود , ويوشع نسي إنه يقوله الي حصل .. وفي تفسير تاني إنها إتقالت على سبيل إنهم هما الاتنين مع بعض فـ الكلام بيكون بصيغة المثنى حتى لو كان الفعل من مفرد .. زي مثلا (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) الضمير هنا كان "منهما" رغم إن اللؤلؤ والمرجان بيخرجوا من البحر المالح ومابيخرجوش من العذب .. وكمثال تاني لنفس الفكرة ففي عموم اللغة بنقول "خرج القوم وحملوا معهم كذا من الزاد " رغم إن الي بيشيل الزاد بيكون شخص واحد لكن الضمير كان جمع .. فـ بالمثل هنا سيدنا موسى ويوشع كانوا واخدين الحوت كـ زاد في السفر هما الاتنين فلما نسي واحد منهم وقع الضمير عليهم هما الاتنين .. وتفسير تالت إن النسيان هنا بمعنى الترك أو التأخير , زي مابنقول في الدعاء " أنسأ الله في أجلك" يعني أخرّ عنك الموت ..و بالتالي هيكون الضمير مُثنى لإنهم هما الاتنين سابوه وأخرّوه عن إنهم يحملوه , بمعنى تركوه ..
_

كملوا رحلتهم ومشيوا باقي يومهم وليلتهم .. في اليوم الي بعده سيدنا موسى طلب من يوشع يجبلهم من الأكل الي واخدينه معاهم كـ زاد للطريق عشان ياكلوا ويعوّضوا التعب الي تعبوه في المشي ده كله .. (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا) .. [آية 62 : سورة الكهف ]
[ يُقال كان زادهم وأكلهم هو الحوت نفسه , ويُقال إنه كان أكل تاني منفصل عن الحوت ] ..
هنا يوشع إفتكر الي حصل وإفتكر إن الحوت مشي .. حكى لسيدنا موسى الي حصل عند الصخرة وهو مستغرب جداً إن الحوت رجعتله الحياة , ومستغرب أكتر إنه نسي حاجة زي دي رغم غرابتها .. وصفله الآثار العجيبة الي كانت بتبقى باينة ورا الحوت في الحتة الي يسبح فيها .. ) قال أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا( .. [ آية 63 : سورة الكهف ]
سيدنا موسى قال يبقى هو ده المكان الي كنا عايزينه وقاصدينه وجايين عشانه (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ )
فـ قرروا يرجعوا كل الي مشيوه تاني وإبتدوا يدوّروا على آثارهم "يتقصّوا الأثر" عشان يعرفوا الطريق ) فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ) .. [آية 64 : سورة الكهف]
لما رجعوا عند الصخرة تاني شافوا أثار الحوت في الماء زي ماكان يوشع بيحكي ..مشيوا ورا الأثر ده لحد مالاقوا العبد الصالح .. وصلوا للهدف أخيراً ولاقوا الراجل الي علمه أكبر من علم موسى ..
_

