الثلاثاء، 26 يوليو، 2016

قصص الانبياء جميع الانبياء stories prophets اجمل قصص الانبياء في القرأن

لمتابعة القصص الجديدة يوميا اضغط اعجبني ( like )

قصص الانبياء جميع الانبياء stories prophets اجمل قصص الانبياء في القرأن

قصص الانبياءقصص الانبياء

قصص الانبياء قصة سيدنا ابراهيم ( ابو الانبياء )

قصص الانبياء القصة إن سيدنا إبراهيم إتولد في بيئة كلها كفر وشرك بالله , كآن الناس في عصره بيعبدوا تلات حاجات , منهم عبدة النجوم والكواكب , ومنهم عبدة الأصنام , ومنهم عبدة الملوك والحُكام
سيدنا إبراهيم إتولد في بيت راجل مش عادي , مش بس بيعبد الأصنام ده كمان بيصنعها وبيبيعها , معتز جدااا بالآلهة بتاعته وبيسّوق لعبادتها
الراجل ده كان اسمه آزر , ذُكر في القرآن إنه أبوه .. (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهةً إني أراك وقومك في ضلال مبين) .. [ آية 74 : سورة الأنعام]
لكن إختلف العلماء , منهم الي قال أبوه فعلاً , ومنهم الي قال لا دا كان عمه
طب عمه إزاي والقرآن بيقول أبوه ؟
• قالوا إن القرآن إستخدم لفظ الأب لـ الجد والعم في مواضع مختلفة ,, زي مثلاً (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) .. [آية 133 : سورة البقرة]
ماحنا عارفين إن إسماعيل وإسحاق أخوين , وعارفين بردو إن سيدنا يعقوب كان ابن سيدنا إسحاق .. معنى كدا إن سيدنا إسماعيل كان عم يعقوب مش أبوه .. ومع ذلك القرآن ذكره هنا ضمن لفظ "آباء" .. فإعتبر العم بمنزلة الأب
• حاجة كمان بتشير إن آزر كان عم سيدنا إبراهيم ,
انه لو كان أبوه ماكنش القرآن هيحتاج يذكر اسم الأب , فكان هيقول إذ قال إبراهيم لأبيه .. وخلاص على كدا , ليه يقول أبيه آزر ؟
معنى التحديد ده إن فيه أب تاني , وإن مش آزر هو الأب الأساسي لأن الأب الأساسي مابيحتاجش التأكيد على اسمه
وهتلاقي ان احنا في تعاملاتنا لحد دلوقتي ممكن حد يجي يسألك "أبوك فلان فين " , وساعتها السؤال بيكون عن حد غير والدك لأن والدك هتتسئل عنه بـ"أبوك فين" على طول
وبالمثل لما أخدوا العباس عم سيدنا محمد أسير , سيدنا النبي قال "ردوا عليّ أبي " , المراد كان عمه , لكنه أطلق لفظ الأب على العم
• من ضمن الحاجات المؤكدة على عدم أبوة آزر لسيدنا إبراهيم
في حديث عن حبيبنا النبي بيقول "انا خيارٌ من خيار , مازلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " ..وده حديث صحيح معناه إن إستحالة يكون في سلسلة نسب سيدنا محمد أي مشرك , هما كلهم كانوا موحدين بالله ,[وقد يكون منهم أهل فترة , ودول مابيدخلوش في دائرة المشركين بردو]
وبما إن آزر كان مشرك وبيعبد الأصنام فـ ده يأكد إنه مش في سلسلة نسب سيدنا محمد , بمعنى إنه مش أبو سيدنا إبراهيم
_
بناءاً على الرأي الأخير فـ نقدر نقول إن :
• الوالد الحقيقي لسيدنا إبراهيم كان متوفي
• يُذكر إن اسم الوالد الحقيقي كان تارح
• عمه آزر هو الي رباه علشان كده إتقال إنه أبوه ..
• يُقال إن آزر ده اسم صنم إشتهر عم سيدنا إبراهيم بصناعته , علشان كدا إتسمى آزر , ولو الرأي ده صحيح فإحنا مانعرفش الاسم الحقيقي للعم كان ايه
_
سيدنا إبراهيم كان بيستغفر ربنا لآزر , مش من باب العِند ولا رفض أمر الله , هو بس حاول يتشَفّع لأبوه الي رباه من باب رد الجميل وإنه بيحبه , وكمان لأنه لما حاول يدعوه للإسلام ورفض ساعتها قاله هستغفر ربنا ليك (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء) .. [آية 4 : سورة الممتحنة]
فـ كان شفاعته لآزر تنفيذاً للوعد الي وعده , لكن لما ربنا بلّغه انه عدو لله توقف عن استغفاره وسمع كلام ربنا (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبيّن له أنه عدو لله تبرأ منه) ..[ آية 114 : سورة التوبة]
_
سيدنا إبراهيم منذ طفولته كان فِطن مابيقتنعش بالأصنام دي وبيسخر منها وبيستغرب إزاي في ناس بتصنع حاجة بإيديها وترجع تعبدها رغم ان الحاجة دي ماتقدرش أصلا تنفع نفسها أو تضر غيرها
في يوم حب انه يثبت للكافرين ضلالهم , بس بأدب ولطف وحكمة , فـ راح لعبدة النجوم والكواكب , ولما شاف كوكب مُضيء بيعبدوه [في الغالب هو كوكب الزهرة] قالهم هو دا ربي ؟ .. كأنه بقى معاهم في إعتقادهم , فلما غاب الكوكب , قال هو في رب بيغيب عن معبوديه! .. وبكده يكون أحرجهم وأقام الحجة عليهم بالعقل وبالمنطق وبكل حكمة (فلما جنّ عليه الليل رأي كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين) ..[ آية 76 : سورة الأنعام]
وكرر الموضوع دا مع القمر , فلما غاب قال لو ربنا ماهدانيش هكون زيي زي الناس الي في ضلال دول , فأقرّ عليهم ضلالهم بـ عبادتهم حاجات بتغيب وتيجي رغم ان المعروف عن المعبود إنه قائم على مصالح عباده مابيغبش عنهم ثانية! (فلما رأي القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين) ..[ آية 77 : سورة الأنعام]
وكرر نفس الفكرة مرة أخيرة مع الشمس .. فلما غابت قالهم أنا بريئ من إشراككم ده , فـ أثبت عليهم إشراكهم بـ 3 مواقف بيأكدوا إنه في إله واحد حقيقي أحق بالعبادة من كل الي هما بيعبدوه (فلما رأي الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريءٌ مما تشركون ¤ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) .. [آية 78 , 79 : سورة الأنعام]
[ده أحد التفسيرات المُريحة والمنطقية للآيات دي , في تفسيرات تانية ممكن تستزيدوا منها بمراجعة موقع الملك سعود للمصحف الإلكتروني]
_
سيدنا إبراهيم كان متزوج من ستنا سارة .. وهي أول من آمن به ..وبعدها آمن بيه سيدنا لوط ( وآمن له لوط) ..[ آية 26 : سورة العنكبوت] .. ومن بعدها سيدنا لوط هاجر من بلد قوم إبراهيم ونزلت النبوة عليه وبُعث في قوم آخرين
المهم بعد حادثة تكسير الأصنام الشهيرة , قوم سيدنا إبراهيم اجتمعوا انهم هيعاقبوه بالحرق .. فإبتدوا يبنوا محرقة كبيييرة ويجمعوا الحطب لدرجة ان كان المريض منهم ينذر نذر إنه لو شُفي من مرضه هيجمع الحطب لحرق إبراهيم - قال يعني بيتقرّب للآلهة عشان يشفوه- , حتى الخيّاطة كانت تبيع شغلها وتجيب بالفلوس حطب للمحرقة! ليلة يعني وكل الناس بتشارك بإستماتة .. قربان للآلهة بقى و دفاع عنها وبتاع .. قعدوا عالحال ده شهر تقريباً , لحد مابقت النار من شرارها تحرق الطيور الي معدّية في السما !
إحتاروا هيرموا سيدنا إبراهيم إزاي ماهو محدش قادر يقرّب.. فأوحى لهم الشيطان بالمنجنيق!
ربطوا ابراهيم كويس وحدفوه , وماقالش غير كلمة واحدة " حسبي الله ونعم الوكيل"
فـ ربنا قال "يانار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم" , فنفخت كل حيوانات الأرض النار (عن) إبراهيم , ماعدا البرص هو الوحيد الي نفخ النار (على) إبراهيم .. ومن هنا جاء حديث الحث على قتل البرص وان الي يقتله ياخد أجر
ويُقال إن الي نفخ على النار كان سيدنا جبريل بـ جناحه
ويُقال محدش نفخ على النار أصلا ده ربنا أمرها ونفذت أمره لأنها مخلوق وتحت طوعه
المهم النار فعلا بقت برد لدرجة إنه يُذكر إن مافضلش يومها نار ف الدنيا كلها إلا وانطفئت
ومن رحمة ربنا انه قال" برداً وسلاماً" فلو قال برداً بس كان سيدنا ابراهيم إتجمد من كتر البرد!
النمرود [حاكم العراق و مُدّعي الأولوهية ] من كتر الإنبهار فلتت كلمة من لسانه وقال " من إتخذ إلهاً فليتخذ مثل إله إبراهيم " ولكن أحد المتملقين حب يلحق الموقف فقال " إني عزمت على النار أن لا تحرقه " , فتطايرت من النار شرارة فحرقته , إثباتاً لكذبه وانه مش قادر يحمي نفسه اساسا
طِلع سيدنا إبراهيم من النار وحاول يدعوهم لعبادة الله تاني .. فقاوح النمرود من جديد ودار بينهم الحوار التالي :
نمرود : يا إبراهيم، من ربك؟
إبراهيم : ربي الذي يُحيي ويميت
النمرود : أنا أحيي وأميت
إبراهيم: كيف تُحيي وتُميت؟
قال نمرود : أطلبُ رجلين من المحكوم عليهم بالقتل، فأُطلق واحداً ، وأقتُل واحداً، فأكونُ قد أمتّ وأحييت
فقال له إبراهيم: إن كنت صادقاً، فأحْي الذي قتلته.. فلم يجب النمرود
ثم أن إبراهيم أعرض عن مقالة نمرود وأراد أن يلزمه بحجةٍ أخرى..
فقال: دع عن هذا (إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من الغرب)
فالنمرود ماعرفش يرد عليه خالص واتضح انه كاذب في إدعائه ( فبهت الذي كفر)
_
وفي يوم كان سيدنا إبراهيم بيتمشى عالبحر , فشاف حاجة ميتة نصها في البحر ونصها على البر , والنص الي ف البحر بياكلوه السمك والي عالبر بياكلوه السباع
فتفكّر .. ياترى إزاي ربنا بيحيي دي بعد ما ماتت وكل جزء فيها اتفرّق بالشكل ده
فطلب من ربنا يوريه إزاي بيحيي الموتى
فقال تعالى " أولم تؤمن " قال " بلى ولكن ليطمئن قلبي "
فربنا قاله يعمل كالآتي :
جاب اربع طيور [ يُقال إنهم حمامة وطاووس وديك وغراب] .. ودبحهم وقطعهم وخلط الاجزاء الي اتقطعت كللللها على بعض , و وزعهم على الجبال الي حواليه [وكانوا غالباً 10 جبال] ومسك المناقير الأربعة بين صوابعه وحط قدامه ميّة وحبوب , وبعد كده ناداهم بأسمائهم, فـ اتكوّن كل طير من جديد و رجعت الأبدان لمناقيرها الي بين صوابعه, وابتدوا ياكلوا القمح والميّة
_
ساب سيدنا إبراهيم بلد قومه [ العراق] وسافر هو وزوجته ساره .. وفي الطريق مرّ على أرض حاكم جبّار [ يُقال أنها مصر] .. وهناك أعوان الجبار ورجالته أول ماشافوا جمال سارة بلّغوا الحاكم انه " قد قدِم أرضك إمرأة لاتنبغي إلا لك" .. فقالهم هاتوهالي وشوفوا الراجل الي معاها لو كان جوزها إقتلوه لو كان أخوها سيبوه
فقال سيدنا إبراهيم لساره قوليلهم إنك أختي .. وانتي فعلاً أختي في الاسلام .. فكان ساعتها مُخيّر بين الكدب والقتل فحب إنه يبعد أخطر الضررين بإختيار أهونهما لينجو هو وزوجته ..لأنه كان متأكد ان ربنا هينجيّها ويحميها , وهي دي تالت كدبة كدبها سيدنا إبراهيم .. والكدبتين التانيين لما قال "إني سقيم" علشان مايروحش مع قومه فيقدر يكسّر الاصنام , ولما قال "بل فعله كبيرهم هذا" عشان يبيّن للكفار عجز آلهتهم عن حماية نفسها وعجزها حتى عن الرد على سؤالهم
[ وناخد بآلنا إننا بنقول على دول كذب رغم ان المراد بيهم في كل مرة كان مصلحة الدين ونصرة الله مش أي مصالح شخصية , فـ تصنيفهم هيكون من الكذب الحسن المحمود , وإطلاق لفظة كذب عليهم هو لمجرد إنه السامع بيتهيأله ان التصرف ده يندرج تحت مسمى الكذب]
المهم أخدوا سارة , وسيدنا إبراهيم قعد يصلي ويدعي .. وهي كمان قعدت تدعي , فـ كان كل ما الجبّار يحاول يقرّب منها إيده تنقبض .. فيقولها "ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله أن لا أضُرّك" .. فتدعي , وربنا يستجيب, فيحاول يقرّب تاني , فيقولها نفس الكلام تاني , فتدعي ..
وفضلوا على كده تلات مرات لحد ما في المرة التالتة قال للحرس إنتوا جايبنلي شيطان مش انسان , رجعوها لإبراهيم واعطوها هاجر .. هاجر دي كانت جارية عنده ارسلها معاها عشان تخدمها , قال " لايليق بهذه أن تخدم نفسها"
المهم رجعت لسيدنا إبراهيم وكان لسه بيصلي , حكتلوا الي حصل ووَهبتله هاجر (تبقى زي ملكة يمين ليه أو زوجة تانية أو ما شابه )
و راحوا كلهم للشام .. ودي البلد الي استقر فيها
ستنا هاجر جابت من سيدنا ابراهيم طفل اسمه اسماعيل
فـ غارت سارة .. فربنا أمر سيدنا إبراهيم انه ياخد هاجر واسماعيل و يذهب بهم إلى مكة .. لأ وكمان يسيبهم هناك .. و ده ليه حكمة ربانية عظيمة هتظهر بعد كده
المهم سيدنا إبراهيم نفذ وحطهم تحت شجرة في مكة بس المكان كله ساعتها كان مهجور مافيهوش ناس ولا اكل ولا شرب
سابهم وكان ماشي , فـ ستنا هاجر جريت وراه تسأله رايح فين وسايبنا في مكان مهجور! .. فلم يلتفت .. ولا حتى رد .. في الاخر قالتله "آلله أمرك بهذا ؟ " فقال نعم .. فقالت " فلن يُضيّعنا "
يااااالله على الإيمان والثقة في الله
المهم كان سايب معاها كيس تمر و قِربة ميّة .. وكانت بتشرب وترضّع ابنها .. فأول ما المية والتمر خلصوا ابتدا الطفل يعيط ولونه يتغيّر من كتر الجوع
مابقتش عارفة تعمل ايه .. جريت من كتر ماهي مش قادرة تشوفه كده , صعدت على جبل قريب منها ‘اسمه الصفا‘ .. لعلها تلاقي حد جاي او قافلة معديّة من بعيد .. مالاقتش
رجعت للطفل تطمّن عليه .. ولما قرّبت منه أسرعت في المشي شوية ‘هرولة‘ .. لاقيته زي ماهو وحالته بتسوء وبيشهق جامد كأنه هيموت .. جريييت على الجبل الي ف الناحية التانية .. ‘وكان اسمه المروة‘ .. تدّور على حد معدّي ؟ مفيش .. رجعت تاني تشوف اسماعيل وتطمن عليه .. وبعدها طلعت تاني على جبل الصفا يمكن حد يكون عدّى المرادي, بردو مفيش .. فضلت تروح وتيجي بين الجبلين 7 مرات .. [ ومن هنا شُرع لنا السعي بين الصفا والمروة .. والحتة بين الجبلين الي مُخصصة للهرولة ومتعلّمة بأضواء خضرا , دي الي كانت بتسرّع ف المشي شوية فيها عشان تطمن على سيدنا اسماعيل الي كان اساسا في نص المنطقة دي تقريباً]
في المرة السابعة لسعيها , نزل سيدنا جبريل وضرب بإيده الأرض تحت قدم سيدنا اسماعيل فإنفتح بير زمزم .. ومن ساعتها وهو عين ماء مابتوقفش
طمّنها سيدنا جبريل وقالها " لاتخافي الضيعة فإن ها هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله "
فضلت قاعدة فترة لانعلمها , وهوووب قافلة تعدّي [من قبيلة اسمها جُرْهُم] ..يبصوا على الوادي من بعيد يلاقوا طائر بيحوم حوالين المكان فيستغربوا ! ويقولوا الطائر ده أكيد بيحوم حوالين ميّة! بس إحنا عمرنا ماشوفنا ف الوادي ده أي ميّة!!
فيبعتوا حد منهم عشان يتأكد .. يلاقوه رِجع بميّة فعلا ! فيروحوا كلهم ويستأذنوا ستنا هاجر .. ممكن نسكن معاكي؟ - شوف الأدب -
فيستقروا في مكة ويبعتوا لأهاليهم يجوا يعيشوا معاهم .. وبكده يتعمّر الوادي و تُستجاب دعوة إبراهيم " فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم ".
_
سيدنا ابراهيم كان خليل الله وهو النبي الوحيد الي ربنا ذكره في كتابه بالصفة دي , ودي منزلة اكبر من الحب بكتير , فـ في الوقت الي كل الناس بتسعى وتتمنى انها تحس بجمال حب ربنا , ربنا هو بنفسه الي حَب سيدنا إبراهيم وقرّبه منه وفضّله بالمكانة العظيمة دي
فلما إتولد سيدنا إسماعيل كان الطبيعي ان الأب يحب إبنه اوي , وده مش أي حب ده ابن جاي بعد إنتظار طويل وطلب من الله بدعوات كتير (ربِّ هَبْ لي من الصَّالحين)
وبما ان ربنا بيغير على عبده من أي حُب ينافس محبة الله في قلبه , فـ إقتضت الحكمة الربانية إنه يظهر صفاء محبة سيدنا ابراهيم لربه عن طريق إختباره بأمر ذبح ابنه
ربنا ماكنش غرضه إنه يذبح سيدنا اسماعيل فعلا , لأنه القتل محرم في جميع الأديان .. لكنه كان مجرد إختبار لتطهير قلب خليل الله من أي حب ينافس حب الله
ولإن سيدنا إبراهيم كان أهل للمنزلة العالية الي ربنا إدهاله , فكان قـد الإختبار , ورغم حبه الشديــد لإبنه اسماعيل إلا إنه فضّل إتباع أمر ربنا وكان متأكد إن في حكمة هو مايعرفهاش
هو كان أخد القرار بإتباع أمر ربنا خلاص , ومع ذلك ماحبش يبقى مُتسلّط أو ديكتاتوري ويقول لابنه الامر على طول
فـ قبل أي حاجة راح سيدنا إبراهيم لسيدنا إسماعيل وأخد رأيه وسأله (إني أرى في المنام اني أذبحك فأنظر ماذا ترى)
سيدنا إسماعيل كان نبي ابن نبي فـ رغم صغر سنه إلا انه كان مؤمن بالله إيمان صادق يخليه يتقبّل أي أمر إلاهي وهو كله ثقة برحمة وحكمة ربنا من غير حتى ما يسأل [زي ماعملت أمه هاجر من قبله , و زي ما بيعمل أبوه إبراهيم]
فكان رد إسماعيل ( يا أبتِ إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) .. [آية 102 : سورة الصافات]
(فلما أسلما) سلّموا أمرهم لربنا وسلّموا بحكمته و رضيوا بأمره وقالوا أشهد أن لا إله إلا الله فقالها سيدنا إبراهيم لأنه هيدبح , وقالها سيدنا إسماعيل لأنه هيموت ..
(وتله للجبين) يعني حط راسه ناحية الأرض علشان مايشوفش شكله وهو بيتدبح
فـ قبل ما ينفذ , ربنا بقدرته نزّل خروف من السما وحطه مكان سيدنا إسماعيل , فذبحه سيدنا إبراهيم وكان الخروف فداء
ربنا نادى خليله وقاله انت نفذت أمري وصدقت الرؤيا ! الرؤيا مش الوحي ! دا لو حد غيرك كان قال لا دا مجرد منام خليني أستنى لحد ما يجيلي الوحي ساعتها يبقى أمر إلاهي صريح .. إنما من كتر ماهو نبي ربّاني مابيتأخرش في أي أوامر وبيصدق أي حاجة تيجي من عند ربنا كان تصرفه انه كان مستعد يضحي بإبنه الوحيد قربة لله عز وجل من مجرد رؤيا
ربنا قاله ده كان إختبار وانت نجحت فيه , فـ هردلك إبنك سليم معافى وأفديه بخروف عشان تكمل تضحيتك لوجه الله ويكون الخروف فدو عن حياته (وفديناه بذبحٍ عظيم) .. [آية 107 : سورة الصافات]
[ ومن هنا شُرعت لنا أضحية عيد الأضحى]
_
تعدّي السنين وسيدنا إسماعيل يكبر والناس تحبّه ويعلّموه العربية - فيكون بكده أول من نطق بالعربية المبيِّنة -
في السنين دي ستنا هاجر إتوفت وهو إتجوز .
_
ويجي بعدها سيدنا إبراهيم يطّمن على ابنه .. فمايلاقيهوش في البيت .. يسأل مراته أخباركوا ايه وعايشين ازاي , فتقوله احنا في شدّة وفقر وتشكيله الحال .. فيوصيها انها تقول لجوزها لما يرجع " غيّر عتبة بابك"
يرجع سيدنا إسماعيل وتحكيله مراته الي حصل وتقوله الوصية .. فيفهم ان الراجل ده هو أبوه , ويطلع معنى الوصية انه يطلق مراته
فيطلقها ويتجوز واحدة تانية .. وبعد سنين يجي تاني سيدنا ابراهيم يطّمن عليه .. وبردو مايلاقيهوش .. فـ مراته تقوله اتفضل كُل حاجة او اشرب حاجة .. فيسألها "وما طعامكم وما شرابكم؟" .. فتقوله " طعامنا اللحم وشرابنا الماء" .. فيسألها عن حالهم واخبار العيشة .. فتقولو بخير وفضل ونعمة وتُشكر ربنا وتُثني عليه
فيوصيها تقول لجوزها لما يرجع " أمسك عليك عتبة بابك"
وطبعاً بقينا عارفين الباقي .. نفس الي حصل المرة الي فاتت بس المرادي هيتمسك بمراته
المهم بعد فترة زمنية تانية سيدنا ابراهيم راح تاني لابنه .. فلاقاه قاعد تحت شجرة جنب زمزم .. سلموا على بعض وفرحوا ببعض , وبعدها قال سيدنا إبراهيم "أتعينني؟ إن الله أمرني أن أبنيَ ها هنا بيتاً " .. فقال اسماعيل : " أعينك , فاصنع ما أمرك ربك "
فـ بنوا هما الاتنين الكعبة