ربنا قال عليه في القرآن "عبداً من عبادنا " .. عبد هنا نكرة للتفخيم , وعبادنا مُضافة لـ الذات الإلاهية للتكريم والتعظيم ..
ربنا ماقالش اسمه صريح في القرآن عشان نركز أكتر على العبرة .. مش مهم الشخص مين على قد ماهو المهم صفته .. الي بيميّزه هو علمه مش اسمه .. ربنا أنعم عليه وأتاه رحمة منه وعلّمه العلم ده .. ده غير إنه بدون رحمة ربنا مجرد عبد زيه زينا .. بمعنى إن أي حد فينا فرصته في الولاية والصلاح زي فرصة الأولياء والصالحيين بالضبط .. هما عباد واحنا عباد ,, لكنهم أخلصوا النوايا واتجهوا لله بقلوبهم فـ اصطفاهم وميّزهم وأكرمهم فـ رحمهم برحمته الواسعة وأتاهم من فضله العظيم ..
ده كان التعبير القرآني عن العبد الصالح .. لكن السُنة توّسعت أكتر في الموضوع وأشبعت فضولنا فـ حددت لنا شخصيته واسمه .. هو الخضر زي ما تم ذكره في الأحاديث الصحيحة .. وسبب تسميته الخضر على حسب ماذكر أبو هريرة عن رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه (إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء) .. صحيح البخاري
في علماء بيقولوا إنه كان نبي .. وعلماء تانيين بيقولوا كان ولي , وغيرهم بيقولوا كان عبد صالح إختصه الله بـ علم الباطن
_
سيدنا موسى عرّفه بنفسه , وبعدين طلب منه إنه يبقى معاه لفترة من الزمن عشان يتعلم منه علم ينفعه في دينه ويكون مُرشد ليه في تصرفاته الدنيوية والدينية .. (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)
سؤال سيدنا موسى كان قمة في الأدب والتواضع .. بكل لطف قاله "هل أتبعك ؟ " .. زي مابنقول كده لو ماكنش يضايقك أو يتقلّ عليك ..
مافكرش إنه نبي ورسول وربنا ميّزه بمعجزات وتكليم وحاجات تانية كتير .. بالعكس كل الي كان بيسعى ليه هو العلم , بمنتهى التواضع تحوّل لـ طالب علم قدام الي أعلم منه بحاجات معينة..
سيدنا الخضر قاله بلاش .. مش هتصبر على الي هتشوفه معايا .. ده لإن انا عندي من الله علم انت ماتعرفوش .. وانت كمان عندك علم انا ماعرفوش .. (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا )
سيدنا الخضر كان عنده علم الباطن .. بواطن أفعاله كلها خير , بس قد يكون ظاهرها مُنكر واضح وحرام مايتسكتش عليه
بينما سيدنا موسى عنده علم الشريعة والأحكام والأفعال الظاهرية , فـ كان الخضر عارف إن سيدنا موسى مش هيتقبّل أفعاله لإنها تبان مُنكرة وعكس شريعته .. كان عارف إنه مش هيصبر على حاجة مُنكرة في شريعته من غير مايعرف الحكمة منها أو السبب في صحتها .. (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا)
إستمر سيدنا موسى في أدبه وأصرّ على طلبه .. قاله جربني وهتلاقيني – ان شاء الله – صابر , ومن فرط التواضع ختم بـ وعد إنه مش هيخالف أي "أمر" يقوله .. (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)
الخضر وافق لكن بشرط .. قاله ماتسألنيش عن أي حاجة أعملها غير لما انا الي أقولك سببها في الوقت المناسب .. عرض شرطه وساب الإختيار لسيدنا موسى , فكانت الجملة إختيارية مش أمرية , قاله لو إخترت تتبعني يبقى تنفذ شرطي .. (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) .. [ آية 70 : سورة الكهف]
وافق سيدنا موسى وإبتدت رحلتهم هما الاتنين ..[ أما عن يوشع بن نون فـ يُقال إن سيدنا موسى خلاه يمشي ويرجع لـ قومه بعد ما قابل الخضر , ويُقال كان معاهم في رحلتهم لكن ما إتذكرش في القرآن لإنه تابع لسيدنا موسى .. فالله أعلم]
_

إبتدت الرحلة .. وأولها إنهم كانوا ماشيين على ساحل البحر فـ مرّت سفينة , طلبوا منهم إنهم يركبوا معاهم .. أصحاب السفينة كانوا يعرفوا الخضر فـ وافقوا يركّبوهم من غير حتى أجر ..
بعد ماركبوا وأبحرت السفينة الخضر خرقها , [ يُقال الخرق كان عن طريق إنه خلع وانتزع لوح من ألواح السفينة ]
سيدنا موسى لما شافه بيعمل كده إتصدم .. أستنكر .. ماسكتش على الغلط لما شافه بيحصل .. فـ قاله إنت خرقتها عشان أهلها يغرقوا ؟ .. غلطت غلط كبير وارتكبت داهية عظيمة! .. (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)
سيدنا الخضر فكّره بالشرط والوعد .. قاله مش إتفقنا ماتسألنيش عن حاجة غير لما أقولك سببها .. مش قولتلك مش هتصبر على الي هتشوفه معايا .. (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)
فـ سيدنا موسى فهم إن دي من أعمال البواطن الي هو مايعرفش الحكمة منها , ندم وحس بغلطه فـ تأسف من غير تكبّر أو عناد .. قاله ماتآخذنيش بسبب نسياني لوصيتك بإني أسيب السؤال وأبعد عن الإنكار لحد ما يجيلي منك بيان .. وماتضيّقش عليا فـ تكلّفني في صحبتي ليك مشقة تخليني مقدرش أنتفع بالعلم الي عندك (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا )
السفينة ماغرقتش .. يُروى إن سيدنا موسى حط ثوبه مكان الثقب وسده بيه , ويُقال إن الخضر هو الي عالج الثقب بـ وعاء من الزجاج أو حاجة شبهه .. وهو الإحتمال الأكبر