من ساعتها وولاية مكة والبيت الحرام لإسماعيل ثم لذريته .. وانتشرت ذريته ف الحجاز وفضلوا على دين الاسلام لحااااد ما طلع منهم عمرو بن لُحيّ .. فإبتدع الشرك وغيّر الدين..
• ومن ذرية سيدنا إسماعيل يجي النبي محمد صلى الله عليه وسلم
_
نرجع مرجوعنا .. انتوا نسيتوا ستنا سارة الي ف الشام ولا ايه ؟!
دي بقى بعد ما سيدنا إبراهيم رجعلها ربنا بشّرهم بـ إسحاق
التبشير بإسحاق كان بيتضمن خبايا كتير , أولها إن إسحاق كان مكافئة وتعويض لسيدنا إبراهيم على إمتثاله لأمر الله في الشروع في ذبح ابنه اسماعيل
فـ ربنا مش بس نجّى إسماعيل , دا كمان بشّر إبراهيم بإسحاق ومن بعد إسحاق ابنه يعقوب , فـ تكرّم الله على سيدنا إبراهيم بـ إنه يشوف حفيده يعقوب كمان قبل ما يتوفى , فيطمن ان ربنا استجاب لدعوته وانه هيكونله ابناء واحفاد بيعقبوه في النبوة والخير والدعوة
تاني الخبايا كان طريقة التبشير ,, ربنا بعت لسيدنا إبراهيم ملايكة , على شكل بشر , إستقبلهم سيدنا إبراهيم كـ ضيوف وبعت يجبلهم أكل ويكرم ضيافتهم .. لكنهم مارضيوش ياكلوا فهو قلق منهم
فـ طمّنوه إنهم رُسل من ربه وإنهم جايين يبشروه بإسحاق
[الرسل دي بالمناسبة كانوا مُرسلين أصلا لـ قوم سيدنا لوط , كانت مهمتهم إيقاع العذاب على قوم سيدنا لوط , لكنهم في طريقهم لتأدية مهمتهم راحوا لسيدنا إبراهيم الأول عشان يبشروه بـ هدية ربنا ليه ]
( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ¤ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون ¤ فراغ إلى أهله فجاء بعجلٍ سمين ¤ فقرّبه إليهم قال ألا تأكلون ¤ فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم) .. [آية 24,25 ,26 ,27, 28 : سورة الذاريات ]
وقال تعالى في سورة هود (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكّرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخَف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) ..[آية 70]
_
ولدت ساره إسحاق وعاش ف الشام وكبر واتجوز وجاب ولدين :
يعقوب , عيص
• يعقوب هو إسرائيل .. و ذريته بنوا اسرائيل
ويُبعث فيهم بعد سنين سيدنا موسى , وبعديه سيدنا عيسى .. وكللللهم ف الاصل من ذرية سيدنا يعقوب بن إسحاق
• عيص ذريته الروم .. ايوووة الروم الي انت عارفها
_
وعشان كده سيدنا إبراهيم سُمي أبو الأنبياء , لأنه من ذريته باقي الأنبياء كلهم ..
• سيدنا إبراهيم ربنا سماه خليل الله ودي منزلة أكتر من الحب , ماحدش وصلها في خلق الله كلهم غير سيدنا محمد وسيدنا إبراهيم .. قال رسول الله : (إن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)
• سيدنا إبراهيم كان ثوابه عند ربنا كـ ثواب أمة بحالها .. (إن إبراهيم كان أمةً)
• قصة سيدنا ابراهيم ذكرت ف القرآن 59 مرة دا دليل على حب ربنا لسيدنا ابراهيم
• اول من يُكسى يوم القيامة هو سيدنا ابراهيم
• سيدنا ابراهيم الوحيد اللى بتؤمن بيه كل الاديان
• قال فيه ابن عباس : ما قام بدين الله كله إلا إبراهيم عليه السلام، قدم جسمه للنيران، وماله للضيفان، وولده للقربان
• قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن أولى بالشك من إبراهيم).قام أمر إبراهيم كله على اليقين، ما قام بأمر الله كله إلا إبراهيم.
• من جمال وكمال أدب سيدنا إبراهيم مع الله ,, ما يذكره الله في كتابه على لسان إبراهيم (الذي خلقني فهو يهدين ¤ والذي هو يطعمني ويسقين ¤ وإذا مرضت فهو يشفين) ..[ آية 78 ,79 ,80 :سورة الشعرآء]
فـ نلاقيه لما اتكلم عن الخلق والإطعام وهي حاجات جميلة , أنسبها لله وإنها نعم ربنا بيتفضل عليه بيها
إنما لما اتكلم عن المرض قال "إذا مرضت" ماقالش إذا أمرضني! .. فـ أنسب المرض لنفسه , ان هو الي مرض وان ربنا هو الي هيشفيه .. كمال الأدب مع الله ياجماعة


_
وفي الأول و في الاخر دي كلها اجتهادات العلماء في محاولة تفسير كتاب الله وربنا وحده الأعلى والأعلم بمايصيب ويخطئ منها قال تعالى "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا"


قصص الانبياء قصة سيدنا يوسف


سيدنا يوسف كان لسه طفل لما حلم بـ الشمس والقمر و 11 كوكب معاهم بيسجدوا ليه
الحلم دا كان رؤيا , بس هو كان لسه صغير على رؤيا عظيمة زي دي
راح لـ أبوه يعقوب علشان يحكيله الحلم ويسأله عن معناه , سيدنا يعقوب كان نبي وفوق كدا حكيم وفاهم , فكان من الطبيعي إنه يفهم إن دا مش مجرد حلم , وإن الرؤيا دي علامة مهمة بتأكد إن ابنه يوسف هيكونله مستقبل عظيم أو نبوة
فـ وصّاه إنه مايحكيش الرؤيا لـ أخواته , سيدنا يوسف سمع الكلام وماحكاش لإخواته حاجة , وأغلب الظن إنهم كانوا بيكرهوه لدرجة تخليه هو يخاف يحكيلهم حاجة ومايطمنش ليهم
أصل إخواته ماكنوش أشقاء , كانوا من أبوه بس .. سيدنا يعقوب كان متزوج واحدة جاب منها 10 أطفال , ومن بعدها إتزوج زوجة تانية جابتله يوسف وأخوه بنيامين
_
إجتمع اخواته الـ10 في يوم وقالوا لبعض احنا مجموعة قوية قادرين نجيب منفعة وقادرين نبعد ضرر
أبونا ملوش حق إنه يفضّل يوسف وأخوه علينا .. (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) ..[ آية 8 : سورة يوسف]
من كتر الحقد الشيطان قدر يقنعهم بـ إن حل مشكلتهم هو انه يقتلوا أخوهم يوسف , أو يرموه في مكان بعيد وساعتها هيموت لوحده (إقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاُ) .. [آية 9 : سورة يوسف]
وبكده أبوهم شوية وهينساه وهيبقى حبه كله ليهم (يخلُ لكم وجه أبيكم)
بعدها بقى يبقوا يتوبوا عن الي عملوه ويبقوا ناس كويسين! ( وتكونوا من بعده قوماً صالحين)
واحد منهم قلبه أشفق على يوسف , أو إستكبر فعل القتل فخاف منه , قالهم وعلى إيه نقتله , احنا نرميه في بير ميّة , أهو أي حد معدّي هيشفق عليه فياخده معاه ونبقى خلصنا منه وعملنا الي احنا عايزينه .. وافقوا على الفكرة وراحوا يكلموا أبوهم
قالوله احنا هناخد يوسف معانا يلعب شوية ويشم هوا , أهو يغيّر جو ونقضي وقت حلو معاه ونجيبه ونيجي , سيدنا يعقوب كان عارف انهم بيحقدوا عليه وقلبه كان حاسس انهم ممكن يعملوا فيه حاجة , فـ رفض , قالوله معقول يكون يوسف اخونا وتخاف عليه وهو معانا!
عاتبوه وحاولوا يستلطفوه عشان يوصلوا للي هما عايزينه .. فـ رد عليهم إنه مش عدم إستئمان ليهم , بس هو مابيستحملش يوسف يبعد عنه , ده غير انه بيخاف عليه من الذئاب .. ممكن تعمل فيه حاجة وهما مش واخدين بالهم منه .. (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ) .. [آية 13 : سورة يوسف]
قالوله معقول بردو! داحنا 10 رجالة جامدين و مركزين , معقول اخونا يحصله حاجة واحنا موجودين ؟!
داحنا مانبقاش رجالة ونكون من الخاسرين
وافق سيدنا يعقوب تحت الضغط والإلحاح , عشان تتحقق المشيئة الإلاهية و تبتدي مسيرة "أحسن القصص"
_
اخواته أخدوه للصحرا وإختاروا بئر بيعدّي عليه ناس كتير , رموه في البير زي مااتفقوا ,, واخدوا القميص الي كان لابسه , دبحوا حيوان [يُقال إنه أرنب] واخدوا الدم بتاعه غرقوا بيه القميص
راحوا لأبوهم متأثرين اوي وبيعيطوا ,, قالوله داحنا كنا بنتسابق وسيبناه جنب الحاجة بتاعتنا , جيه ديب على غفلة و أكله
‏‎frown‎‏ رمز تعبيري
.. بس انت مش هتصدقنا حتى لو كنا بنقول الحقيقة ! (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) .. [آية 17 : سورة يوسف]
حقدهم عماهم عن إحكام الكدبة , ماهم لو مركزين ماكانوش عملوا كده من أول مرة يسمحلهم أبوهم بإنهم ياخدوه معاهم .. علشان يطمّنلهم على الأقل ويقدر يصدق انه كان غصب عنهم , بس هما كانوا مستعجلين انهم يخلصوا من يوسف , كانوا خايفين الفرصة ماتتكررش ومايعرفوش ياخدوه بعيد عن ابوه تاني , ده غير إن إستعجالهم خلاهم يستعملوا نفس الحاجة الي أبوهم كان لسه محذرهم منها! , وفوق كدا يُقال إنهم نسيوا يقطعوا القميص ! أخدوه زي ماهو كدا وغرقوه دم وخلاص ..
فـ بطبيعة الحال سيدنا يعقوب ماصدقش الكلام , اخد منهم القميص حطه على وشه وقعد يبكي بحرقة على ابنه الي مايعرفش حصله ايه , قالهم إن نفسهم الأمارة بالسوء هي الي حللت ليهم الحرام وزيّنتلهم الخبيث وأقنعتهم ان الي عملوه هيعدي على ابوهم بالساهل وانه هينسى ويصبر , فإستعان بالله عشان يصبّروا عليهم وعلى غلطتهم الكبيرة ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) .. [آية 18 : سورة يوسف]
_
سيدنا يوسف قعد شوية في البير لحد ما عدّت عليه قافلة كبييرة رايحة مصر , قافلة من كتر ما مشيت ربنا سماها "سيّارة" .. [من كثرة السير] .. حد منهم نزّل الدلو للبير عشان يجيب ميّة , سيدنا يوسف إتمسك بالدلو علشان يطلع معاه لما يسحبوه , الناس لاقوا الدلو تِقل فـ إفتكروه إتملى ميّة , سحبوه , لاقوا طفل , فـ بقى ملكهم زيه زي أي حاجة اي حد بيلاقيها , الي لقاه فرح بيه في الاول , وبعدها فكر في مسؤوليته وانه هيشيل همه وبعدين دا لسه صغير مايقدرش يعينه على حاجة , فـ زهد فيه , اخده كـ عبد وقال أول ما اوصل مصر هبيعه في سوق العبيد
فـ إشتراه راجل - شكله مهم- بمبلغ زهيد
_
الراجل الي اشترى يوسف كان شكله مهم , أغلب الظن إنه وزير من وزراء مصر , سمآه القرآن "العزيز" ويُقال إن أهل مصر زمان كانوا بيطلقوا الصفات على الوزراء حسب مكانتهم , فـ تلاقي العزيز والعادل والقوي وغيره
وأرجح الآراء إن العزيز دا كان رئيس الوزراء
ربنا زرع محبة يوسف في قلب العزيز فـ ما اتخذوش كـ عبد , بالعكس دا قال لمراته خدي بالك منه خلينا نربيه يمكن يبقى سند لينا لما يكبر او يبقى زي ابننا .. طبعا زوجة العزيز ماكنتش محتاجة تربي يوسف بنفسها , هما في قصر فيه خدم وحشم فكان من السهل إنه يتربى وسطهم , لكن الفكرة إن العزيز نزهه عن منزلة العبودية
_
سيدنا يوسف كان أجمل الناس في زمانه
وفوق كدا كان صفاء قلبه ونقاؤه الداخلي بيزيد وشه نور وجمال
ده غير انه كان بيحكم على الأمور صح , عاقل ومنطقي وكلامه موزون , عنده أسلوب في الحوار يخلّيه كل ما يتكلم لازم الناس تسمعله وترتاح لكلامه وتقتنع بيه , نبيل وعفيف لدرجة انه بقى شخصية انسانية متكاملة ماتتقاومش , أي حد يشوفها لازم يُعجب بيها

العزيز مع عِشرة يوسف عرف انه شخص شهم وأمين يُعتمد عليه , فـ علّى شأنه وخلاه مسؤول عن بيته وأكرمه وعامله زي ابنه
_
إبتدا الإبتلاء التاني من حياة سيدنا يوسف , المرادي الابتلاء كان أصعب وأشد
زوجة العزيز الي أكرمه ورباه وعاش في بيته كل السنين دي , عجبها سيدنا يوسف , جماله وكمال انسانيته خلتها تحاول تفتنه وتبقى عايزاه في الحرام
[أغلب الظن ان الست دي لما يوسف جيه البيت وهو لسه صغير كانت هي في العشرينات وهو حوالي 12 سنة مثلا
فـ لما كبر وابتدت تبان شخصيته وابتدا يكتمل جماله ووسامته بقت هي في التلاتينات وهو في العشرينات , فـ بقى هو في عز شبابه وهي في عز نضجها .. طبعاً الأرقام دي تقديرية , الله أعلم بالصواب لكن الغرض تقريب الفكرة مش أكتر ]
جت في يوم قفلت الباب عليهم هما الاتنين وقالتله مش هتهرب مني المرادي (هيت لك)
كلمتها دي تبيّن انه كان في مرات قبل كدا بقى , وفي كل مرة كان بيهرب منها او بيتجاهل تلميحاتها الجريئة
ده الي خلاها زهقت من التلميحات وتجاوزت التلميح للتصريح , فـ وصلت لقمة البجاحة وصارحته بحبها وحاولت تغريه بالقرب منها لعله المرادي مايهربش
قالها أستعيذ بالله إني أخون الراجل الي رباني ونجّاني من العبودية وأحسن تربيتي وجعلّي مكانة
فـ زادت في الإغراء وقربت منه وحاولت تنفذ الي هي عايزاه (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) .. [آية 24 : سورة يوسف]
إتفق المفسرون على إنها همّت بالمعصية, وإختلفوا على هو هـمّ بإيه ؟
• في أقاويل إن الي منعه كان ظهور سيدنا يعقوب او جبريل قدامه فإفتكر ربنا وفاق وابتعد .. [ودي إسرائليات بعيدة شوية عن التصديق وفيها تهمة تلفيق]
• قيل إنه همّ بيها يعني حاول يضربها
• وقيل إنه همّ بالمعصية بس ماعملهاش , همّ بالمعصية "يعني مجرد نية" لأنه راجل مكتمل الرجولة وزيه زي أي راجل بتتحرك مشاعره لإغراء عظيم زي ده , لكنه ماعملهاش لأنه حط ربنا قدام عينه وإفتكر إنه بكده هيكون عمل ذنب كبير يتسببله في غضب ربنا عليه
• ويُقال إنه لولا انه عرف وأيقن ساعتها إن ده ابتلاء من ربنا كان ممكن يهمّ بيها بالمعصية .. وفي الحالة دي هيكون المقصود بـ( أن رأى برهان ربه) يعني عرف انه في ابتلاء
ولو فكرنا فيها هنلاقي ان أحد التفسيرين الآخرانيين هو الأكثر منطقية ,, لأن ربنا بيقول لإبليس (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) .. وإبليس نفسه معترف (إلا عبادك منهم المخلَصين)
وسيدنا يوسف كان من المخلَصين! .. (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) .. [آية 24 : سورة يوسف]
بمعنى إن الشيطان أصلا مايقدرش يغوي يوسف ويقنعه بالمعصية .. بس مش معنى كدا ان سيدنا يوسف معندوش مشاعر رجولة ممكن تميل لإغراء زي دا
بالعكس ..دا إتعرّض لإغراء طويل بتلميحات وتصريحات من واحدة ذات منصب وجمال وقاوم كل ده وكان كل شوية يغلب نفسه الأمارة بالسوء ويوثّق اليقين جوا قلبه ويصبّر نفسه بإن ده إبتلاء من ربنا ولازم يصبر ويبعد عن أي حاجة تغضب الله

سيدنا يوسف حَب يخلص من الموقف قبل ما يتطور أكتر , فـ جري ناحية الباب بيحاول يهرب منها ومن اغرائتها
لكنها ماسكتتش , مسكت قميصه وحاولت تشده ناحيتها تاني , فـ إتقطع القميص في ايديها من كتر هول الموقف والشد من الطرفين
في اللحظة دي دخل العزيز! .. مكر النساء إقتضى انها تبعد عن نفسها التهمة فوراً وتلزقها في سيدنا يوسف
قالت لجوزها تعمل إيه في اللي يحاول ينتهك حرمة بيتك ويتعدى على زوجتك!
فـ إقترحت فوراً العقاب السريع المأمون الي يبعده عن القتل بس يربيه ويخليه ماينطقش بكلمة من الي حصل
قالت لازم تسجنه أو تعذبه عشان يبقى عبرة لغيره
سيدنا يوسف ما سكتش , دافع عن نفسه وحاول يقول الي حصل , قال هي الي راودتني عن نفسي وحاولت تغويني
القرآن ما ذكرش رد جوزها كان إيه , لكنه انتقل على طول لمشهد البراءة

إحتكموا لواحد من أهل البيت [ يُقال راجل عجوز] قالهم إحنا نشوف قميصه إتقطع من فين , لو كان إتقطع من قدام يبقى هي الي كانت بتحاول تبعده عنها , معنى كدا ان كلامها هي الي صح وهو الي إعتدى عليها
إنما لو كان إتقطع من ورا يبقى هي الي كانت بتشده من ظهره وإتقطع , ومعنى كدا انه كان بيحاول يبعد ناحية الباب وفي الحالة دي يبقى كلامه هو الي صح
فـ ظهر الحق وربنا أثبت برائته عن طريق حد من أهلها هي!
(فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) .. [آية 28 : يوسف]
إتأكد الزوج من خيانة زوجته , لكنه ما اتعصبش ولا اتنرفز ولا ضرب , ماعملش أي حاجة , أصل عادات وقيَم الطبقة الراقية الي هو كان من ضمنها [ بما إنه كان وزير أو في العموم من كُبراء القوم] , أجبرته على الإلتزام بالسكوت عشان الموضوع يعدّي وماتبقاش فضيحة , فأخد الموضوع بـ لباقة لدرجة انه اتهم كيد النساء -عموماً- إن هو السبب في كل دا , وإكتفى بـ إنه قالها استغفري لذنبك
إلتفت ليوسف وقاله سيبك من الموضوع دا كأنه ماحصلش (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) , اه ماهو دي اهتماماتهم في الطبقة دي , المحافظة على الظواهر وإهمال الحاجات البسيطة دي