عدّى الموقف ونزلوا من السفينة وإبتدوا يمشوا مكملين رحلتهم .. لاقوا أطفال بيلعبوا .. الخضر أخد طفل منهم بعيد وقتله !! ..
المرادي الغلطة أعظم ومايتسكتش عليها مهما يحصل , ده قتل فعلاً !! .. سيدنا موسى إعترض .. إستنكر , وقاله إنت قتلت طفل بريئ من غير وجه حق ؟ من غير سبب , من غير قصاص , من غير مايكون أذنب في شيء! ..( فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا)
سيدنا الخضر رد عليه بنفس الرد الأول .. بس المرادي ماقالوش زي المرة الاولى ( ألم أقل إنك لن تستطيع ..) .. إنما أضاف كلمة "لك" فقال (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) .. "لك" هنا زيادة في التأكيد والتحديد .. قولتلك إنت مش حد غيرك ..
إعتراض سيدنا موسى المرادي كان نابع من نفاذ صبره وغيرته على الحق وبالتالي عدم مقدرته على كظم غيظه والسكوت على المنكر .. فـ المرادي ملوش مبرر.. إستحى سيدنا موسى من تكرار غلطه وبالتالي حكم على نفسه إنه لو كررها للمرة التالتة هيكون ده سبب في الفراق وكل واحد يكمل رحلته لوحده .. وساعتها هيكون الخضر معذور ومحدش يقدر يلومه .. (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا) .. [آية 76 : سورة الكهف]

عدّى الموقف وبقى في إتفاق جديد إن لو حصلت مخالفة للعهد مرة كمان هيكون الفراق هو الحل ..

كملوا رحلتهم لحد ماوصلوا لقرية .. [ يُقال هي أنطاكية , ويُقال قرية في بلاد الروم , وقيل بجزيرة الأندلس , وقيل هي باجروان ناحية أذربيجان , وقيل برقة .. وقيل أقاويل كتير فالله أعلم بالأصح]
طلبوا من أهل القرية دي إنهم يضايفوهم بالأكل ويكرموهم بإعتبارهم ضيوف وعابري سبيل .. لكن أهل القرية رفضوا وأعرضوا وبخلوا بحق الضيافة ..
كملوا مشي في القرية فلاقوا جدار آيل للسقوط , حيطة ممكن تقع وتتهد في أي وقت .. فـ الخضر بناها ..[ يُقال هدها وبناها من جديد , ويُقال سندها بـ إيده فـ إستقامت بـ إذن الله ]
سيدنا موسى إستغرب من تناقض الحال .. بين ناس بخلاء لدرجة إنهم ينكروا حق الضيف ويرفضوا يطعموا عابر السبيل , وفي المقابل الضيف الي أنكروه ده يبني ليهم حيطة خاصة بيهم من غير ماحد يطلب منه ومن غير ماهو يطلب من حد أي أجر .. طيب مانت كنت دوّرت على أصحابها وأتفقت معاهم على مقابل مادي أو على الأقل طعام بدل ماحنا جعانين وخلص الاكل اللي معانا وهما مارضيوش يضايفونا .. (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)
بكده يكون إعتراض سيدنا موسى ده أقام عليه الحجة , فـ بقى الفراق هو المقابل لإستنكاره ترك الأجر وبالتالي مخالفة الامر للمرة التالتة على التوالي ..
سيدنا الخضر قاله حان الفراق بيني وبينك , لكن قبل ما تمشي هحكيلك الحكمة من كل موقف حصل وأنكرته .. (قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا )

إبتدا يفسّر السبب والحكمة من كل الي حصل .. فـ إبتدا بالسفينة وقاله إن أصحابها كانوا مساكين مايستحقوش الأذية , وفي نفس الوقت ضعفاء مايقدروش يدافعوا عن حقهم [والواضح إن مالهمش باب للرزق غير السفينة دي ] .. وكان هيقابلهم ملك ظالم بيصطاد السفن ويتفقدها , اللي يلاقيها سليمة ومفيهاش عيوب بياخدها غصب عن أصحابها .. فـ كان من مصلحة أصحاب السفينة دي إن يبقى فيها عيب بسيط مايئذيهمش لكن يحميهم من إستيلاء الملك عليها وظلمه ليهم ..(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) .. [ آية 79 : سورة الكهف]

أما في تاني موقف فـ الغلام الي إتقتل ده كان أبوه وأمه مؤمنين أتقياء بينما هو كان غير كدا .. كان لما يكبر هيطلع كافر وهما مايستاهلوش كده .. حبهم ليه كان ممكن يخليهم يحاولوا يرضوه لدرجة إنه يجرّهم معاه للكفر والعصيان .. أو إنهم بسبب إحتياجهم ليه هيقدر يجبرهم على مجاراته في كفره , وفي الحالتين وجوده كان هيبقى فتنة كبيرة ليهم في دينهم الي هو أغلى حاجة عندهم .. وبالتالي كان من مصلحتهم يحافظوا على دينهم ويفقدوا ابنهم وهو صغير قبل مايكبر ويكفر .. (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) .. في حين إن ربنا مش هينساهم وهيعوّضهم بطفل تاني يكون قرة عين ليهم يرحمهم ويعينهم ويقويّهم على دينهم ودنياهم (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) .. [ قيل إنه يوم ما الغلام إتقتل أمه كانت حامل في الطفل الجديد الي ربنا بعته كـ تعويض .. ويُقال إن الطفل كان بنت كبرت وإتجوزت وخلّفت نبي [ أو أنبياء ] .. فكان التعويض مُضاعف وإهتدى على يد ذرية الأبوين دول أمة أو أمم .. ]

وفي الموقف التالت والأخير , فـ كان الجدار الي بناه مملوك لـ طفلين يتيمين , أبوهم كان راجل صالح توفّى وهما صغيرين .. صلاح الأب كان سبب في حفظ الله لأبناءه حتى بعد وفاته .. الحكمة إن الجدار ده كان تحته كنز للطفلين , لو كان إتهد الجدار كان انكشف الكنز وهما لسه أطفال , وبالتالي أهل القرية أو قرايبهم كانوا هيظلموهم وياكلوا حقهم من غير ما الطفلين يقدروا يدافعوا عن ورثهم .. فـ كانت الرحمة الربّانية تقتضي إنه يبعت أنبياءه كل المسافة دي عشان يبنوا الجدار الخاص بيهم ويحفظولهم حقهم لحد مايكبروا ويبلغوا أشدّهم فـ يقدروا يستخرجوا كنزهم بنفسهم ويدافعوا عن حقهم .. (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ )

ختم الخضر كلامه بـ تبرأة نفسه من إنه يكون عمل أي حاجة من دي إجتهاداً أو عن رأي شخصي منه , إنما كلها أوامر ربّانية .. (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)
ده كان تفسير وتأويل المواقف التلاتة الي سيدنا موسى ماقدرش يصبر عليها بسبب معرفته لعلم الظاهر بينما هي مُختصة بعلم الباطن .. (ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)

_
وفي الأول و في الاخر دي كلها إجتهادات العلماء في محاولة تفسير كتاب الله وربنا وحده الأعلى والأعلم بما يُصيب ويُخطئ منها , قال تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا)

  • Blogger Comments
  • Facebook Comments

2 التعليقات:

  1. بجد بجد بجد جزاك الله كل خير وربنا يزيدك علم يارب انا فعلا مكنتش عارفة اي حاجة خالص ربنا يبارك لك يارب جزاك الله كل خير يارب

    ردحذف
  2. جزاکم الله خیر الاسلوب رائع لکن معرفناش بعد وفاة سيدنا موسى ايه الي حصل لبني اسرائيل

    ردحذف

تعليقك يحمسنا على استمرار نشر القصص

Item Reviewed: قصة سيدنا موسي بطريقة رائعة Story prophet Moses full من اجمل قصص الانبياء Rating: 5 Reviewed By: AHMED Channel