قفّل العزيز على الموضوع وطلب منهم انهم ينسوه من غير حتى ما يفصل بين زوجته وبين يوسف , وإتهيأله إن كدا الموضوع هيموت ويتنسي ولا من شاف ولا من دِري
لكن كان الوضع أصعب من كدا بكتير , ماهو قصر مليان خدم وخادمات ومستشارين و وصيفات!
إبتدا الخبر ينتشر , وتناقلوه الخدم والخادمات لحد ماوصل للقصور المجاورة , فـ كان فضيحة مُسلية لستات الطبقة الراقية , ابتدوا يتكلموا عن زوجة العزيز ويقولوا شوفتي الي حصل! دي مفتونة بيه لدرجة انها عرضت نفسها عليه !
الكلام كِتر وانتشر لحد ما وصل لزوجة العزيز إن الستات في المدينة بيتكلموا عنها كدا
ماسكتتش .. ابتدا مكر النساء يشتغل تاني وقالت هخليهم يندموا على الي قالوه وأثبتلهم اني معذورة في حب يوسف
أمرت بـ إعداد عزومة كبيــرة وفخمة , جهزت المكان ووضبت القعدة وحطت جنب كل مقعد سكينة حادة
عزمت كل الستات الي اتكلموا عليها ..و في عز ماهما مشغولين بتقطيع اللحمة , نادت سيدنا يوسف وقالتله ادخل عليهم
دخل سيدنا يوسف فـ أول ما شافوه إندهشوا من وسامته فـ من غير ماياخدوا بالهم جرحوا ايديهم بالسكاكين الي ماسكينها , قالوا إستحالة يكون دا إنسان دا أكيد ملك مكرّم
[وكلمة ملك بتوضّح إنهم كان واصلهم او متسرّبلهم شوية حاجات من ديانات التوحيد , وإلا كانوا هيعرفوا الملايكة منين]
زوجة العزيز حست بالإنتصار والتشّفي فيهم بعد ردة فعلهم دي , فـ إبتدت تتكلم من غير اي خجل قدام ستات زيها , تتفاخر قدامهم إنها هي الي يوسف في بيتها , وصحيح إنه رفضها في المرة الأولى لكن دا مايمنعش انها هتحاول تاني وتالت .. يا إما يوافق يا إما هتتسبب في سجنه
الستات دول ماوقفوش عند الانبهار والانفتان بيه وبس , دول بقوا عايزين يغووه هما كمان , سواء كان اغراء بالكلام او بالحركات او حتى النظرات , وده عرفناه من حاجتين :
• إنه لما دعا ربنا قال (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) .. يدعونني مش تدعوني , واضح ان الاغواء كان من ستات كتير مش بس من امرأة العزيز
• قدام شوية في القصة هنشوف ان الملك سأل (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِه) .. راودتن مش راودتي , فـ دل ده بردو ان المعزومات حاولوا يستخلصوه لنفسهم

في عز كل الاغراءات دي وتمسّك سيدنا يوسف بالعفة , كان الموضوع كل شوية بيبقى أصعب , كل شوية الاغراءات بتبقى اكتر وهو راجل في الاول وفي الاخر ودول ستات طبقة رفيعة فعندهم من المال والجمال الي يغري اي حد , ده غير انهم بيهددوه بالسجن او الايذاء لو ماسمعش كلامهم
هنا لجأ سيدنا يوسف لـ ربنا , ما إغترّش بـ عفته وانه قدر يعصم نفسه عن المعصية كل دا , ماقالش هعرف اتحكم بنفسي , هو كان عارف انه بشر ومفيش حد معصوم من الغلط
قاله يارب السجن أحب على قلبي من اني أنفذ الي بيطلبوه , بس انا خايف لو ما حَمتنيش منهم وبعدتهم عني أضعف قدام الاغراء المستمر دا وأعصاك . (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) .. [آية 33 : سورة يوسف]
إستجاب ربنا لـ عبده الصادق , حماه منهم وبعد كيدهم عنه ..
• إما بإدخال اليأس على قلوب الستات وانهم قالوا خلاص دا مستحيل يستجيب
• أو بتثبيت سيدنا يوسف أكتر وتطمين قلبه وإبعاد الشهوات عن نفسه فبقى قادر يستحمل أكتر
• أو بالحاجتين مع بعض
_
كبراء الطبقة الراقية -وعلى رأسهم العزيز- ماقدروش يستحملوا الفضايح الي عمالة تحصل بسبب سيدنا يوسف ,, فـ اخدوا قرار انهم لازم يبعدوه , بإنهم يسجنوه
( ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) .. [ آية 35 : سورة يوسف]
دخل سيدنا يوسف السجن ظلم من غير محاكمة , بس كان داخل ثابت راضي , أقرب للفرح منه للجزع , لإنه خِلص من فتنة زوجة العزيز والي معاها , السجن كان بالنسباله مكان هادي يقدر يفكر فيه ف ربنا ويكلمه , يتأمل ويتفكّر ويدعو السجناء لدين الله بالعقل والاقناع والمنطق والاسلوب الليّن السلس
إبتدا المسجونين يرتاحوله ويتوسمه فيه الخير , بقت سمعته في السجن كويسة والناس كلها بتثق فيه وبتحبه ..
وفي يوم جاله اتنين مساجين , حلموا بأحلام غريبة فـ كان هو أنسب واحد يقدروا يثقوا فيه عشان يفسرلهم الاحلام دي
سيدنا يوسف طمنهم انه هيقدر يفسرهالهم , قالهم مافيش حاجة تشوفوها في المنام غير وهتلاقوني بفسرهالكم قبل ما تتحقق في اليقظة.. وقيل إنه ربط معاد التفسير بإنهم قبل مايجيلهم الغداء او العشاء بتاع السجن هيكون فسّرلهم رؤياهم .. (قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا)
أصل ربنا أنعم عليا بالقدرة على تفسير الرؤى , كـ نعمة من ضمن نعم كتير ليا ولأبويا وأجدادي كرم من ربنا علينا عشان عبدناه بإخلاص من غير شركاء .. (ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ¤ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ) .. [آية 37 ,38 : سورة يوسف]
فـ بكده قدر يكسب عندهم نقطتين , منه طمنهم انهم يثقوا فيه وفي تفسيره , ومنه حببهم في دينه
فسّرلهم الرؤيا بإن واحد منهم هيتصلب ويموت والتاني هيعيش ويطلع براءة
بس ماحبش يحدد مين الي هيموت ومين الي هيعيش رأفةً بيهم
الحكاية إن الاتنين دول كانوا شغالين في قصر الملك , واحد منهم طباخ والتاني مسؤول عن السقاية
كانت تهمتهم انهم سمموا الملك , وكان هيتحكم في أمرهم فينجو أحدهم ويموت الاخر عن طريق الصلب لحد ما الطيور تاكله
سيدنا يوسف بعد التفسير وصّاهم إن الي يعيش منهم ويرجع القصر الملكي يبقى يجيب سيرته للملك ويحكيله عن حاله وإنه مسجون ظلم جايز الملك يرأف بحاله ويتأكد من مظلوميته فيصدر امر بالعفو عنه
لكن الراجل الي عاش ورجع القصر نسي , إتلهى في حياة القصر ومشاغل الدنيا ونسي السجن والي فيه
فـ فضل سيدنا يوسف كام سنة كمان في السجن .. (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ..[آية 42 : يوسف]

وكأن ربنا كان حابب يعرّفه ان اللجوء لغيره مش هيفيده , كان حابب يفكّره ان هو وحده الي نجاه من البئر ومن بعدها من النساء وهو وحده بردو القادر ينجّيه من كرب السجن
فـ يُحكى إن جبريل نزل على سيدنا يوسف في السجن وقاله : يا يوسف من نجّاك من إخوتك؟ قال: الله. قال: من أنقذك من الجب؟ قال: الله. قال: من حررك بعد أن صرت عبدا؟ قال: الله. قال: من عصمك من النساء؟ قال: الله. قال: فعلام تطلب النجاة من غيره؟

بس ده بحد ذاته كان كرم من ربنا , إنه ماخلاش لحد الفضل عليه , ماخلاش نجاته في إيد حد غير ربه , عصمه من الاحتياج للناس وتفرّد بالإحتياج لله وحده
_
بعد سنين , في قصر الملك , كان الملك قاعد وسط الحاشية بتاعته بيحكيلهم حلم شافه وحاسس انه رؤيا وعايز الي يفسرها (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) .. [آية 43 : سورة يوسف]
الحاشية مافسروهاش , جايز لأنهم ماكانوش عارفين , وجايز لأنهم كانوا حاسين ان تفسيرها وحش فماحبوش التفسير يجي من عندهم , الي حوالين الملوك في العموم بيبقوا مجموعة متملقة , او جبانة بتخاف تعارض الملك او تقوله حاجة تدايقه فيغضب عليهم ..
قالوله الحلم ده مجموعة احلام مختلطة ببعض فملهاش تفسير محدد .. الملك ماقتنعش و إضطر يدّور على حد من برا يكون بيفهم في تفسير الرؤى علشان دي رؤيا مهمة والظاهر انها كانت بتتكرر على الملك كتير
هنا واحد من الحاشية كان السجين الي كان مع سيدنا يوسف , إفتكر الحلم بتاعه وان يوسف فسّرهوله صح , وإفتكر كل الصفات الحلوة والحسنة الي كانت في يوسف وانه محل ثقة , فقال للملك مفيش حد هيفسرهولك غير يوسف
الملك بعت السجين ده لسيدنا يوسف في السجن , حكاله الحلم وطلب تفسيره
سيدنا يوسف ما ساومش التفسير بالخروج , ماقالهمش مش هفسرلكم غير لو خرجتوني , ولا فكّر بإن هما دول الحُكام الظالمين الي كانوا سبب في سجنه طول السنين دي
بالعكس بادر فوراً بإنقاذهم وفسّرهولهم , قالهم المعنى , و ما إكتفاش بالتفسير دا كمان قدّم حلول
قالهم مصر هيجي عليها 7 سنوات هيبقى فيهم المحاصيل كتير والخير وفير , لكن إوعوا تسرفوا , عشان بعدهم هيجي 7 سنين صعبين يقلّ فيهم الخير وتنعدم فيهم المحاصيل
الحل إنكم في الـ7 سنين الأولانيين تاكلوا على قدكم من غير اسراف , وتسيبوا الي ما استعملتهوش من المحصول زي ماهو في السنابل بتاعته علشان لو قشرتوه هيبوظ او هياكله السوس
كده انتهت رؤيا الملك , بس ما انتهاش تفسير يوسف , زاد على الرؤيا الي شافها الملك حاجة كمان هو ماشافهاش , بشّره انه هيجي عليه سنة فيها خير كتيييييير , تكتر فيه الزرع والميّة , تكبر فيه المحاصيل الزراعية لدرجة انهم يقدروا يعصروا السمسم والزيتون وياخدوا منهم زيوتهم .. وما إلى ذلك
ده كان علم خاص ربنا إختص بيه سيدنا يوسف , بُشرى يبشرّها الملك علشان لما تتحقق يكون لسيدنا يوسف مكانته الي يستحقها ويكرّموه من بعد الظلم و الاهانة
_
رآح الخادم للملك وحكاله الي قاله يوسف , إندهش الملك أوي ! إيه المسجون دا ! بيفسّر ويتوقع الي هيحصل ويوجههم للعلاج كمان من غير حتى ما يطلب أجر او مكافئة او على الاقل إخراجه من السجن!
امر الملك بإنهم يجيبوا يوسف , راحوا رُسل الملك ليوسف في السجن عشان يجيبوه , رفض , قالهم مش هطلع من هنا غير لما برائتي تظهر , ساعتها بس هطلع وانا رافع راسي , ارجعوا للملك واسألوه إيه حكاية الستات الي جرحوا ايديهم بسببي , خلّوه يحقق من جديد في الموضوع , ولما يعرف اني بريئ هطلع .. (ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة الاتي قطعن أيديهن) .. [ آية 50 :سورة يوسف]
سيدنا يوسف كان فهم الدرس الي ربنا حب يعلمهوله ,فإطمئن قلبه بوجود ربه جنبه , ومابقاش فارق معاه وجوده في السجن من عدمه , مش مهم يخرج إمتى المهم انه لما يخرج يخرج بشرف رافع راسه , من غير ماحد يتمنن عليه بالإعفاء عنه بدون إثبات برائته!
رجعوا الرُسل للملك وقالوله الي حصل , بعت يجيب نساء الطبقة الراقية عشان يسألهم عن القصة من جديد , حب يعرف ايه التفاصيل قبل ما يدّي حكم في الموضوع , قالوله حاشا لله ماشوفناش منه اي حاجة وحشة , (قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ).
هنا نطقت زوجة العزيز , بعد كل المحاولات اليائسة الي حاولتها فقدت الامل منه لكنها لسه متعلقة بيه , ربنا أظهر الحق بإعترافها هي على نفسها , قالت يوسف كان صادق انا الي حاولت اغويه (أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)
اعتراف كامل وصريح بدون اي ضغوط او خوف , من اسباب الاعتراف ده انها حبت تحسّن صورتها في عين الراجل الي أهان كبريائها ورفضها مرات كتير , كانت بتحاول تقوله انا مش وحشة للدرجادي , بتحاول تخليه يحترمها ويصحح فكرته عنها , (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) .. قالوا إن جايز يكون المقصود هو جوزها , عشان يعرف إنها بإعترافها إنها راودت يوسف عن نفسه كانت مجرد نيّة لكن مااتحولتش لفعل , فهي ماحصلش منها فعل الخيانة لجوزها
وقيل لأ دي كان قصدها يوسف , عشان يعرف إني ماخونتوش في غيابه وإني اعترفت بإنه بريئ رغم عدم وجوده
تبتدي تأكد كل الي حصل فعلا والي كان بيقوله يوسف وهي اتأكدت منه بعد كل الي جرى (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)
(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ). .. الآيات دي وخصوصاُ الآية الاخيرة بتوحي انها اعتنقت دين يوسف! .. سجن يوسف كان نقلة كبيرة في حياتها
علمها درس كبير وخلاها تؤمن بربه الي مخلّيه صابر ومطمّن وهادي رغم مروره بكل الابتلاءات دي
فكان سجن سيدنا يوسف هو خير ليه وليها , وطريق وصلّه للمُلك

صدر الأمر الملكي بالعفو عن سيدنا يوسف
لما الملك شاف كل ده عرف انه قدام راجل كريم , مابيسعاش لملك , عالم , صادق , صابر , أمين , فـ طلبه يجي عنده , مش عشان يشكره ويثني عليه , إنما كان غرضه أكبر من كدا .. كان عايزه يبقى مستشار ليه ..
كان رد سيدنا يوسف رد غير متملق وغير مهتم بالسلطة , إنما اهتمامه كان بالمسؤولية , فـ وضّح للملك الحاجات الي يقدر يشيل مسؤوليتها في الازمة الجاية , وطلب منه انه يوّكلها ليه من غير زيادة او نقصان علشان يبقى قد الأمانة
الملك إنبهر! .. هو الي متعود دايما على المتملقين , الي بيكون رد فعلهم الاول هو الفرحة العارمة و الشكر العظيم للملك , داحنا خدامينك وتحت امرك! .. كان الملك أول مرة يشوف حد بالأمانة دي
لما سيدنا يوسف شاف إقتناع الملك زاد بيه , إبتدا يتشجع أكتر انه ياخد مسؤولية الموضوع من غير ما يخاف من ان الملك يفتكره طمعان .. قال (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).
ماكنش الغرض هنا هو الطمع , بالعكس دا مُتحمّل مسؤولية إطعام شعوب هتجوع لمدة 7 سنين , والشعب لو جاع قادر إنه يقتل الحُكام .. الموضوع كان حقيقي تضيحة من سيدنا يوسف
مسؤولية كبيرة ومش اي حد يقدر يتحملها , ولا أي حد يقدر يديرها إدارة حسنة
وبـ كده يكون ربنا حوّل حاله من السجن والظلم والاهانة , لـ المُلك والعز والكرامة
_
7 سنين عدّت كانوا رخاء زي ما سيدنا يوسف فسّرهم , إبتدينا ندخل في الـ7 العجاف وإبتدا القرآن يوصف الحال
الملحوظ في المشهد دا إن القرآن ماجبش سيرة أي حد من الوزراء , ولا حتى الملك ذات نفسه , هو سيدنا يوسف وبس , كان كل الكلام عليه , كل الأمر بإيديه , زي مايكون بقى الكل في الكل وإرتقى لحد ما بقت صلاحياته تشمل إدارة كل حاجة والتحكم فيها ..
أما عن إظهار المجاعة والـ7 سنين عجاف , فـ القرآن وضّحها في موقف إخوة يوسف , ماهم جايين من البدو , من فلسطين ودي بلد بعيدة عن مصر , جايين المسافة دي كلها بيدّوروا على أكل ورزق
ومن هنا يبان لنا إن المجاعة الي حلم بيها الملك ماكانتش بس على مصر , دي كانت رؤيا متسعة تشمل كل البلدان الي في المنطقة ,, ماهو منطقي بردو .. أصل المطر مش هينقطع والأحوال الجوية تسوء لدرجة انها تتسبب في مجاعة وفي الاخر يكون كل دا محلّي على بلد واحدة
طبيعي إن الأذى يشمل المنطقة الجغرافية المحيطة كلها
وهنا نقدر نلاحظ قد ايه سيدنا يوسف أحسن إدارة مصر وكان أمين على مواردها وحكيم في التصرف فيها لدرجة انها بقت هي البلد الوحيدة الي فيها غذاء ورخاء في وقت كله شدة , ده الي يخلي الناس من البلدان المحيطة تسافر مسافات طويلة عشان توصل لمصر وتدور على رزق فيها , زي ما كان حال اخوة يوسف
_
دخل الاخوة على سيدنا يوسف , هو قدر يعرفهم ماهم كانوا كبار لما رموه , فشكلهم ماتغيرش كتير
إنما هما كان من الصعب جدا يعرفوه أصله كبر وشكله اكيد اتغير كتير, ثم إن مين الي يجي في خياله ان الطفل الي اترمى في البير من سنين يكون دلوقتي أشبه بالحاكم على أرض غنية وهما قدامه زي الشحاتين.. (فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ) .. [آية 58 : سورة يوسف]
هو صحيح ماعرّفهمش بنفسه , لكنه أكرمهم وإدالهم البضاعة الي كانوا طالبينها , طريقة شراء البضاعة كانت بإنهم جايبين معاهم شوية حاجات كدا [ نقود على جلود على محاصيل صحراوية ] يعملوا مقايضة بيهم , فيستبدلوا الحاجات دي بالقمح والعلف والخيرات الي في مصر
من الواضح إن سيدنا يوسف تودد ليهم لحد ما ارتاحوله وحكوله ان ليهم أخ من أبوهم , مش شقيق , ماجاش معاهم عشان أبوه بيخاف عليه ومابيقدرش على بعده ..
فـ طلب منهم إنهم يجيبوه ويجوا تاني وساعتها هيديهم بضاعة قد الي اخدوها تاني .. (قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ).
فـ كان طبيعي يصدقوه ماهم شايفين هو قد ايه كريم على الي بينزلوا عنده , موثوق فيه وأمين , مابيبخلش على حد ومدام وعدهم يبقى هيفي بالوعد وهيكرمهم هما وأخوهم لما يرجعوا تاني .. (أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِين )
ولإنهم عارفين انه صعب جدا أبوهم يوافق ياخدوا معاهم أخوهم التاني بعد الي عملوه في يوسف , فـ كان ردهم على سيدنا يوسف بـ عدم التأكيد , الي هو إحنا هنحاول وهنعمل الي نقدر عليه عشان نقنع ابوه , لكن إحتمال ماننجحش (قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) .. وكلمة نراود دي بتوضّح حجم المشقّة الي كانوا عارفين انهم هيمروا بيها عشان يقنعوا أبوهم

قبل ما يمشوا سيدنا يوسف أمر الخدم يحطوا الحاجات الي هما كانوا جايبينها من الاول [ النقود والجلود والذي منه] .. رجّعها ليهم في الشنط بتاعتهم مع القمح والغلة الي أخدوها منه , والحركة دي عندهم دليل إنه مش عايز يبيع لهم , يعني هو إداهم المرادي كرماً منه لكنه مش عايز يتعامل معاهم تاني
أو قد يكون حب يحرجهم بإنهم لما يرجعوا بلادهم ويلاقوا فلوسهم معاهم يضطروا يرجعوله تاني عشان يسددوا له ثمن الحاجة الي اخدوها
_
راح الإخوة لبلدهم , دخلوا على أبوهم وطلبوا منه أخوهم , قالوله لو مابعتهوش معانا يبقى عزيز مصر مش هيقايضنا بالطعام تاني , ورجعوا لنفس الوعد من جديد (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
كلامهم إستفز الأب وقلّب عليه المواجع , إفتكر يوسف الي قعد يعيط عليه لحد ما نظره ضعف او راح خالص , وضّح وأقرّ إنهم مش بيحفظوا حد وان ثقته في الله وحده هو القادر على حفظ أولاده وهو الرحيم بيهم
(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [ آية 64 : سورة يوسف]

راحوا الإخوة لشنطهم عشان يطلّعوا القمح والحاجة الي اخدوها من مصر , إتفاجئوا إن حاجتهم الي كانوا رايحين بيها [والي هي مفروض الثمن للي اخدوه] موجودة بردو !
رجعوا لأبوهم يستنجدوا .. قالوله احنا مش بنكدب عليك (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي) , دول ردوا الثمن الي اشترينا بيه , معنى كدا انهم مش هيبيعولنا غير واخونا معانا
فهّموه إن حبه الزايد لابنه بقى ضد مصلحتهم وتجارتهم واكل عيشهم , وإنه لازم يستأمنهم المرادي وهما بيوعدوه إنهم هيحفظوه أشد الحفظ
إستمر الحوار كتير لحد ما انتهى بإستسلام الأب للإلحاح من جديد
بس نصحهم مايدخلوش مصر من باب واحد وهما 11 نفر , أكدّ عليهم انهم يدخلوا من ابواب متفرقة عشان مايلفتوش الانتباه , أغلب الظن إنه كان خايف عليهم حد يحسدهم , أو يسرقهم .. القرآن ماوضحش النية الي في نفس سيدنا يعقوب
_
رآحوا الإخوة مع بنيامين , دخلوا مصر ووصلوا عند سيدنا يوسف .. وبعد الاستقبال إنفرد سيدنا يوسف بأخوه شوية لأي سببٍ كان , في الشوية دول طمّنه , قاله انا اخوك يوسف ماتخافش وماتزعلش من عمايلهم ( وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [ آية 69 : سورة يوسف]

كان عايز يحتفظ بأخوه ومايبعدش عنه تاني , وفي نفس الوقت كان محتاج طريقة يجيب أبوه يعقوب لحد مصر عشان يشوفه بعد الغيبة دي كلها
فـ عمل حركة ذكية ,اخد كأس ذهبي غالي كانوا بيستعملوه كـ معيار , أمر الخدم إنهم يحطوه في شنطة بنيامين
وقبل ما يمشوا من البلد إتقفلت الابواب وتم الإعلان عن سرقة كأس الملك الذهبي! (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)
كان الإتهام عام لكل القوافل الموجودة , وكان التفتيش كمان عام ..
إخوة يوسف قالوله إحنا ماجيناش لحد هنا علشان نسرق ونفسد في الارض! ..
ربنا ألهم سيدنا يوسف إنه يسألهم عن العقاب الي يختاروه للسارق لو كان منهم!
قالوله في قانوننا ان الي بيسرق بيبقى عبد للي سرقه .. وهنا لولا الإلهام الرباني الي خلاهم يحكموا على نفسهم ماكنش سيدنا يوسف هيقدر يحتفظ بأخوه , لأن القانون السائد في مصر ساعتها ان الي سرق بيتحبس مش بياخدوه عبد .. (كذلك كِدنا ليوسف ماكان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشآء الله) .. [آية 76 : سورة يوسف]

إبتدا بـ شنطهم كلهم وخلّى شنطة اخوه في الاخر , علشان مايبقاش فيه شك في نتيجة التفتيش ويكون فعلا عشوائي
لما وصل عند شنطة اخوه طلّع الكأس الذهبي منها ,, بقى أخوه هو المتهم وكان من حقه إنه ياخده كـ عبد عنده ومايخلهوش يروح معاهم .. وقد كان
الإخوة كانوا مرتاحين ان الكأس ماطلعتش في شنطة حد منهم , وقالوا يبعدوا عن نفسهم اللوم بـ إتهام الفرع التاني من اولاد يعقوب بإن طبعهم كدا , قالوا إن كان أخونا ده سرق فـ يوسف من قبله كان سارق , (قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)
[هما قالوا كده لإن سيدنا يوسف وقت مكان صغير قبل مايلقوه في البئر كانت عمته اللي هي اخت سيدنا يعقوب بتحب سيدنا يوسف ومتعلقه بيه جدا، فطلبت من سيدنا يعقوب ان سيدنا يوسف يفضل معاها في بيتها فتره ووافق سيدنا يعقوب انها تستضيفه فتره لكن مش بشكل دائم، ولما الفتره دي خلصت ومن كتر تعلقها بسيدنا يوسف مكانتش عايزه تسيبه، فاخترعت كذبه انه سرق من عندها شيء، يقال انه حزام ولفته على وسطه تحت هدومه، وده عشان يفضل معاها فتره اطول، وكان العرف عندهم ان اللي يتمسك بسرقته يُستعبد فترة من الزمن، وفعلا تحقق غرضها وقالت لسيدنا يعقوب ان ابنك سرقني ولازم تسيبه عندي شويه كمان. وهي دي الحادثه اللي اخوات سيدنا يوسف قالوا بسببها إن بنيامين ليه اخ سرق من قبل]

هما قالوا الكلمة دي عشان يثبتوا إن المشكلة في اولاد الزوجة التانية الي هما مش أشقاءهم , نوع من التشّفي وإلقاء اللوم على الاخرين .. ماصدقوا يلاقوا حاجة تأكدلهم احساسهم من الاول ان ابوهم كان غلطان لما فضّل الاتنين دول عنهم!
سيدنا يوسف سمع كلمتهم دي بـ ودانه وعز عليه إتهامهم ليه وحس بـ حزن بسبب كلامهم ده
قال بينه وبين نفسه (أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ) ..
دي ماكنتش شتيمة على قد ما كانت نوع من الإقرار بالحق , إنهم بكلامهم دا بقوا عند ربنا أكثر شراً من الي بيتهموه , لأنهم بيتهموا اتنين بريئين بالسرقة , وربنا وحده الي عارف حقيقة كلامهم وانه ماحصلش

بعد ما قالوا الي قالوه وإبتدوا يفوقوا من الحقد الي هما فيه , إفتكروا ابوهم يعقوب! دول كانوا واعدينوا ومأكدين عليه إنهم هيرجعوا بأخوهم .. ماينفعش المرادي كمان يخلفوا الوعد

فإبتدوا يستعطفوا سيدنا يوسف ويقولوله سيب أخونا ده وخد أي واحد مننا , ده أبوه راجل كبير ومايستحملش بُعده (إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)
طبعاً سيدنا يوسف رفض وكان رفضه منطقي ويوافق العدل والحق , بإنه ماياخدش حد بريء ويسيب الي مفروض انه سرق
_
لما يئسوا من انهم يقنعوا سيدنا يوسف يسيب بنيامين , قعدوا مع بعض وابتدوا يفكروا هيعملوا ايه (فلما استيئسوا منه خلصوا نجيّا)
أكبرهم قالهم انتوا ناسيين ان أبونا أخد علينا وعد شديد إننا مانفرطش في أخونا زي ماضيّعنا يوسف قبل كدا .. لأ انا هقعد هنا ومش هتحرك غير لما أبويا يأذنلي أو ربنا يحكم عليا فأخضع لحكمه , روحوا انتوا لـ أبونا وقولوله الي حصل , قولوله ابنك سرق وهو دا الي احنا نعرفه انما هل هو سرق فعلا ولا لا فالله اعلم .. ولو ماصدقكمش قولوله اسأل في القرية الي كنا فيها أو القوافل الي كانوا موجودين وشاهدين.. (قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ¤ ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانآ إن ابنك سرق وماشهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ) .. [آية 80 ,81 : سورة يوسف]
_
رجعوا الإخوة من غير بنيامين , لما وصلوا لأبوهم وعرف الي حصل , كان ساعتها وصل لـ قمة الإبتلاء الي دام سنيين كتير من ساعة ما فقد يوسف .. رد الأب عليهم بنفس الكلام الي قاله يوم فقد يوسف , إن أنفسهم الأمارة بالسوء هي الي زيّنتلهم الفعل الخاطئ وسهلّته ليهم , لكن المرادي زوّد على الكلام دا أمل كبير في ربنا ! قال انا هصبر والصبر في عز المحنة أجمل انواع الصبر , وعشمي في ربنا انه يرجعلي أولادي الاتنين دا قادر على كل شيء وهو العالم بالحال والوحيد الي عارف الحكمة من كل ده فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [آية 83 : سورة يوسف]
مشي وسابهم وقعد لوحده يبكي لربنا ويشتكيله , ماكنش بيبكي قدام حد لأنه كان عارف ان محدش هيحس بيه غير ربنا , فـ كان في مناجاته لربه بيبكي كتير لدرجة إنه بقى في غشاوة على عينه من كتر البكاء فمابقاش يقدر يشوف (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)
بس أولاده ماسابهوش في حاله رغم كل الحزن الي هو فيه , بقوا يعاتبوه ويقولوله انت هتفضل زعلان على يوسف كدا لحد ما يحصلك حاجة (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)
قالهم سيبوني في حالي انا بشكي همي للي خلقني وهو بيطمن قلبي بحاجات انتم ماتعرفوهاش (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
وصاهم يروحوا يدّوروا على يوسف تاني , هو قلبه حاسس انه لسه عايش وموجود , وفي عز كربه وإبتلاءه قالهم ما تيأسوش من انكم تلاقوا يوسف وأخوه دا محدش بييأس من كرم ربنا غير الكافر بـ رحمته (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)

كل الي حصل كان ترتيب رباني , ربنا حب يزوّد على سيدنا يعقوب الإختبار لحد مايوصل لمنتهاه , عشان لو بعد ده كله لاقاه لسه صابر يكافئه بـ إنه يردله ابنيه الاتنين وكمان يرد عليه بصره

إتحركت القافلة من جديد وإتجهوا لمصر عشان ياخدوا منها بضاعة جديدة , بس المرادي بكل ذل وكسرة , المرادي حالهم الاقتصادي والنفسي إتدهور تماما , لدرجة انهم ماعندهمش حاجة يقايضوا بيها القمح والبضاعة الي عايزين يشتروها من يوسف , ما حيلتهمش حاجة , لما وصلوا ليوسف بقوا بيشحتوا منه زي المتسولين! قالوله البضاعة الي معانا مش قد كدا , تصدّق علينا ده ربنا بيكرم المتصدقين وهيجازيك خير , (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)
هنا إبتدا سيدنا يوسف يكشف عن نفسه , لما لاقهم في الذل ده فكّرهم بـ خطيئتهم القديمة , قالهم فاكرين عملتوا ايه في يوسف , لما لاقوه بيتكلم معاهم بنفس لغتهم وبيكلمهم عن موضوع محدش يعرفه زي دا , عرفوا ان هو يوسف! قالهم أيوة انا يوسف وأهو أخويا بقى معايا وربنا كرمنا ومنّ علينا ووصلنا للي احنا فيه دلوقتي , قالوله ربنا فضّلك علينا وبُعدك عن أبونا زوّد محبتك في قلبه , بقينا احنا الخسرانين وكنا من الاول غلطانين
( قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ)
سيدنا يوسف حس بـ خوفهم من عقابه في ردهم الأخير ده , فـ حب يطمنهم , قالهم مش هآخذكم باللي عملتوه , مش هلومكم ولا هعاقبكم رغم ان النهاردة في ايدي العقاب , هو مش بس عفا عنهم ده تعدّى العفو بمراحل ووصل لإنه يدعيلهم ان ربنا كمان يسامحهم ويغفرلهم
(قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) .. [آية 92 : سورة يوسف]
يوسف كان حس بـ أبوه , كان عارف انه حزنه الشديد عليه ممكن يخليه يفقد بصره , وقد يكون ربنا هو الي بلّغه
فـ قالهم خدوا القميص بتاعي ده وإرموه لـ أبويا هيرجعله بصره وهيعرف اني لسه عايش , هاتوه وتعالوا انتم وأهلكم كلهم ..
_
أول ما القافلة بتاعت الإخوة خرجت من مصر متجهة لفلسطين , بمجرد خروجها من مصر الأب يعقوب حس وهو في فلسطين ! .. قال للي حواليه من باقي أهله هناك انا شامم ريحة يوسف , يوسف موجود وقريب اوي , وانتم لو مكنتوش فاكرين اني راجل عجوز ومخرّف كنتوا صدقتوني (ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولآ أن تُفندون)
الي حواليه ماصدقهوش فعلا وقالوله انت لسه حابس نفسك جوا الموضوع دا وبتقنع نفسك بحاجات مش موجودة (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم)
وحصلت المفاجئة لما وصلت القافلة , الإخوة وصلوا بـ قميص يوسف , إدوه لأبوهم فشم ريحة ابنه وبقدرة ربنا لما اتحط القميص على وشه رجعله بصره تاني وإتشالت الغشاوة الي كانت على عنيه من كتر البُكا ..
قالهم شوفتوا ؟ مش قولتلكم أنا عارف من ربنا الي انتم ماتعرفهوش
الإخوة قالوله إحنا حسينا بغلطنا إستغفر لينا وسامحنا وخلّي ربنا يسامحنا .. فوافق الأب الطيب وقالهم هستغفرلكم ربنا ده غفور ورحيم (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
بس كلمة سوف دي توضحلنا إنه الاستغفار هياخد وقت , واضح انه ماكنش لسه صفي من ناحيتهم , فقال هيستنى لحد ما يسامح من قلبه خالص وهيبقى يستغفرلهم بعدين
_
يروح أبويه وباقي الأهل مع الإخوة ويرجعوا كلهم لمصر من تاني .. [ وأُختلف في أبويه , فـ قالوا أبوه وأمه , وفي الي قال إن أمه توفت من زمان فكآن المقصود هما أبوه وخالته الي كانت بمنزلة أمه]
أول مادخلوا عليه فرح بيهم اوي وفرحوا بيه , حضنوا بعض واطمّنوا بـ لم شملهم من جديد بعد كل السنين دي
( فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين)
بس إزاي "إدخلوا مصر إن شاء الله" وهما اصلا دخلوها خلاص ووصلوا عنده وشافوه ؟
أغلب الظن إنه لما عرف من رُسله إن القافلة الي فيها أبويه قربت من مصر طلع بنفسه يستقبلهم تكريماً ليهم وتعظيماً لشأنهم ومن كتر ماهما وحشوه , فـ كانت المقابلة برا بوابات مصر , وبعدها دخلوا كلهم مصر وقالهم جملته دي " أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين"
لما وصلوا القصر سيدنا يوسف قعّد أبويه على السرير الخاص بيه الي بيقعد عليه , وإتسمى في القرآن بالعرش , ففي الغالب هو المقصود بيه سرير أشبه بكرسي العرش , مش مخصص للنوم إنما للحكم والمُلك .. فقعّدهم عليه تكريماً ليه
وهنا إتحققت رؤية سيدنا يوسف القديمة ولاقى إخواته الـ11 وأمه وأبوه بيسجدوا ليه .. [ وده كان سجود تكريم مش سجود عبادة , سجود التكريم كان مسموح بيه في شرعهم وبعدها إتحرّم ]

في آخر مشهد من مشآهد القصة سيدنا يوسف حس بكرم ربنا عليه , حمده وشكر فضله ونعمه , قاله يارب جعلت لي مُلك , وعلّمتني تفسير الرؤيا , وأنعمت علي بنعم كتيرة , أثنى على الله وذكر عظمة ربنا الي بتتضآئل جنبها أي عظمة تانية .. ودعاه دعوة صادقة أخيرة , في عز كل المُلك والعزة دي كان الشيء الوحيد الي سيدنا يوسف بيطلبه هو إن ربنا ينعم عليه بالنعمة الأكبر الي مفيش زيها نعمة , إنه يتوفّاه على دين التوحيد ويلحقه بالصالحين .. [ نبي وبيدعي إن ربنا يلحقه بالصالحين! بيدّينا درس عن تواضع أخلاق الأنبياء وتذللهم للي خلقهم ]

(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)
_
وفي الأول و في الاخر دي كلها اجتهادات العلماء في محاولة تفسير كتاب الله وربنا وحده الأعلى والأعلم بمايصيب ويخطئ منها قال تعالى "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا"
_

• ربنا لما حكى قصة سيدنا يوسف في القرآن ميّزها عن باقي القصص بإنه حكاها كاملة على بعضها في سورة إتسمت بإسمه "سورة يوسف" , بعكس باقي القصص الي إتحكت بشكل متقطع في كذا سورة
• في بداية سورة يوسف ربنا وصفها بإنها (أحسن القصص) , فـ إختلف العلماء ليه إتسمت القصة دي تحديداً بأحسن القصص ..
- قيل لأنها أكتر قصة فيها عالم كامل من العِبر والحِكم
- وقيل لأن سيدنا يوسف سامح إخواته وصبر عليهم وعفا عنهم
- وقيل لأن فيها ذكر كل حاجة [الأنبياء والصالحين / العفة والغواية / سير الملوك والمماليك / الرجال والنساء / مكر النساء / التوحيد والفقه / تفسير الرؤيا ]
- وقيل لإن كل الي فيها نهايتهم كانت سعيدة

بس بالإضافة لـ كل الي فات نقدر نقول إن فيها حاجة مميزة بتخلّي أي حد يقراها يرتاح ويطمن , هي إنها بتزرع جواك يقين إن ربنا دايما واقف مع عبده وبينصره حتى لو إجتمع كل الناس على إيذاؤه .. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) الآية دي بتختصر كل معاني الثقة بالله وبتوضّح حقيقة ان ربنا الغالب دايماً مهما طال البلاء ومهما كثر الأعداء


قصص الانبياء قصة سيدنا صالح

ومن بعد قوم عاد كان قوم ثمود هم تاني ناس عبدوا الاصنام بعد الطوفان .. إتسموا ثمود نسبة لـ جدهم ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح

قوم ثمود كانوا شبه قوم عاد مش بس في عبادة الاصنام , إنما كمان في القوة والتمكين في الارض .. (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) .. [آية 74 : سورة الأعراف]
كانوا أقوياء لدرجة انهم كانوا بيقدروا يشكّلوا الجبال والصخور الضخمة بالشكل الي يحبوه فيعملوا منها القصور والبيوت ( وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) .. [آية 9 : سورة الفجر]
جابوا يعني يقدروا يخرقوا الصخور وينحتوها زي ماهما عايزين
والوادِ المقصود بيه وادي القرى .. هما كانوا عايشين في الوادي ده في منطقة اسمها "الحجر" .. موجودة في شمال السعودية , شرق الأردن كدا
_
سيدنا صالح كان واحد منهم وليه مكانة كبيرة عندهم , كانوا بيقدّروه جداً وبيحترموا رأيه , شايفينوا عالم عاقل وصادق , فـ لما إختاره ربنا وبعثه فيهم علشان يدعوهم للتوحيد .. كان ردهم على اساس الخلفية المُشرّفة الي عندهم ليه
لكن الخلفية دي ما خلتهمش يصدقوه , بالعكس دول حاولوا يأثروا عليه بيها , يقولوله دانت كنت حاجة كبيرة عندنا ومتوسمين فيك كل خير , بيحاولوا يحسسوه ان خيبة أملهم فيه كبيرة يمكن يرجع عن الي هو فيه .. (قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) .. [آية 62 : سورة هود]

هو ما إتأثرش بكلامهم , قالهم مانا لو اتهزيت بالكلمتين دول وعصيت ربنا بعد ما هداني وبعتلي رسالته مين هينقذني من عذاب ربي .. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) .. [آية 63 : سورة هود]

لما كذّبوه وتمسكوا بعبادة آلهة أبائهم , ربنا بعتلهم معجزة من الحاجة الي هما بارعين جدا فيها ..الصخور
في يوم قالوله شايف الصخرة الضخمة الي هناك دي ؟ لو انت صادق خلّي ربك يخلق منها ناقة كبيرة , طويلة , وحامل في الشهر العاشر .. ما إكتفوش بتحديد المعجزة كمان حددوا مواصفاتها
سيدنا صالح قالهم لو ربنا حققلكم المعجزة دي هتصدقوا الي باعتني بيه وتؤمنوا لله ؟ .. حب ياخد منهم الوعد والميثاق علشان لما يحصل الي طلبوه مايكونش ليهم حجة .. فوافقوا
دخل سيدنا صالح إختلى بربه وقعد يدعي كتير .. كان بيدعي بصدق من باب حب الخير لقومه .. نفسه انهم يؤمنوا علشان يبعدوا عن عذاب الله .. فإستجاب الله ..
في يوم قدامهم كلهم لاقوا الصخرة بتهتز وبتتشق وبيطلع منها جمل كبير .. الجمل كان ناقة كبيرة وطويلة وضخمة , حامل في العاشر زي ما طلبوا بمعنى الكلمة
فـ آمن منهم كتير , وكفر وجحد واستمر في العِند ناس اكتر بكتير .. الي كفروا كانوا من الاول طالبين المعجزة علشان يعجّزوه , مابيبحثوش عن الحق بالعكس ده نفسهم يشمتوا فيه ويبيّنوا للناس كذبه .. وإستمروا في مسعاهم ده مش بس مع سيدنا صالح , دول راحوا للناس الي صدقوه وآمنوا بـ ربه قالولهم انتم مصدقين ان صالح ليه رب وهو الي أرسله! .. (أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ)
ردوا : (إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ)
قالولهم بإستحقار وإستهانة ( قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) .. [آية 76 : سورة الأعراف]
_

ربنا لما استجاب لطلبهم كانت الإستجابة من باب الإختبار ليهم .. عشان يقيم عليهم الحجة , فـ اللي يكفر بعدها يكون عليه عذاب رهيب ..( إنا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ ) .. [آية 27 : سورة القمر]

بس كان وجود الناقة بشروط .. دي نعمة كبيرة ومعجزة مُكرّمة لازم تتقدّر
• كان الشرب من مياه البئر متقسّم بينها وبين الناس , فـ هي تشرب يوم والناس يشربوا يوم .. َ(لهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُوم) .. [ آية 155 : سورة الشعراء]
• اليوم الي بتشرب فيه كانت بتخلّص ميّة البير كلها , فكده كده الناس كانوا بيضطروا يخزنوا احتياجاتهم من الميّة اليوم الي قبله علشان مش هيفضل ليهم ميّة في يوم شربها هي
• أمرهم سيدنا صالح انهم يسيبوها براحتها تاكل من أرض الله الي هي عايزاه ومحدش يجي جنبها يدايقها او يئذيها .. (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ) .. [آية 64 : سورة هود]

إتسمّت بـ ناقة الله .. سيدنا صالح أنسبها لله سبحانه وتعالى , ولما نتأمل الناقة دي هنعرف انها فعلا تستحق التسمية دي .. لأنها آية إعجازية في كل حاجة ..
• معجزة في إنها إتخلقت من بطن الصخر
• معجزة في إنها في اليوم الي كان بيبقى دورها للشرب كان مفيش اي حيوان او طائر يقرّب من مياه البير , زي ما يكون ربنا بيبيّن لنا إنه حرّم ميّة البير في اليوم دا على كل المخلوقات مش بس على الناس .. اليوم ده للناقة الربّانية وبس
• في اليوم الي كانت بتشرب فيه من الميّة كان الناس بيشربوا من لبنها , فـ كان اللبن الي بياخدوه منها هي لوحدها يكفي الناس كلهم .. (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) .. [ آية 28 : سورة القمر] ..
كل شرب محتضر يعني بيحضروا بالماء يوم شربهم , ويحضروا بـ لبن الناقة يوم شربها
_
الكفار ما اكتفوش بالتكذيب والعِند رغم كل المعجزات دي , لكنهم كمان حقدوا وإستنكروا..
إيه الناقة دي الي جت تشاركنا في ميّة الآبار بعد ماكانت كلها لينا كل يوم , يعني ايه لو شربنا في اليوم بتاعها نتعذّب ولو لمسناها نتعذّب
_
قرروا انهم يقتلوا الناقة دي , لكن قرار القتل كان ليه حكاية ..
أصل الفكرة كانت من اتنين ستات , واحدة ذات حسب ومال اسمها "صدوقة", كانت متجوزة واحد آمن برسالة سيدنا صالح , فسآبته , راحت لابن عمها وعرضت عليه انها تتجوزه ويتنعم بيها وبمالها لكن بشرط انه يقتل ناقة صالح
التانية بقى كان اسمها "عنيزة" .. كانت ست عجوزة كافرة وليها 4 بنات جميلات .. فـ راحت لراجل اسمه " قدار بن سالف" وقالتله إختار أي بنت من بناتي الـ4 تتجوزها بس بشرط إنك تقتل الناقة
فـ كان الراجلين دول هما أول ناس عايزة تقتل الناقة .. وبعدها استجاب ليهم سبع رجالة كمان , كدا بقوا تسعة .. التسعة دول ماكانوش ناس عادية , دول كانوا أكتر ناس مُفسدة في القرية , من كُبراء القوم و أقويائهم , هم أصل الفساد وهم الي بيشجعوا الناس على الكفر بصالح
وهم المذكورين في قوله تعالى: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْض وَلاَيُصْلِحُونَ) .. [آية 48 : سورة النمل]

إتفقوا انهم هيقتلوا الناقة وابنها الصغير , ماهي كانت ولدت خلاص [الإبل بتولد في المتوسط بعد 12 أو 13 شهر حمل , وهي كانت في الشهر الـ10 لما ربنا خلقها , فمعنى كده انها قعدت معاهم كام شهر لحد ما ولدت , وفي الوقت ده إتفقوا انهم يقتلوها ]
قعدوا يجروا وراها هي وابنها لحد ماوصلت لجبل ومابقتش عارفة تجري فين تاني .. حاوطوها هما الـ9 وواحد منهم ضربها في رجلها بـ سهم فوقعت , قدروا ساعتها يدبحوها بالسيف , وكان عاقر الناقة او الي دبحها فعلا كان قدار بن سالف , وهو الي ربنا قال عليه (إذ إنبعث أشقاها) .. [آية 12 : سورة الشمس ]
أما مصير ابنها فـ أختلفت فيه الأقاويل .. من المفسرين من قال إن الـ9 جريوا وراه وقتلوه هو كمان .. ومنهم من قال إنه قدر يهرب منهم وإنشقت الصخرة ودخل فيها , ويُقال إنه هو الدابة الي هتخرج على الناس في آخر الزمان .. -والله أعلى وأعلم-
راحوا لسيدنا صالح فرحانين , يبشرّوا أهل البلد انهم خلّصوهم من الي كانت بتقاسمهم في مشربهم , وشمتانين في سيدنا صالح إنهم قتلوها وماحصلهمش حاجة
بكل بجاحة إبتدوا يتحدّوه , قالوله ها أدينا أذيناها فين بقى العذاب الي بتقول عليه (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ) .. [آية 77 : سورة الأعراف]
سيدنا صالح رد عليهم إن العد التنازلي هيبتدي من بكرة .. قدامكم تلات ايام , يوم هتصفّر وجوهكم , والتاني هتحمّر, والتالت هتسوّد فيه الوجوه , وبعدها يحلّ العذاب العظيم .. (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) .. [آية 65 : سورة هود]
ماصدقوهوش وقضوها تريقة وتبجّح ..بس الـ9 مااكتفوش بكده , قالوا لبعض احنا نقتل صالح , لو كان كاذب -في العذاب الي بيهددنا بيه بعد تلات ايام ده- يبقى القتل هيكون عقاب ليه على كذبه , ولو كان صادق يبقى القتل هيكون إهلاك ليه قبل الي هيحصلنا فيكون الهلاك علينا وعليه
راحوا فعلا بالليل لسيدنا صالح علشان يقتلوه هو واهله , يخلصوا منهم في ظلمة الليل من غير ماحد يعرف , والصبح لما أهل صالح والي بيحبوه يسألوهم , هيقولولهم مانعرفش عنه حاجة! .. (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) .. [آية 49 : سورة النمل]
بس زي ما هما مكروا وعزموا على الأذية , ربنا كان مكره أكبر منهم وكان أقدر على أذيتهم .. فبعتلهم حجارة من السما [أو يُقال صخرة ضخمة من أحد الجبال] وقعت عليهم وموتتهم

الكفار كلهم غلطوا غلطة كبيرة لما استمروا على إنكارهم وعِندهم بعد ما اتحققت المعجزة الي طلبوها بنفسهم , لكن الـ9 دول تعدّوا كل الحدود وزادوا في الطغيان لدرجة انهم قتلوا المعجزة دي رغم التحذير وأقدموا على قتل النبي كمان فإستحقوا عذاب منفصل قبل عذاب باقي القوم , عشان يبقوا عبرة
_
ولإن باقي القوم كانوا موافقينهم على الي عملوه وراضيين بقتل الناقة إبتدا عذابهم هما كمان يتحقق , وإبتدا الي قال عليه سيدنا صالح يحصل , أول يوم كان يوم الخميس .. إصفرّت وجوه قوم ثمود لكنهم إتهربوا من الاعتراف بالحقيقة واستمروا في الإنكار , يوم الجمعة إحمرّت وجوههم وبردو حاولوا يلاقوا أي اسباب غير صِدق سيدنا صالح , لكن لما وجوههم إسوّدت يوم السبت ماقدروش ينكروا اكتر من كدا ! .. خافوا وارتبكوا .. وإفتكروا الي حصل للـ9 وإتأكدوا من ان العذاب هيجيلهم تاني يوم زي ما كل الي فات حصل
سيدنا صالح قالهم أنا حذرتكم وبلغتكم رسالة ربي بس انتم ماصدقتوش , إستنوا عذاب ربنا بقى .. (تَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) ..[آية 79 : سورة الأعراف]
ما استنوش كتير .. صباح تاني يوم ربنا بعتلهم صرخة جامدة اوي من السما , ورجفة جامدة جداً من تحتهم , فماتوا فوراً
يُذكر عن الصيحة دي إنها كانت عبارة عن أصوات رعد جامد جدااااوصراخ يخترق القلوب , حاجة كدا تقدر تتخيلها لما تفتكر كل الاصوات العالية والمرعبة الي ممكن تسمعها في حياتك , كل دول مجتمعين وبصوت عالي جدااا لدرجة انك بتحس الصوت بيخترق قلبك وممكن يوقفه

ربنا وصف حالهم لما ماتوا بصفتين ..
• (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) .. [آية 67 : سورة هود]
يعني نايمين على بطونهم منبطحين , خامدين كده ومابيتحركوش

• (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر) .. [آية 31 : سورة القمر]
يعني عظامهم محروقة ومتفتتة لو لمستها تبقى تراب
_
• مدائن صالح لسه موجودة لحد دلوقتي في المنطقة الي بين الحجاز والشام , هتلاقي بيوتهم الضخمة الي منحوتة من الصخور والجبال , ربنا حفظ المساكن دي علشان تبقى عبرة للي يجوا بعدهم
• في القرآن ربنا سمّى عذاب قوم ثمود بأكتر من تسمية [ الطاغية / الصاعقة / الرجفة / الصيحة ] بعد التسميات دي نقدر نتخيل كمية العذاب الي هما شافوه
• ربنا كان قادر ينزّل عليهم العذاب في نفس اليوم , لكنه خلاهم يستنوا تلات أيام علشان يخافوا ويفضلوا في رعب , يدوقوا العذاب المعنوي قبل العذاب المادي ويتأكدوا انهم غلطوا غلطة كبيرة في حق نفسهم بتكذيبهم وطغيانهم وموافقتهم على قتل الناقة
_
وفي الأول و في الاخر دي كلها اجتهادات العلماء في محاولة تفسير كتاب الله وربنا وحده الأعلى والأعلم بمايصيب ويخطئ منها قال تعالى "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا"
  

قصص الانبياء - قصة سيدنا عثمان ابن عفان

قصص الانبياء ألا استحى من رجل تستحى منه الملائكة
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
 بهذا العنوان نبدأ الكلام عن هذا الصحابى الجليل, انه صنف من الرجال الأطهار يندر وجوده فى كل العصور والأزمان...رجل تستحى منه ملائكة الرحمن!!!
هو ذور النورين عثمان بن عفان رضى الله عنه بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الله، ذو النورين، القرشي الأموي, ذلكم الرجل الذى إذا جائت سيرته وجدنا بين ثنايا سطورها ريح الحياء والتواضع والجود والكرم والخشية....ولد بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح قصص الانبياء وكان ربعة حسن الوجه رقيق البشرة عظيم اللحية بعيد مابين المنكبين.
لما قالوا لعلي حدثنا عن عثمان قال قصص الانبياء  ذاك امرؤ يدعى فى الملأ الأعلى ذو النورين.
وهو الذى بشره الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بالشهادة و الجنة .... فعن ابى موسى رضى الله عنه قال : "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا وأمرنى بحفظ باب الحائط, فجاء رجل يستأذن فقال : ائذن له وبشره بالجنة فإذا أبو بكر, ثم جاء اَخر يستأذن فقال له : ائذن له وبشره بالجنة فإذا عمر, ثم جاء اَخر يستأذن فسكت هنيهة ثم قال له : ائذن له وبشره بالجنة على بلوى قصص الانبياء ستصيبه فإذا بعثمان" رواه البخارى ومسلم.
وهو الذى قالت فيه امرأته حين قتل : لما قتلتموه, وإنه ليحي الليل كله بالقراَن فى ركعة"
وكان رضي الله عنه فى أيام الجاهلية من أفضل الناس فى قومه فهو عريض الجاه ثرياً متواضعاً شديد الحياء عذب الكلمات فكان قومه يحبونه أشد الحب ويوقرونه.
لم يسجد فى الجاهلية لصنم قط ولم يقترف فاحشة قط ولم يظلم إنساناً قط.
ولما أهل الإسلام بنوره على مكة كان عثمان من السابقين إلى الإستضاءة بمشكاته...
وعلى الرغم من مكانته بين قومه ومحبتهم له قصص الانبياء إلا أنه  ما أن أعلن إسلامه واستعلى بإيمانه حتى سلطوا عليه الأذى.
حتى انه لمّا أسلم - أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً ، وقال: أترغبُ عن ملّة آبائك إلى دين محدث ؟ والله لا أحلّك أبداً حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين فقال عثمان : والله لا أدعه أبداً ولا أفارقُهُ فلمّا رأى الحكم صلابتَه في دينه تركه.
ولكنهم لما يئسوا من عودته إلى الشرك وإرتداده عن دين محمد صلى الله عليه وسلم أطلقوا سراحه فهاجر إلى الحبشة ومعه زوجه رقية رضي الله عنها .. ابنة نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
وهناك اشتد الحنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد قصص الانبياء عثمان وزوجه رضي الله عنهما مرة أخرى إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى أن أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة, فكان عثمان وزوجه مع المهاجرين . وبذلك يكون رضي الله عنه – قد هاجر الهجرتين.
جهاده فى سبيل الله و تسميته بذى النورين
سهم بدر
ولقد شهد عثمان رضي الله عنه المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعدا غزوة بدر فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى بدر خلفه على ابنته رقية يمرضها – فقد كانت مريضة ولم يكن معها أحد – ولما عاد الحبيب صلى الله عليه وسلم من الغزوة علم أن ابنته رقية قد لحقت بجوار ربها فحزن حرناً شديداً ... وواسى عثمان فضرب له بسهمه وأجره , فكان كمن شهد بدراً , ثم زوجه ابنته الثانية أم كلثوم  قصص الانبياء وقال وبعد وفاتها قال : والذي نفسي بيده لو كان عندي ثالثة لزوجنكها يا عثمان... وسمى ذا النورين لجمعه بين بنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
غزوة تبوك ... جيش العسرة
جاءت غزوة تبوك, والناس فى عسرة شديدة , وحين طابت الثمار وأحبت الظلال, والناس يحبون المقام ويكرهون الخروج.
وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين على الجهاد ورغبتهم فيه وأمرهم بالصدقة, فحملوا صدقات كثيرة , وكان أبو بكر رضي الله عنه أول من حمل بماله كله ...أربعة اَلاف درهم.
وقام عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بنفسه وماله في واجب النصرة فجهّز جيش العُسْرَة بتسعمائةٍ وخمسين بعيراً وخمسين فرساً ، واستغرق الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء له يومها ، ورفع يديه حتى أُريَ بياض إبطيه....فقد جاء عثمان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بألف دينار حين جهّز جيش العسرة فنثرها في حجره ، فجعل -صلى الله عليه وسلم- يقلبها ويقول ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم )....مرتين
بئر رومة
ولما كان المسلمون لا يجدون الماء العذب الذى هم فى أشد الحاجة إايه...قام النبى صلى الله عليه وسلم يعرض على أصحابه تلك الصفقة الرابحة, فقال : "من حفر رومة فله الجنة...."
فقام عثمان رضي الله عنه السباق إلى كل خير فحفرها , ففاز بثواب كل من شرب شربة ماء أو توضأ من هذا الماء.
عثمان و العتق
وماكان البذل الذى يبذله – رضى الله عنه – ليقف أبداً عنه تجهيز جيش العسرة أو حفر بئر رومة , بل لقد كان دوماً وأبداً مواسياً لكل مسلم فى كربته ومعينه فى منته ومعيناً له فى فقره وحاجته.
يمضى- رضي الله عنه – مع نفسه موثقاً لا يخلفه طوال حياته : هو أن يعتق كل جمعة عبدً , ويحرر رقبة...يشترى العبد من سيده بأى ثمن , ثم يهبه حريته مبتغياً وجه ربه الأعلى.
خلافته الراشدة والفتنة
حمل عثمان عثمان الرحيم الذى تشع الرحمة فى حياته أمر المسلمين بعد الخليفة عمر فكان هو الخليفة الراشدي الثالث حيث قال رسول الله في حقهم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ).
وفتح الله على يديه "أرمينية" و "القوقاز"....ونصر المسلمين وسودهم على " خراسان" و "كرمان"و"سجستان" و "قبرص" وطرف غير قليل من إفريقية.
ولقى الناس فى عهده من الثراء مالم يحظ به شعب على ظهر الأرض.واستمرت عملية الفتح ما يزيد على عشر سنوات من مدة خلافته التي دامت اثنا عشر عاماً ثم توقفت هذه الفتوحات بسبب الفتنة التي أجهضت الجهاد وأشغلت الناس وأوقعت الخلاف ،ودبت الفوضى وتعد هذه الفتوحات تتمة للفتوحات الكبرى التي كانت أيام الفاروق رضي الله عنه
لكن بعض الناس إذا شبعوا بطروا...و إذا أنعم عليهم كفروا...فعتب هؤلاء على عثمان أمورا, لو فعلها غيره ماعتبوها عليه....ولم يكتف هؤلاء بالعتب, ول أنهم اكتفوا به لهان الأمر.
فلقد ظل الشيطان ينفخ فى أرواحهم من روحه, ويبث فى نفوسهم شره حتى تألبت عليه طائفة كبيرة من أوباش الأمصار, فحصروه فى داره نحوا من أربعين ليلة, ومنعوا عنه الماء العذب.
وقد تناسى هؤلاء الظلمة الطغمة أنه هو الذى اشترى بئر رومة من ماله الخاص, ليرتوي منه سكان المدينة المنورة وروادها..
ثم أنهم حالوا دونه ودون الصلاة فى مسجد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه .
وقد تعامى هؤلاء عن أن ذا النورين هو الذى وسع ثانى الحرمين من خالص ماله, ليتسع للمسلمين بعد أن ضاق بهم ذرعا...
وحان وقت الرحيل
ولما اشتد على عثمان الكرب, وتفاقم عليه الشر نفر إلى حمايته نحو سبعمائة من الصحابة وأبنائهم. وفيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب, وعبد الله بن الزبير بن العوام, والحسين والحسين ابنا على بن ابى طالب, وأبو هريرة, وغيرهم...
لكن ذا النورين, وصاحب الهجرتين, وباذل المعروف, اَثر أن يراق دمه على أن تراق دماء المسلمين دفاعا عنه...
فأقسم على الذين نفروا إلى حمايته أن يتركوه لقضاء الله.
ولقد غفت عين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظات قبيل مصرعه فرأى النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ومعه صاحباه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب...وسمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له :"أفطر عندنا الليلة يا عثمان", فأيقن عثمان أنه لاحق بربه...مقبل على لقاء نبيه....
أصبح عثمان رضوان الله عليه صائما...ودعا بسراويل طويلة فلبسها خشية أن تكشف عورته, إذا قتله الأثمة السفاحون.
واستسلم عثمان لأمر الله رجاء موعوده, وشوقا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم, ومصدقاً لكلماته حين قال : " ياعثمان, إن الله مقمصك قميصاً, فإن أرادك المنافقون على خلعه, فلا تخلعه حتى تلقانى".
وفى يوم الجمعة لثمانى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة, قتل العباد , الزاهد , الصوام , القوام , جماع القراَن , صهر رسول الله فلحق بجوار ربه وهو ظماَن صائم, وكتاب الله منشور بين يديه... وسال الدم على قوله تعالى : "فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " البقرة 137
ورحل عثمان عن دنيا الناس بعد حياة طويلة مليئة بالبذل والتضحية والجهاد والعدل والسماحة والتواضع.
رحل بعد أن سالت دماؤه التى طالما امتزجت بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم... سالت دماؤه الشريفة التى انصهرت مع كل اَيات القراَن الكريم...
رحل بعد أن قدم للإسلام الكثير والكثير.
وها نحن بعد هذا الزمان الطويل نذكره ونذكر أعماله الجليلة, ولن ننساه أبداً ما دامت أرواحنا فى جسدنا.
فرضى الله عن عثمان وعن سائر الصحابة أجمعين




قصص الانبياء قصة سيدنا عيسي

قصة سيدنا عيسى بتجبرنا اننا نرجع قبل ولادته بسنين علشان نفهم الحكاية كانت إيه
الحكاية عن عمران وزوجته , دي أسرة كريمة مكونة من راجل ذو مكانة عند بني إسرائيل , وزوجة صالحة عابدة إسمها حَنّة
حنّة زوجة عمران كانت مابتخلفش وكان نفسها في الذرية علشان تقدر تخدم بيهم دين ربنا , فـ دعت ربنا إنه يرزقها ابن ونذرت لو تحققت الدعوة إنها تربيه على العبادة وتخليه عمل صالح متفرّغ لعبادة الله وخدمة بيته المُقدّس
ولإن دعوتها ونيتها كانت صادقة وخالصة لوجه الله , ربنا إستجاب الدعوة .. لكنه رزقها بـ بنت مش ولد
ولإن البنت مش زي الولد خصوصاً في قدرتها على خدمة الدين وتنفيذ نذر أمها زي ماكان نفسها , حنّة قالت [كـ نوع من الاعتذار ] يارب انت رزقتني ببنت وانا مش عارفة البنت هتقدر تنفذ النذر بتاعي ولا لا , لإن الذكر قادر اكتر من الانثى على خدمة دين الله ورعاية بيته المُقدس , فـ يارب إبعد عنها وعن ذريتها كيد الشيطان
(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) .. [آية 36 : سورة آل عمران]
في الآية هنلاقي جملة " والله أعلم بما وَضَعَتْ " دي مش من كلام حنّة , ده تعقيب من ربنا على كلامها , بيأكد انه عارف الي في بطنها من قبل ما تحمل بيه , وفي تعقيبه بيبيّن ليها ولينا إن الأنثى قادرة على خدمة دين الله زيها زي الذكر , فـ بيرفع شأن المولودة وبينفي عنها خوف أمها من خذلان نذرها بسبب كونها بنت مش ولد
البنت كان اسمها مريم , ربنا بارك فيها وربّاها من عنده وراعاها وحفظها فكانت مثال للتقوى والصلاح لدرجة ملفتة للانظار (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) .. [آية 37 : سورة آل عمران]
بعد ولادتها راحت أمها حنّة لبيت المقدس علشان تولّي رعايتها لحد من الأحبار والعلماء الي ليهم الأمر على بيت المقدس .. فـ الأحبار قالوا دي بنت إمامنا عمرآن [ماهو كان ليه شأن ومكانة عندهم] , فإبتدا كل واحد منهم عايز ياخدها يرعاها بنفسه , كان من ضمنهم سيدنا زكريا .. [ زكريا ده كان زوج خالة مريم] قالهم أنا أحق واحد برعايتها دي خالتها زوجتي والخالة أحق بالحضانة , مارضيوش وبقى كل واحد منهم عايز الفضل ده لنفسه , فإتفقوا انهم يعملوا قرعة , هيرموا أقلامهم في النهر والي يطفو قلمه يبقى هو الي هيتكفّل برعايتها , رموها فعلا فـ طفى قلم سيدنا زكريا و نزلت باقي الاقلام للقاع [ الأقلام المقصود بيها الي كانوا بيكتبوا بيها التوراة , ويُقال معناها سهامهم]
(وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) .. [آية 44 : سورة آل عمران]
ربنا كلّف سيدنا زكريا عليه السلام برعايتها (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) .. وتكليف نبي من أنبياء الله إنه يرعاها كان ليه حكمة كبيرة بتتلخص في إنها تاخد من علم النبي ده ومن حكمته , ويقدر يربيّها تربية صالحة تخليها قادرة على خدمة دين الله زي ما أمها نذرت
وفعلا كانت ستنا مريم على طول في المحراب بتاعها بتتعبّد لله وواهبة حياتها كلها للتقوى والعبادة .. [المحراب هو المكان الي بتتعبد فيه , إتسمى محراب لإنه المكان الي بتحارب فيه الشيطان وبتحارب فيه شهوات نفسك]
ربنا زادها من فضله وأتم عليها نعمته لدرجة إنه لما كان سيدنا زكريا يدخل عليها المحراب كان يلاقي عندها أكل من غير ماتكون بتشتغل وبتجيب رزقها , ومن غير مايكون في حد بيروحلها او بيدخل عليها المحراب غير سيدنا زكريا نفسه ! فإستغرب وسألها جالك منين الأكل دا ؟
قالتله ربنا الي بيبعت وبيرزق من حيث لا نحتسب..
ربنا بيبيّن لنا حاجتين من الحتة دي , أولاً إنه قادر سبحانه وتعالى على كل شيء وإنه بيرزق من يشاء بغير حساب , تاني حاجة إن أولياء الله الصالحين ليهم كرامات , ودي كانت كرامة لستنا مريم
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) .. [آية 37 : سورة آل عمران]
الكرامة ماكنتش مجرد وجود الاكل عندها , ده كمان بيكون عندها من الثمار الي مش الموسم بتاعه اصلا , فتلاقي ثمار الصيف عندها في وقت الشتاء , وثمار الشتاء عندها في موسم الصيف .. حاجة كده ربانية صافية من غير اي تدخل آدمي
سيدنا زكريا لما شاف كل ده , طمع في كرم ربنا وطلب منه ذرية صالحة , هو كان كبير في السن وزوجته كمان كبيرة.. بس قال ربنا قادر على كل شيء .. قادر يرزقني بطفل رغم كبر سني وسن زوجتي زي ما رزق مريم بالثمار في غير مواسمها
(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) .. [آية 38 : سورة آل عمران]
قال من لدنك .. يعني مفيش أسباب عادية أو منطقية للذرية دي , لكن ربنا القادر الرحيم الوهاب الي ممكن يرزقه بطفل من غير اسباب دنيوية , إنما برحمة ربانية وإستجابة لدعاء صادق متضرّع مؤدب مع خالقه واثق في كرمه
ربنا إستجاب الدعوة و رزقه بـ سيدنا يحيى , نبي من صلبه ..فـ كان نِعم الذرية الصالحة الي كانت أكتر من تخيّل سيدنا زكريا
( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) .. [آية 39 : سورة آل عمرآن]
_
كل ده كان تمهيد للمعجزة الأكبر وهي ولادة نبي الله عيسى

في يوم من الأيام ربنا خلّى الملائكة تكلم ستنا مريم , تقولها يا مريم ده ربنا إختارك لكثرة تعبّدك وتقواكِ وصفاتك الحميدة , وطهّر أعمالك كلها من أي شوائب وإصطفاكِ على نساء زمانك كلهم [ ويُقال الإصطفاء كان على نساء العالم كله منذ الخلق حتى يوم القيامة ] ,, الملايكة ختمت كلامها بـ طلب من ستنا مريم إنها تتعبد لربنا وتخشع ليه وتزيد في الطاعات وتداوم عليها من باب شكر الله على نعمه دي كلها وإختصاصه ليها
( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) .. [سورة آل عمران ]
كانت رسالة لستنا مريم انها تستعد للإختبار العظيم الي هتتحط فيه .. هو هيكون في ظاهره إبتلاء لكن في باطنه نعمة كبيرة هتخليها هي وابنها آية ماحصلتش ولا هتحصل
_
في يوم من الايام ستنا مريم بعدت عن اهلها وسابتهم وراحت ناحية الشرق [ قالوا شرق المسجد الأقصى , وقالوا شرق المحراب بتاعها , وقالوا ده ناحية الشرق كده وخلاص علشان الشرق عندهم كان أحسن من الغرب وبيتبرّكوا بيه , وقال ابن عباس إن إختيار المشرق كان لإن الله أظلها بالشمس وجعلها ساتر لها] .. أما سبب إبتعادها ده فإختلفت الأقاويل فيه وأحسن الي إتقال إنها إنعزلت عنهم عشان تتعبد لله وتخلِص في العبادة والخضوع والقنوت
فظهرلها جبريل على هيئة بشر جميل , هي كانت لوحدها ولاقت راجل داخل عليها , فـ خافت يكون عايز يئذيها او يتعدى عليها , إستعاذت بالله منه وقالتله لو كنت تقيّ تعرف ربنا وتخافه إبعد عني وإحترم لجوئي إلى الله منك [وهنا بنتأكد فعلاً من عفتها وطُهرها , رغم جمال الهيئة الي جالها بيها جبريل إلا انها ما أعجبتش بيه ولا تلطفت معاه في الكلام , بالعكس أول حاجة عملتها انها إستعاذت بالله من شيطان نفسه ]
قالها ماتخافيش , انا رسول من ربك باعتني ليكي عشان أوصلّك أمانة , الأمانة دي طفل ربنا هيوهبه ليكي [وإختار لفظ الهبة لإن الهبة هي العطاء بدون سبب او مقابل]
ستنا مريم إستغربت! إزاي يكونلي طفل وانا مش متجوزة ولا زانية وعمر ما حد لمسني , في حين إن الطفل ما بيجيش غير بالطرق دي
قالها ربنا قال كلمته , هو القادر على كل شيء , وبرغم انك فعلا عذراء عفيفة إلا إن معجزة زي دي هيّنة جداً على قدرة ربنا
عايز يخلّي ابنك آية للناس تبيّن لهم مدى عظمة ربهم وقدرته [ربنا اللي نوّع في الخلق كيف شاء .. فخلق أبونا آدم بدون ذكر ولا أنثى / وخلق ستنا حواء من ذكر بدون أنثى / وخلق سيدنا عيسى من أنثى بدون ذكر / وخلق باقي الخلق من ذكر وأنثى]
وابنك هيبقى رحمة [ الرحمة هنا شاملة سيدنا عيسى وستنا مريم والناس الي في زمانهم ..
• الرحمة لـ سيدنا عيسى بـ تعظيم شأنه وجعله آية ومعجزة ومن أولي العزم من الرسل ..
• الرحمة لأمه مريم إن ربنا خلّد ذكرها حتى يوم القيامة واتكلم عنها في كتابه المحفوظ وأثبت طهارتها وعفتها ..
• الرحمة للناس بإن ربنا بعتلهم رسول منهم يدلهم على طريق الله ويبقى هدى مبعوت ليهم .. ]
وكل ده ربنا قضاه وكتبه وأمر بيه خلاص فـ لازم هيتنفذ

( واذكُر فِى الكِتَابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَت مِن أَهلِهَا مَكَاناً شَرقِياً (16) فَاتخَذَت مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرسَلنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثلَ لَهَا بَشَراً سَوِياً (17) قَالَت إِني أَعُوذُ بِالرحمَـنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِياً (18) قَالَ إِنمَا أَنَا رَسُولُ رَبكِ لأهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِياً (19) قَالَت أنى يَكُونُ لِى غُلامٌ وَلَم يَمسَسنِى بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِياً (20) قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبكَ هُوَ عَلَى هَينٌ وَلِنَجعَلَهُ ءايَةً للناسِ وَرَحمَةً منا وَكَانَ أَمراً مقضِياً) .. [ سورة مريم]

جبريل ما إكتفاش إنه يبشرها بالطفل , ده كمان بشرها بإن الطفل ده هيبقى ليه مكانة عند الناس وعند رب الناس , هيقدر يكلم الناس وهو رضيع ولما يكبر , وصفة الكلام هنا مش أي كلام وخلاص إنما المقصود يكلمهم بما فيه الصلاح والخير ليهم .. (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ) .. [سورة آل عمران]

قبل ما تلحق مريم تسأل او تستغرب .. كان جبريل سبقها ونفخ فيها الأمانة
نفخ في جيبها الروح فـ بقت حامل فوراً [والجيب هو الفتحة الأمامية للثوب]
وبعد الحمل في قصة عن زوجة زكريا وستنا مريم , زوجة زكريا حملت بـ يحيى في نفس الوقت الي حملت فيه ستنا مريم بـ عيسى -عليهم السلام جميعاً-
زوجة زكريا راحت لمريم وقالتلها عرفتي اني حامل , قالتلها وانا كمان! , وحكتلها الي حصل .. بيت زكريا وآل عمران كانوا مؤمنين مصدقين بأي حاجة تيجي من عند ربنا .. فصدقتها
زوجة زكريا قالتلها انا حاسة إن الي في بطني بيسجد للي في بطنك [يعني كل ما تقرب من مكان فيه ستنا مريم تحس إن الجنين الي في بطنها بيميل براسه ناحية بطن ستنا مريم] .. وده كان سجود تعظيم وتكريم مش عبادة , عشان يبيّن فضل سيدنا عيسى على باقي الناس حتى على نبي زي سيدنا يحيى
يُذكر إن من هنا جت الآية عن سيدنا يحيى (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ)
_
مرت الأيام وكان حَمل ستنا مريم غير أي حمل , يُقال إنه كان سهل وسريع وبغير مشقّة ..
[وعن المدة فـ فيه الي بيقول انها حملت 9 شهور عادي , وفي الي بيقول لا ده كان 8 شهور بس ومن هنا مبقاش في مولود يجي في الشهر الثامن علشان سيدنا عيسى إتولد في الـ8 فـ ينفرد بالخاصية دي عن غيره
وفي الي بيقول دي حملت وولدت فوراً , مستشهدين على كلامهم بـ (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة)
بيقولوا إن حرف الفاء دليل على السرعة معنى كده إن مكنش فيه وقت بين الحمل والولادة]

ستنا مريم راحت لمكان بعيد محدش بيروحه , مكان كله شجر ونخل .. [ يُقال إنها راحت علشان حست انها قربت تولد , ويُقال لا دي راحت لما الحمل إبتدا يبان عليها علشان خافت من شكوك قومها فيها ]
إبتدا ألم الولادة يجيلها , إبتدا يزيد عليها , قعدت تحت جذع نخلة .. ألم الولادة ماكنش الألم الوحيد الي حست بيه ستنا مريم , إنما كان في آلام معنوية أقوى وأكبر , إبتدت تفكر هتواجه الناس إزاي .. هيصدقوا المعجزة إزاي , هما عارفين إنها عذراء يبقى إزاي العذراء هتجيب طفل من غير ماحد يلمسها , شالت هم نظراتهم وكلامهم وظنونهم السيئة إتمنت الموت على إتهامها بالباطل
في اللحظة دي ولدت العذراء ..
لحظة ما إتولد سيدنا عيسى إتكلم , ربنا خلاه ينطق عشان يطمّن أمه ويبعد عنها مخاوفها
قالها ماتزعليش , ماتخافيش , وإطمني ده ربنا بعتلك نهر تحت رجليكي اشربي منه [ النهر ده كان جنب جذع النخلة الي هي تحته , كان نهر جاف مافيهوش ميّة , لكن ربنا أجرى فيه الماء علشان تشرب وتطمن وتستشعر وجود ربها جنبها]
قالها هزي جذع النخلة هينزلك تمر تاكليه ..[ لكن ده مجرد جذع يابس , هيبقى فيه تمر إزاي مع إنه مش نخلة مكتملة! , دي آية جديدة ربنا بعتها لستنا مريم عشان تطمن , أحيا الجذع وجعل فيه تمر علشان تقدر تاكل وتتغذى بعد كل التعب الي مرت بيه ../ ورغم إنه بعتلها آية و رزق إلا إنه أمرها بإنها تسعى ليها , بيبيّن لنا أهمية السعي للرزق حتى لو كان مكتوبلك ومتأكد انه هيجيلك , إعقلها وتوّكل ..
وهنا في فايدة جديدة , إن الست لما تكون في النفاس ملهاش غذاء أحسن من التمر , وإلا كان ربنا بعته لستنا مريم وكرّمها بيه , لكن كونه إختار التمر يغذيها بيه فـ قيل إن ده أفضل الغذاء للنفساء .. ]
وختم كلامه بـ حل ليها أنقذها بيه من الكذب لما يسألها الناس عن ابنها ,, قالها تصوم [ والصيام هنا المقصود بيه الصيام عن الكلام / ويُقال عن الطعام والكلام]
فاللي هيسألها هي مش هترد عليه بسبب صيامها , كل المطلوب منها إنها تشاور على الطفل الرضيع الي شايلاه وهو هيتكفّل بالرد نيابةً عنها!
(فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ) ..[سورة مريم]
ويُقال إن الي ناداها وكلمها كان جبريل مش سيدنا عيسى .. ومن تحتها المقصود بيها في الحالة دي إنه كان واقف على ارض منخفضة شوية عن المكان الي ستنا مريم كانت قاعدة فيه .. [يُقال وادي أقل إرتفاعاً أو ماشابه]
_
الناس ماكنتش عارفة ان مريم حامل او هتولد , كان المحراب مقفول عليها وكلهم عارفين انها بتتعبد كعادتها فمحدش بيقرب من محرابها
بس معاد إختلائها بربها إنتهى , لازم ترجع لأهلها وتظهر على قومها
رجعت ستنا مريم وهي شايلة ابنها , مرت على السوق فإبتدا الناس يستغربوا .. هي مش دي مريم العذراء ؟ إبن مين الي هي شايلاه ده ؟ .. واحد منهم قال ده أكيد ابنها , قالولها يامريم اخطأتي خطأ عظيم (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) .. [آية 27 : سورة مريم]
كان في واحد صالح جداً في بني إسرائيل اسمه هارون , لما كان أي حد منهم يتوفر فيه صفات الصلاح كانوا يقولوله هارون نسبةً لهارون الصالح المعروف عندهم
وستنا مريم كانت صالحة من بيت صالح , فقالولها يا أخت هارون [يعني يا شبيهة هارون في الصلاح ../ وقيل إن المقصود هنا هارون أخو موسى , وقالولها كده لإنها من نسله ]
كملوا عتابها وإتهامها , قالولها دانتي أبوكي راجل صالح مابيعملش فواحش , وأمك ست طاهرة ماقربتش من الزنا , طلعتي لمين وازاي تعملي حاجات أهلك عمرهم ما عملوها.. فـ كان إتهامهم ليها بالزنا إتهام صريح مباشر قبل حتى ما يسمعوا منها اي حاجة (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) .. [آية 28 : سورة مريم]
هنا ستنا مريم شاورت ليهم إنهم يسألوه هو جيه إزاي , فهموا انها صايمة عن الكلام بس مافهموش إزاي يسألوا طفل رضيع (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) .. [آية 29 : سورة مريم]

نطق سيدنا عيسى وكان أول ما نطق كلمة أنا عبدالله ! زي مايكون ربنا حب يثبت للنصارى إنهم غلطانين في إتخاذ سيدنا عيسى إله أو ابن إله , حب يثبتلهم عكس إعتقادهم قبل ما يعتقدوا الاعتقاد ده اصلا , سبّق بالإثبات عشان لما الشيطان يوسوسلهم ويفتنهم بمعجزات سيدنا عيسى يكون الدليل على كذب الاعتقادات دي موجود من أول وجود سيدنا عيسى
حب يحميهم من الفتنة الي هتحصلهم لما يشوفوا طفل بينطق وهو لسه عمره ساعات
كمل سيدنا عيسى كلام .. قالهم ربنا بعتني و آتاني كتاب سماوي وأنعم عليا بالنبوة (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) .. [آية 30 : سورة مريم]
ربنا خلاني آمر بالمعروف وناهي عن المنكر , فين ما أروح أدل الناس على الخير وأنصر المظلوم وأنجد الي بيستغيث [وده معنى جعلني مباركاً] , وبعد النِعم دي كلها وصّاني ربي بـ الصلاة والزكاة طول حياتي , وإني أكون ابن بار بأمي وأحسن إليها [ لاحظ ترتيب الكلام , بعد ذكر كل النعم ربنا وصّاه بالصلاة والزكاة على وجه الخصوص لأهميتهم وكأنهم من باب شكر النِعم , ومن بعد أهم حاجتين لعبادة الله ربنا أمره بالبر بأمه , كالعادة ربنا بيبيّن لنا أهمية البر بالوالدين لدرجة إنه بيخلي ذكرهم مقرون بذكر أعظم العبادات]
ورغم كل المميزات الي ربنا إدهاني إلا إنه أبعد عني التكبّر والشقاء , فخلاني متواضع متذلل لكرمه عليا , وبكده بقيت سعيد في الدنيا والآخرة [والسعادة عكس الشقاء]
(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) .. [سورة مريم]
كان آخر كلامه في المهد إقرار منه بنعمة تانية كبيرة , هي إن ربنا أنعم عليه بالسلامة من الاهوال في تلات احوال : يوم ما اتولد , ويوم ما يموت , ويوم ما يُبعث
وهما في الأساس أصعب أحوال بيمروا على بني آدم , فـ ربنا كرّمه فيهم بإنه حماه من الشر والشيطان والعقوبة .. (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) .. [آية 33 : سورة مريم]
_
كِبر سيدنا عيسى ونزل عليه الوحي , ربنا أنزل عليه الإنجيل ومعاه معجزات كتير .. كانت معجزات سيدنا عيسى أغلبها في الطب , لإن المعروف إن ربنا بيجعل معجزة النبي في نفس الحاجة الي قومه بارعين جداً فيها , ولإن قوم سيدنا عيسى كانوا نابغيين في الطب ربنا بعته باللي مايقدرش حد فيهم يعمله مهما بلغ علمه .. فكان :
• لو مسح على أي شخص أعمى - حتى لو كان إتولد أعمى- [أكمه] بيخف فوراً ويبقى بصير قادر يشوف
• لو مسح على أي شخص أبرص بيخف فوراً ويرجع جلده للونه الطبيعي [البرص هو المرض الجلدي الي بيحوّل لون الجلد للأبيض]
• يقدر يحيي الميت [ذكر ابن عباس إن سيدنا عيسى أحيا 4 أشخاص : عازر / ابن العجوز / ابنة العازر "أو ابنة العاشر" / وسام بن نوح
التلاتة الأولانيين كان موتهم قريب , ماتوا من فترة مش بعيدة .. فـ قوم سيدنا عيسى قالوله مايمكن كان عندهم حاجة خلتنا نفتكرهم ماتوا وهما مش أموات [زي غيبوبة السكر عندنا دلوقتي] , وانت فوّقتهم من الحاجة دي .. أي طبيب عالِم فينا كان يقدر يعمل الي انت عملته , ده مش دليل فـ لو إنت فعلا بتحيي الموتى إحيي لنا سام بن نوح "لإنه مات من آلاف السنين" .. فـ راح لقبر سام بن نوح ودعا ربه أن يُحييه فأحياه .. خرج سام من قبره ونص شعره أبيض , سيدنا عيسى قاله انت إزاي شعرك شاب مع ان زمنكم مكنش فيه شيب! , قاله لما دعوتني إفتكرت ان القيامة قامت فـ شاب رأسي من هول الموقف وكثرة الخوف.. شهد سام بن نوح للقوم بـ نبوة سيدنا عيسى وبعدها أماته مرة تانية ]
• من ضمن معجزات سيدنا عيسى إنه لو شكّل الطين على هيئة طائر ونفخ فيه بتدّب فيه الحياة ويتحوّل لطير بإذن الله
• كان بيقول للناس هما أكلوا ايه امبارح مثلا على العشاء , وفاض من الأكل قد إيه شالوه لتاني يوم , وفي العموم بيقولهم زوجاتهم عاملينلهم أكل إيه قبل ماهما حتى يعرفوه , ويقولهم مخبيين إيه في بيوتهم من طعام وغيره , عايز يعرّفهم إنه ربنا أنعم عليه بـ إعلامه ما يخفون من خبايا وأسرار , فـ ملهمش حجة ما يؤمنوش بعد ما يُخبرهم بغيبيات ماحدش يعرفها عن بيوتهم غيرهم
_
سيدنا عيسى كان مبعوث رسول لبني إسرائيل وبس , كانوا ساعتها يهود على دين سيدنا موسى [الي هو التوراة] لكن الدين ده تم تحريفه وإبتدا الأحبار الي هما مفروض يدلّوا الناس على الدين الصحيح هما نفسهم الي بقوا يشوّهوا الدين ويعملوا بيه مصالح شخصية عشان يقدروا يسيطروا على الناس باسم الدين بإعتبارهم أعرف الناس بتعاليم دين موسى وبإدعاء انهم ظل الله على أرضه
فـ برغم إن سيدنا عيسى جالهم عشان يصححلهم العقيدة الي هما حرّفوها وكمان يخفف عليهم بإباحة حاجات كانت محرمة في دين موسى( وَمُصَدقًا لمَا بَينَ يَدَي مِنَ التورَاةِ وَلأحِل لَكُم بَعضَ الذِي حُرمَ عَلَيكُم وَجِئتُكُم بِآيَةٍ من ربكُم فَاتقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) [آية 50 : سورة آل عمرآن] ..
إلا إنهم كفروا وماصدقهوش , حتى الكهنة والأحبار وعلماء القوم , كفروا بيه رغم إعترافهم الكامل داخل أنفسهم إنه معجزة إلاهية وإنه أكيد على حق , لكن مصالحهم الشخصية غلبت عليهم وخلتهم يكدّبوه ويبعدوا الناس عنه (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) .. [آية 52 : سورة آل عمران]
آمن بسيدنا عيسى الحواريون [معنى الحواريين إتقال فيه حاجات كتير , لكن الصحيح إن الحواري هو الناصر , يعني هم الأنصار الي نصروه في دعوته لله]
الحواريين طلبوا من سيدنا عيسى مائدة كبيرة تنزل لهم من السما , ياكلوا منها ويتبرّكوا بيها ويطّمنوا ويتأكدوا ساعتها انهم إتبعوا الحق .. لما قالوا (هل يستطيع ربك) ماكنتش كلمتهم من باب التشكيك إنما كان من باب التلطف في الطلب , هم كانوا عارفين إن ربنا يقدر ينفذ طلبهم .. بس كل معرفتهم بربنا كانت معرفة دلالة وخَبَر ونظر .. فكانوا عايزين معرفة مُعاينة من باب زيادة الايمان وتأكيد اليقين , فـ يبقوا شاهدين لكل الناس على الآية العظيمة دي ويثبتوا نبوة سيدنا عيسى اكتر واكتر
سيدنا عيسى وافق ودعا ربنا إنه ينزّل المائدة بحيث تكون فيها مصلحة الدنيا [ بإنها تبقالهم رزق ياكلوا منه] ومصلحة الدين [بإنها تكون إثبات لـ نبوته وآية مُخلّدة على مر الزمان]..
ربنا إستجاب لكنه توّعد أي حد يكفر منهم بعد تلبية طلبهم ده إنه هيعذبه عذاب شديد ماحدش يتعذب زيه ..
نزلت المائدة ومن عظَمتها إتسمت سورة كاملة في القرآن بإسمها ..
(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) [ سورة المائدة]
فآمن الحواريون بعد المعجزة وإطمنوا وفضلوا على دين سيدنا عيسى , إلا شخص واحد كفر بعد حادثة رفع عيسى
_
حادثة الرفع كانت بدايتها إن الرهبان خافوا على نفسهم وسلطتهم بعد إنتشار أخبار معجزات سيدنا عيسى .. فـ بعتوا لملك ما في المناطق المجاورة , يُقال كان ملك الروم .. قالوله إن عيسى قال إنه مَلك اليهود , وناوي بعدهم ياخد المُلك منك
خاف الملك على مُلكه فـ بعت يدور على سيدنا عيسى عشان يقتله
لما الخبر ده وصل لسيدنا عيسى إجتمع بالحواريين وقالهم مين منكم يقبل إنه يبقى شبهي ويضحي بنفسه , وساعتها هيبقى معايا في الجنة
فقام شاب إتطوع .. لكن سيدنا عيسى حنّ عليه لما لاقاه لسه شاب صغير فـ رَحَمه وماهانش عليه إنه يتقتل
سألهم مرة تانية .. فـ قام نفس الشاب يتطوع .. فعلا نزل على الشاب ده شبه سيدنا عيسى .. و رُفع سيدنا عيسى للسماء .. (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) .. [آية 55 : سورة آل عمران]
طب ليه قال متوفيك ورافعك ؟ هو إتوفى ولا إترفع ؟ وأنهي الي حصل قبل التاني؟
• قتادة وغيره قالوا ده من باب التقديم والتأخير , يعني قدّم الوفاة على الرفع رغم إن الرفع الأول .. ومعنى كده إن ربنا رفعه إليه وبعدها بسنين كتير لما يجي معاد موته في آخر الزمان هيتوفاه ساعتها
• في فئة تانية بتقول إن ربنا أماته قبل رفعه .. مات بشكل مؤقت 3 ساعات "ويُقال 7 ساعات" وبعدها ردت فيه الروح وتم رفعه للسماء
[وفي الحالتين .. هيبقى ده تفسير الكلام الي قولناه فوق , لما قولنا إن ربنا سلّم سيدنا عيسى من تلات أهوال ومن ضمنهم كانت عند موته .. ساعتها كان ممكن حد يسأل موته إزاي مش هو إترفع ولسه مامتش .. الرد إنه قد يكون مات فترة مؤقتة قبل رفعه , وقد يكون المقصود هو موته في آخر الزمان بعد إنزاله كـ علامة من علامات الساعة وقبل البعث الأكبر ..
وفي الحالتين هيحصل له السلامة من أهوال الموت عند موته أياً كان وقت الموت ده]
• اما التفسير الأخير إنه المقصود بالوفاة هي النوم .. زي ما ربنا قال (وهو الذي يتوفاكم بالليل) [ الأنعام : 60] , وفي آية تانية ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) [ الزمر : 42 ]
_
بعد الرفع جم أتباع الملك وأخدوا شبيه سيدنا عيسى وصلبوه وقتلوه (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبه لهم ).. [آية 157 : سورة النساء]
ومسكوا الحواريين وهددوهم وعذبوهم .. فـ كفر واحد منهم
لكن الباقيين فضلوا على دين سيدنا عيسى
_
(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .. [آية 55 : سورة آل عمران]
إتباع سيدنا عيسى ماكنش محصور في الحواريين بشكل خاص أو المسيحين بشكل عام , إنما المقصود هو أي حد صدّق بنبوة سيدنا عيسى وكل معجزاته وآمن بيه وبـ ربه .. فـ النصر هنا درجات : ..
سيدنا عيسى بُعث أصلاً في بني إسرائيل –اليهود- إلا إن إتباع النصارى وتصديقهم ليه كان أقوى وأقرب من إتباع اليهود
وعشان كده ربنا ناصر النصارى لحد دلوقتي أكتر من اليهود
أما اللي أقرب وأقرب لإتباع سيدنا عيسى فـ هم المسلمين .. إحنا كـ مسلمين مش بس مؤمنين بسيدنا محمد إنما كمان إيماننا واصل لسيدنا عيسى وكل الأنبياء المُرسلين , وإتميّزنا عن النصارى بإبتعادنا عن التحريف الي وقع في ديانتهم , فبقينا متبعين حقيقة سيدنا عيسى كما أُنزل من غير زيادة او نقصان
وبالتالي كان إتباعنا للمسيح يستوجب نصر الله لينا
النصر للمسلمين مُتحقق فعلا من زمن الرسول والفتوحات الإسلامية العظيمة في مشارق الأرض ومغاربها , الإنتصار الي كان في أوقات كتير هو إنتصار للمسلمين على النصارى أتباع عيسى نفسهم ..
ولحد دلوقتي المسلم الحق الي ماشي بكلام ربنا من غير أي ميول شخصية أو تعصبّات - ما أنزل الله بها من سلطان- ده هتلاقيه دايماً منصور , ولو جادل حد من أهل الكتاب لـ إنتصر عليه بأمر الله وأقنعه بكلامه وقد يكون سبب في دخوله الإسلام زي مابنشوف كتير جداً
أما أكبر الإثباتات على إن الإسلام هو الدين الحق حتى يوم القيامة فـ هو عند علامات الساعة ونزول سيدنا عيسى من جديد .. ساعتها أول اللي هيتّبعوه هم المسلمين من أمة محمد مش النصارى [الي مفروض ديانتهم هي إتباع سيدنا عيسى] ..
سيدنا عيسى هيحكم بالإسلام ساعتها ومش هيرضى بغيره ديانة , هنا بقى النصارى هيتأكدوا إنهم كانوا في ضلال فـ يتّبعوه ويتّبعوا الاسلام .. وإتباعهم ده بحد ذاته هيأكد إيمانهم وحسن نيتهم , لإن المؤمن الحقيقي هو الي بيبحث عن الحق , وأول ما يتبيّن ليه طريق الحق بيتبّعه من غير تعصبات أو إصرار أو عِند أو إعراض
_

قبل نهاية القصة وقبل رفع سيدنا عيسى للسماء بشّر أتباعه بـ مجيئ حبيبنا النبي بعده ليكون آخر النبيين وخاتم المُرسلين ..
هنا هتخلص قصة سيدنا عيسى لكنها هترجع تكتمل من جديد عند إقتراب الساعة ..
_
 


قصص الانبياء قصة سيدنا لوط


سيدنا لوط في الأصل كان من نفس قرية سيدنا إبراهيم .. والأكتر إنه كان قريب سيدنا إبراهيم [كان ابن أخو إبراهيم ] لما نزلت الرسالة على سيدنا إبراهيم وإبتدا يدعو قومه .. سيدنا لوط كان من أول الناس الي آمنت بـ عمه إبراهيم [أغلب الظن إنه الوحيد هو وساره الي آمنوا برسالة إبراهيم في القرية دي ].. (فآمن له لوط) .. [آية 26 : سورة العنكبوت]
بعدها هاجروا هما الاتنين من بلد قومهم وراحوا أرض الشام
سيدنا لوط ساب عمه وإتجه لقرية إسمها ( سدوم / في فلسطين ) .. في الوقت ده ربنا أنزل عليه النبوة فـ بقى مُكلّف هو كمان بدعوة قوم آخرين هم أهل سدوم والقرى الي حواليها [ يُقال إنهم كانوا 7 قرى]

الناس دول كانوا بيعملوا كل حاجة وحشة .. بيقطعوا الطريق ويخونوا الصديق ويوصّوا بعض بالإثم , كان الي بيؤمرهم بالمعروف أو ينهاهم عن المنكر يبقى هو الي غلط ومايسلمش من أذيتهم..
الأبشع من كل المعاصي الي كانوا بيعملوها إنهم زوّدوا عليها كبيرة من الكبائر محدش عملها قبلهم (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) .. [ آية 80 : سورة الأعراف ]
إستبدلوا الإناث بالذكور .. فـ بقت شهوة الراجل للراجل الي زيه أكبر بكتير من شهوته لأي ست (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر) .. [آية 29 :سورة العنكبوت ]
بقت الرجالة في القرية دي هم الأهداف المرغوبة , وأي حد سَوي ونقي وطاهر يبقى في نظرهم مجرم يستاهل الطرد والعقوبة (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) .. [آية 82 : سورة الأعراف ]
حتى أي شخص يمر بالصدفة من مدينتهم [ مسافر أو غريب أو ضيف ] مايسلمش منهم .. مايسبهوش في حاله
كانوا زي المرضى اللي رافضين يتعالجوا .. كانوا بيجاهروا بالمعصية ويعملوها في كل مكان حتى في الطرقات والنوادي .. [النادي هو المكان الي بيجتمعوا فيه بالنهار يتناقشوا ويتشاوروا ويتكلموا .. أما لو كان الإجتماع بالليل فيبقى إسمه سامر مش نادي]
(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ) .. [ آية 29 : سورة العنكبوت]
(أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) ..[آية 54 : سورة النمل]
بقوا يقولوا لسيدنا لوط إستضف انت النساء عندك وسيبلنا الرجالة!
قلب سيدنا لوط كان بينفطر من الحزن بسبب تصرفاتهم .. هو رسول مبعوث ليهم بالهدى , لكن أي هدى لناس زي دول .. فـ كان الحال إن محدش آمن بدعوته غير أهل بيته .. ومش كل أهل بيته كمان .. لإن زوجة سيدنا لوط كفرت وكتمت كفرها .. أظهرت الإيمان لكن من جواها كانت كافرة ومش مقتنعة بدين سيدنا لوط.. [زوجته دي كانت من أهل سدوم أصلا .. إتجوزها بعد ما إستقر في سدوم .. ساعتها كانت زوجته الأولى أم بناته إتوفت]
_
قوم سيدنا لوط مش بس كفروا بـ رسالته دول كمان زوّدوا في أفعالهم وكبائرهم .. وبقوا يهددوا سيدنا لوط , يا يسكت عن دعوتهم ويبطّل يكلمهم عن الطهارة والقيم والأخلاق والفضائل ويدعوهم لله الواحد , يا هيعاقبوه ويطردوه هو وأهله من البلد .. (قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المُخرَجين( .. [ آية 167 : سورة الشعراء ]

كان رد سيدنا لوط عليهم رد ثابت مش خايف ولا متردد .. صمم على موقفه وأعلنها صراحةً إنه ضد الي بيعملوه وهيفضل ضده (قال إني لعملكم من القالين) .. [ آية 168 : سورة الشعراء ]
وبعدها لجأ لـ ربه بالدعاء .. قاله يارب نجيني من الي بيعملوه (رب نجني وأهلي مما يعملون ) .. [ آية 169 : سورة الشعراء ]
لكن هم فضلوا في اللي هما فيه .. وزادوا فيه أكتر وأكتر , وصل بيهم الحال انهم مش شايفين غير شهوتهم وبس .. مش قادرين يفوقوا ومش عايزين يفوقوا
آخرة إيه الي بيتكلم عنها النبي .. خلاص هما همهم الوحيد الدنيا وبس ..
قالوله (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) .. [ آية 29 : سورة العنكبوت ]
فـ حق عليهم العذاب .. وإستجاب الله دعوة نبيه
_
ربنا بعت ملائكة العذاب لقوم لوط .. راحت الملائكة دي الأول لـ سيدنا إبراهيم وبشرّوه بـ ابنه إسحاق [زي ما حكينا في قصة سيدنا إبراهيم] .. وقالوله إن ربنا باعتنا لـ قرية ظالمة هي قرية سدوم , هنعذب أهلها ونخليهم عبرة .. سيدنا إبراهيم في عز فرحته بالبُشرى العظيمة الي بشرّوهاله إلا إن رحمته كانت أكبر من فرحته .. فـ فوراً فكر في سيدنا لوط .. حاول يجادل الملائكة , قالهم بس سدوم دي فيها لوط .. قالوله ربنا أعلم باللي فيها وهو سبحانه أخبرنا بمن فيها , وهينجّي لوط وأهله ماتخافش عليهم .. وماتجادلناش في أمر الله لإنه قضاه وكتبه خلاص فلآزم يتنفذ ..
(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) .. [ العنكبوت]
( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (.. [هود ]
_
خرجت الملائكة من عند سيدنا إبراهيم مُتجهين لقوم لوط .. في الوقت الي وصلوا فيه كانت بنت سيدنا لوط بتملى ميّة من النهر عند أسوار المدينة كده .. الملائكة الي كانوا مُتمثلين على شكل بشر عاديين , كلموها وسألوها نقدر ننزل عندكم الليلة ؟
هي شافتهم رجالة و وسيمين ..فـ خافت عليهم من القوم الكفار الظالمين .. قالتلهم خليكم مكانكم ماتتحركوش ..
هروح أجيبلكم والدي ولحد مايجي ويأذن لكم بالدخول ماتدخلوش ..
راحت جري تقول لأبوها لوط .. أول ما عرف راح بسرعة للضيوف خوفاً عليهم من ان حد يشوفهم فيطمع فيهم
أول ما شافهم خاف عليهم وشال همهم .. (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)
قالهم انتم جايين منين وكنتم رايحين فين ؟ حاول يعرف إتجاههم والبلد الي هما عايزينها علشان يدلهم على الطريق ويمشوا بسرعة قبل ماحد يشوفهم ويئذيهم
هما سكتوا وماردوش .. لكنهم طلبوا منه الضيافة ..
إستحى منهم سيدنا لوط .. ضيوف وطالبين منك تكرمهم ماينفعش ترد طلبهم
فأخدهم معاه ومشي قدامهم .. بس إستمر في محاولاته لـ إبعادهم .. إلتفت ليهم وقالهم " لا أعلم على وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد"
حاول يوصلّهم الرسالة ويخوّفهم من البلد والي فيها يمكن يمشوا..
لكنهم سكتوا وما علقوش على كلمته ..
قعد يكلمهم عن اهل البلد ويوضّحلهم مدى خبثهم , يحكيلهم انهم بيئذوا الضيوف ويفسدوا في الأرض .. كان جواه صراع ما بين حاجتين .. إنه يحذرهم ويبعدهم عن المكان ده من غير مايحرجهم , وفي نفس الوقت يحافظ على أداب الضيافة
هما كانوا عارفين كل الي بيقوله , بالعكس دول كانوا جايين أصلا عشان يوقعوا العذاب على الناس دي بسبب كل الي بيقوله .. فإستمروا في صمتهم وكملوا مشيهم .. راحوا معاه لحد بيته من غير ماحد يشوفهم ولا يعرف بوجودهم
لكن زوجة سيدنا لوط أول ما شافتهم في البيت اتسللت من غير ما سيدنا لوط يحس وراحت قالت لأهل القرية إن في غرباء غاية في الجمال موجودين في بيت لوط
في مدة بسيطة جداً كان الخبر إنتشر .. راح أهل القرية بسرعة مستعجلين "ومُهرولين" لبيت سيدنا لوط .. (وجاءه قومه يهرعون إليه)
طلبوا منه إنه يخلي الضيوف يخرجولهم برا .. سيدنا لوط ماكنش بييأس وكان لسه مستمر في محاولة النصيحة حتى لو الأمل ضعيف
قالهم (هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) .. [آية 78 : سورة هود]
المقصود ببناتي هنا هو نساء القوم بشكل عام [ لإن النبي بيبقى بالنسبة لـ قومه في مقام الوالد] , فـ هو حب يبعدهم عن الفاحشة بـ توجيههم للإناث الي مخلوقين ومُهيئين ليهم في الحلال .. حَب يقنعهم بالفطرة
وبعدها حاول يفكّرهم بربنا و يصحّي فيهم التقوى (فَاتَّقُواْ اللّهَ)
وفي محاولة يائسة منه للمس النخوة جواهم قالهم (وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) .. [آية 78 : سورة هود ]
يعني لا تُلحقوا بي العار والذل بإنكم تئذوا ضيوفي وتجبروهم على عمل الفاحشة
لكن لا حياة لمن تنادي .. غلبت عليهم شهوتهم وسيطرت عليهم أهوائهم .. فأصرّوا على طلبهم (قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ) .. [ آية 79 : سورة هود ]
إزداد حزن سيدنا لوط , حس إنه لوحده , راجل غريب جاي من بعيد من غير عشيرة تحميه ولا أولاد ذكور يتسند عليهم وينصروه
قفل الباب ورجع لضيوفه .. كان الضيوف هادئين جداً مش باين عليهم أي خوف أو اضطراب
فإندهش سيدنا لوط من رد فعلهم رغم كل الي سمعوه!
إبتدا القوم يخبطوا جامد على الباب
سيدنا لوط في عز الضيق قال ياريت كان عندي عشيرة وقوة تخليني أحمي ضيوفي منهم , أو مكان ينفع أحتمي بيه منهم انا وضيوفي (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) .. [ آية 80 : سورة هود]
سيدنا لوط كان عارف إنه تحت حماية الله الي أشد من أي ركن وأقوى من أي قوة .. لكن المقصود كان رغبته في أي حاجة فورية تمنع الناس دي من إيذاء الضيوف
ومن رحمة ربنا ومن صدق نية سيدنا لوط , ربنا إستجاب فعلا لطلبه قبل حتى مايطلبه .. فـ بعتله الحماية الفورية والقوة الجبارة قبل ما يتمناها ..
[ حبيبنا النبي لما كان بيقرأ الآية دي كان بيقول " رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد " ..]

لما الضيق بلغ ذروته واشتد بـ لوط كربه وقال كلمته
إتحركت الملايكة وقامت , قالوله ماتخافش يا لوط , إنت فعلا تحت حماية ركن ربك الشديد .. إحنا ملائكة وربنا بعتنا هنا عشان ننجيّك .. (وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) [ آية 33 : سورة العنكبوت ] ..
وننفذ العذاب على قومك ..(قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين) .. [ آية 31 : سورة العنكبوت ]
أشار جبريل بـ إصبعه [ أو يُقال بـ جناحه] .. فإتعمى الناس من ورا الباب .. (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) .. [ آية 37 : سورة القمر]
إلتفتت باقي الملايكة لسيدنا لوط وقالوله خد أهلك وأخرج من البلد فوراً
ومحدش فيكم يلتفت ولا يبص ورا أبداً
هتسمعوا أصوات تهتز من فظاعتها الجبال , لكن إوعوا تلتفتوا والي هيلف وشه ناحية القرية بعد ماتطلعوا منها هيصيبه من العذاب زي الي هيصيبهم
تخيل مدى العذاب! .. عذاب بيصيب الشخص بمجرد النظر إليه!

ساعتها الملايكة بلّغت سيدنا لوط إن زوجته كافرة .. هي صحيح هتخرج معاه هو وأهله , لكنها كفرت وكانت من الغابرين , فـ هتلف وشها وهيصيبها زي الي هيصيبهم وبكده يتحقق العدل في إنها ماتهربش من العذاب رغم الكفر ..
(فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) .. [آية 83 : سورة الأعراف] ..
الغابرين معناها الهالكين ..
[وفي تفسير تاني بيقول إنها ماخرجتش معاهم اصلا , يُذكر إن سيدنا لوط بعد ماعرف إنها من الهالكين ما قالهاش إنه هيخرج .. والسبب إنه جاله الأمر الربّاني في الآية (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ) هنا فسرها بعض العلماء إن المقصود باللإستثناء هو إستثناء امرأتك من "فأسْرِ بأهلك" .. فـ بعد مراعاة قواعد اللغة والبلاغة والمُقدم والمؤخر .. هتبقى الجملة " فأسر بأهلك إلا امرأتك"
بمعنى إن ربنا أمره ياخد أهله كلهم إلا زوجته
وفي الحالة دي بيفسروا كلمة "الغابرين" بـ الباقيين للهلاك .. يعني الي قعدوا في البلد ووقع عليهم العذاب .. فتكون هي من الغابرين الي ماخرجوش من البلد وفضلوا فيها وأصابهم العذاب]

سيدنا لوط سألهم هو العذاب هيحصل دلوقتي ؟! [ و في تفسير القرطبي وابن كثير مذكور انه سيدنا لوط إستعجل العذاب لقومه .. فالملائكة ردت عليه بإن معاد العذاب ربنا كتبه وحدده في صباح اليوم التالي , وصبّروه بإن الصباح مش بعيد]
(إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) .. [آية 81 : سورة هود]

[ لكن حتى تأخير العذاب ده كان فيه حكمة .. الظاهر إن دي كانت مهلة لسيدنا لوط مش لقومه .. مهلة للنبي هو وأهله عشان يبعدوا قدر المستطاع عن القرية قبل مايتحقق فيها العذاب]
فعلا فوراً وفي ظلمة الليل خرج هو وبناته[ وقد تكون زوجته خرجت معاهم ] , إبتدوا يمشوا بعيد لحد ما الصبح قرّب ..
_
الصبح إبتدا يطلع والعذاب إبتدا يحصل
جبريل بطرف جناحه إقتلع مدنهم السبعة ورفعها كلها لفووق في السما .. وبعدين قلَبهم مرة واحدة و رزعهم في الأرض .. فـ إتنكّست المدن [ التنكيس هو إنك تقلب الشيء فتخلي راسه تحت , والجزء الأسفل منه فوق]
أثناء ما كانوا بيتقلبوا كان في حجارة من جهنم بتتساقط عليهم من السما .. حجارة ناشفة قوية ومتتابعة , كان مكتوب عليها اسمائهم! من شدة خطأئهم وفظاعة كبائرهم ربنا خصص ليهم حجارة من جهنم بأساميهم! (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) .. [آية 34 : سورة الذاريات]
إستمر المطر وإستمر العذاب .. مات الجميع وإتنكّست المدن في الأرض
قعدت المدن تدخل جوا الارض لحد ما دخلت مقلوبة وإنفجر الماء فـ غطّاها تماماً ..
(إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) .. [آية 34 : سورة العنكبوت ]
(فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود) .. [ آية 82 : سورة هود]
(فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) .. [ سورة الحجر ]
والصيحة المقصود بيها هنا العذاب والهلاك , ويُقال كانت صاعقة كبيرة وأصوات عالية جدا جدا .. بس الصيحة دي كانت مجرد بداية للعذاب الأصعب الي واجهوه بعد كدا .. ومٌشرقين يعني عند شروق الشمس
_
كل ده كان سيدنا لوط وأهله سامعينه ,, سامعين أصوات مرعبة تخلي الي يسمعها يخاف حتى إنه يتخيّل بيحصل فيهم إيه
كلهم قاوموا نفسهم وما إلتفتوش وراهم , إلا زوجته إلتفتت فـ إنتهت في ثواني .. تآكل جسدها وتفتت زي مايكون فص ملح وداب

إنتهى العذاب وإنتهى القوم الظالمين أصحاب الفاحشة العظيمة , لكن العظة ما بتنتهيش .. ربنا خلّى مكانهم موجود من بعدهم عشان يبقى عبرة لغيرهم .. (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون ) .. [آية 35 : سورة العنكبوت]
( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) .. [سورة الصافات]
يعني أهل مكة في أسفارهم للتجارة , كان منهم قوافل بتروح للشام , دول بقى كانوا بيعدّوا على المكان الي كان فيه قرية سدوم دي ذهاباً وإياباً , فربنا بيقولهم إعتبروا وإتعظوا دانتوا بتعدّوا على مكان العذاب صبح وليل..

ربنا كان عايزنا نتفكّر .. كان بيوجّهنا إننا مانعديش القصة كده وخلاص , لازم نفهم هم حصلهم كده ليه , بيقولنا بصوا , لاحظوا , تفكّروا وإفهموا ..
(وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) .. [ آية 84 : سورة الأعراف ]
(إن في ذلك لآيات للمتوسمين) .. [ آية 75 : سورة الحجر]
(إن في ذلك لآية للمؤمنين ) .. [ آية 77 : سورة الحجر ]
_
• العلماء بيقولوا إن مكان المدن السبعة بقى بحيرة غريبة كده ماؤها أجاج شديد الملوحة وكثافة الماء أعظم من كثافة مياه البحر المالحة
في البحيرة دي صخور معدنية ذائبة توحي بإن الحجارة اللي إتضرب بيها قوم لوط كانت شُهب مشتعلة [ يُقال إن البحيرة دي هي " البحر الميت " ! .. الي معروف عنه إن الحياة فيه معدومة لشدة ملوحته وكثافة مياهه]
• قصة سيدنا لوط إتذكرت في القرآن 14 مرة في 14 سورة [سورة الأنعام/ سورة الأعراف/ سورة هود/ سورة الحجر/ سورة الأنبياء/ سورة الحج/ سورة الشعراء/ سورة النمل/ سورة العنكبوت/ سورة الصافات/ سورة ص/ سورة ق/ سورة القمر/ وسورة التحريم ]
ربنا عايز ينبّهنا على الذنب العظيم الي إرتكبوه , ويحذّرنا ويكررلنا العذاب الي حصلهم فـ يوصلّنا العظة والعبرة , عشان نفهم كويس هما عملوا إيه فـ إستحقوا إيه ..
• ربنا مش بيحرّم علينا حاجة غير لمصلحتنا .. مش بيمنعنا من حاجة إلا ويكون فيها ضرر كبير لينا .. رغم إنه خالقنا وليه حرية التصرف فينا .. هو الوحيد اللي ليه حق المنع بدون أسباب , لكنه مابيستعملش الحق ده , وفي كل مرة بنكتشف إن المنع كان بأسباب وأسباب قوية جداً كمان ..
وعشان كدا إكتشفوا حديثاً أسباب منع الشذوذ الجنسي المتمثلة في أضراره ..
من ناحية صحية أضرار الشذوذ كتير جدا .. خد عندك :
[العُقم / الإيدز / الزهري / السيلان / الهربس / مرض السويداء /إرتخاء عضلات المستقيم وتمزقه / التيفود والدوسنتاريا / خلل بالجهاز المناعي / المندثرة / سرطان الشرج / عدم التحكم في اخراج الفضلات مما يسبب التلوث وعدم الطهارة الدائم ]
وعن الصحة العامة فـ هو بيسبب لصاحبه ضيق في الصدر وخفقان في القلب وله تأثير على خلايا المخ, ده غير اضطرابات الحصر النفسي واضطراب دائم في النفسية والمزاجية ..
من ناحية إجتماعية , جريمة الشذوذ بتسبب عدم رغبة الرجل في المرأة وبالتالي إنقطاع النسل ومع مرور الزمن هيكون ده سبب كافي لفناء البشر ..
_

قصص الانبياء سيدنا اسماعيل

سيدنا إسماعيل كان الإبن البِكر لسيدنا إبراهيم .. الولد الي ربنا رزق بيه خليله إبراهيم بعد إنتظار سنوات كتير كان محروم فيها من الذرية
بس سيدنا إسماعيل ماكنش أي ذرية .. دا كان نِعم الابن البار الي بيعين والده على كل حاجة حتى لو على حساب نفسه .. بيسمع كلامه وبيطيعه في أي أمر قبل حتى ما يعرف أسبابه
بِرّ سيدنا إسماعيل وقوة إيمانه بيبآنوا من بداية حياته
من ساعة ماسيدنا إبراهيم جاله الأمر الإلاهي بـ إنه يسيب هاجر وابنها إسماعيل في مكة , رغم إن مكة ساعتها كانت مكان مهجور مافيهوش إنسان ولا أي حاجة تعين على الحياة.. صحرا مافيهاش ميّة ولا أكل ..
فـ كان الإختبار الأول لسيدنا إسماعيل إختبار صعب جداً واجهه وهو لسه رضيع!
صحيح إنه كان طفل ساعتها ومفيش في إيده حاجة.. لكن بِرّه كان واضح لما كِبر وابتدا يفهم , ما زعلش من أبوه , ماقالش ده سابني وانا رضيع وما سألش فيا!
بالعكس كان مُتفهّم إن ده أمر ربآني , ورغم إنه طفل بريئ ماكنش لسه يوعى على حكمة ربانية عظيمة زي دي .. إلا إنه كان راضي ومسلّم لحكمة ربه ..

عاش حياته وسط قبيلة جُرْهم وباقي القبائل الي ربنا بعتها لتعمير مكة بعد إنفجار بئر زمزم فيها
تأقلم مع الناس وحبهم وحبوه .. وكان حب أبوه إبراهيم في قلبه أكبر من أي حاجة
كان بيستناه في الزيارات الي بيزورهم فيها عشان يطمّن عليهم
ماكانش بيعامله بجفاء لما يجي , بالعكس كان بيرّحب بيه جداً وبيعينوا على تنفيذ أوامر ربه
_
بعد سنين قليلة , كِبر سيدنا إسماعيل شوية وإبتدا يسعى في طلب الرزق لأمه , ويقدر يروح ويجي مع أبوه ويسعى معاه في أمور دنياه "بلغ السعي" , فكان في أكتر مرحلة عُمرية بيحب الاباء فيها ابنائهم ويفرحوا بيهم ,المرحلة الي بيحسوا فيها إن مشقة تربيته وهو طفل صغير إنتهت , وإبتدت منفعته فبقى يساعد أهله ويقدروا يعتمدوا عليه ..
في عز الحب ده وتعلّق أبوه وأمه بيه .. كان الإختبار التاني
جاله أبوه في يوم من الأيام وقاله يابني أنا شوفت رؤيا إني بدبحك .. ورؤيا الانبياء أوامر ربّانية .. فإنت رأيك إيه
إسماعيل الي ماكنش لسه عنده من مقومات الرجال الأقوياء أو الأنبياء الحكماء الي يخليّه يستحمل تنفيذ أمر زي ده [ يُقال إن عمره ساعتها كان 13 سنة ]
لكنه ما إعترضش ولا حتى فكّر .. كان رده عاقل مؤمن مسلّم لأمر الله راضي بقضاءه ومقتنع بـ حِكمته
قاله إعمل الي ربنا أمرك بيه يا والدي .. وإن شاء الله ربنا هيصبرني ..
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) .. [ آية 102 : سورة الصافات]
الأمر بالذبح ماكنش إختبار لسيدنا إبراهيم وبس .. لكن كمان كان إختبار لسيدنا إسماعيل ..
أثبت إيمانه وتوّكله على ربه وتسليمه الأمر للي خلقه
فـ جازاه ربه بـ إنقاذ حياته وإنزال خروف كبير من السما فداء ليه .. خروف سمين وعظيم قعد يرعى في الجنة 40 سنة [ذكر بعض العلماء منهم ابن عباس إن الخروف ده هو قربان هابيل ابن آدم الي قدّمه تقرباً لله فـ تقبّله الله وحفظه لحد ما جيه معاد إنزاله مرة تانية للأرض بس المرادي كـ فداء لـ سيدنا إسماعيل ]

ومن هنا بقى يوم إنقاذ سيدنا إسماعيل تاني أعياد المسلمين حتى قيام الساعة .. إتسمى عيد الأضحى لإننا بنضحي فيه بـ خروف تقرّباً لله وإمتثالاً لأمره ..
ربنا خلّى رد فعلهم على الإبتلاء مُخلّد في ديننا عشان ناخدهم قدوة ونستشعر مدى عمق الإيمان الي كان سبب في التضحية العظيمة دي ..
_
سيدنا إسماعيل كان نبي ورسول مُرسل لـ القبائل الي سكنت مكة بعد إنفجار بئر زمزم وبقوا بمثابة أهله وناسه وقومه وعشيرته رغم إن مفيش أي صلة قرابة أو دم بتجمعهم
بُعث ليهم يدعوهم لعبادة الله وحده ويحثهم على الصلاة والعبادة
من صفات سيدنا إسماعيل إنه كان صبور , حليم , صادق الوعد زي ما ربنا قال عليه في كتابه (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيًّا (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيًّا) [مريم]
ومرضيّا هنا معناها إن كل صفاته الحسنة دي خلّت ربنا يرضى عنه ويرضيه

كان فارس ويُقال إنه أول من أستأنس الخيل .. بمعنى إن الخيل قبل كده كانت وحوش محدش بيقدر عليها , لكن سيدنا إسماعيل كان بيحبها جدا فـ دعا ربنا إنه يعينه على ترويضها عشان الناس تقدر تستعملها في السفر والحروب وتستفيد من سرعتها وقوتها .. فـ روّضها ومن ساعتها وهي على حالها الي احنا شايفينه دلوقتي [.. حبيبنا النبي كان بيقول (اتخذوا الخيل واعتبقوها، فإنها ميراث أبيكم إسماعيل) ..]
كان رامي سهام ويُقال كان أول من رمى بـ سهم .. [ وسيدنا النبي كان بيشجع الشباب وهما بيتدّربوا على الرمي بالسهام فيقولهم (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا ) ..]

كان أول من نطق بالعربية المُبيّنة .. يعني العربية الصحيحة السليمة تماماً , اللغة الفصيحة بدون أي أخطاء ..
ساعتها كان في من اهل الجزيرة قبائل بتتكلم العربية قبل سيدنا اسماعيل ..[ زي العُربْ و جُرْهُم] .. بس العربية انواع , ففيه عرب العاربة وعرب البائدة وفيه غيرهم , اما سيدنا اسماعيل فكان من عرب المستعربة .. وكان أكثرهم فصاحة فيها كمان
عشان كده يعتبر اول من نطق بالعربية المبيّنة ,, يعني هو اتفوّق على الي علموه [سيدنا النبي قال إن الأنبياء العرب 4 هم : هود , صالح , شعيب ومحمد صلوات الله عليهم جميعاً
في الحديث ده سيدنا النبي ما ذكرش سيدنا إسماعيل مع إنه أول من نطق بالعربية المُبيّنة .. بس بعد ما عرفنا قصة سيدنا إسماعيل أكيد فهمنا ليه حبيبنا النبي ماجابش سيرته
سيدنا إسماعيل ما إتولدش من أصول عربية .. لكنه بعد ولادته نشأ بين قبائل عربية وإتعلم منهم اللغة وتزوج منهم وتكاثرت ذريته وتزاوجوا من العرب فأصبح نسله عربياً وهو ده النسل الي جيه منه سيدنا محمد فأصبح نبياً عربياً
ويبقى ده تكريم كافي جداً لذرية إسماعيل كلهم إن ربنا هيخصص ظهور حبيبه النبي من نسلهم
حبيبنا النبي كان بيقول : (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ]

سيدنا إسماعيل كان ذا مكانة كبيرة وشأن رفيع عند قبائل بئر زمزم , كلهم بيحبوه ويحترموه .. لما كبر إتجوز منهم.. لكن حتى جوازه كان فيه إختبار
الإختبار المرادي كان أمر مباشر
_
في مرة سيدنا إبراهيم سافر لمكة عشان يطمن على سيدنا إسماعيل .. كانت أول مرة يزوره بعد ما إتجوز
فـ زوجة سيدنا إسماعيل ماكنتش تعرف إن ده أبوه
فتحتله الباب وسألها عن إسماعيل .. قالتله مش موجود .. راح يصطاد و يدّور على رزق لينا
سألها إنتوا أخباركم إيه وعايشين إزاي
فقالتله احنا في شدّة وفقر , وإشتكتله الحال ..
سمع منها وقبل ما يمشي ويسيبها وصّها انها تقول لجوزها لما يرجع " أقرئيه السلام وأخبريه يُغيّر عتبة بابه"
شوية ويرجع سيدنا إسماعيل وتحكيله مراته الي حصل وتقوله ده في راجل شكله كذا وكذا [ يُقال والله اعلم إنها ذمت فيه , يعني قالت شيخ عجوز كده وهيئته غريبة – أو ما شابه- ], جيه وسأل عليك .. سألني اخبارنا إيه فقولتله اننا تعبانين وفي شدّة وضيق .. فيسألها وماقالكيش حاجة ؟
تقوله آه بيسلم عليك وبيقولك "غيّر عتبة بابك"..
فيفهم ان الراجل ده هو أبوه .. ويطلع معنى الوصية انه يطلق مراته ..
طلاقه لمراته جايز يكون لإنها ست شكّاية لدرجة إنها بتشتكي لراجل غريب ماتعرفوش!.. بتبص على النواقص وتشتكيها من غير ماتشكر ربنا على النِعم الكتير الي عندها ..
ويُحتمل إن يكون سيدنا إبراهيم إستشعر فيها من الصفات السيئة الي يخليها ماتصلحش زوجة لابنه إسماعيل
أياً كانت الأسباب المهم إن ده كان يُعتبر إختبار آخر لسيدنا إسماعيل .. أمر مباشر بتطليق زوجته من غير إعلان أسباب واضحة ومن غير حتى ما يكلم أبوه وجه لوجه ويفهّمه
لكن سيدنا إسماعيل زي ما إتعودنا منه كان قد الاختبار وأطاع الأمر بدون أي إعتراض .. فطلقها [رغم إن مش من طاعة الأب الشرعية إنه لو أمر ابنه بتطليق زوجته يطلّقها .. مش واجب عليه شرعاً يطيعه , طالما الزوجة صالحة وذات خلق يبقى الأولى إنه يحافظ على بيته .. لكن هنا الوضع مختلف , ده نبي حكيم وأب عاقل .. إستحالة كان هيؤمره بأمر زي ده غير ويكون فيه مصلحته .. هو جايز ماكنش عارف إيه المصلحة ساعتها , لكن كان عارف إن رؤية أبوه أشمل وإنه لو أطاعه هيسلَم ..]
ربنا عوّضه وإتجوز واحدة تانية .. وبعد سنين يجي تاني سيدنا ابراهيم يطّمن عليه .. وبردو مايلاقيهوش .. فـ مراته الجديدة تقوله اتفضل كُل حاجة أو اشرب حاجة .. فيسألها "وما طعامكم وما شرابكم؟" .. تقوله " طعامنا اللحم وشرابنا الماء" .. فيدعيلهم "اللهم بارك لهم في اللحم والماء " .. وفي رواية "اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم"
[الي يعيش على اللحم والماء بس بتجيله أمراض .. جسمه مابيرتاحش عليهم لوحدهم عشان كدا لازم يكسر الروتين بأي أكل تاني .. الكلام ده ماشي في كل الدنيا إلا في مكة! .. في مكة بس لو عشت على اللحم والماء لوحدهم أو جعلتهم أساس غذاءك مش هيجيلك أمراض ومش هيحصلك حاجة
سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم كان بيحكي عن الجزئية دي ويقول " هذه بركة دعوة إبراهيم " ..]
يرجع سيدنا إبراهيم يسألها عن حالهم واخبار العيشة .. تقوله بخير وفضل ونعمة .. تشكر ربنا وتُثني عليه
فالمرادي قبل مايسيبها ويمشي يوصيها تقول لجوزها لما يرجع "أمسك عليك عتبة بابك"
بعد يرجع سيدنا إسماعيل للبيت مراته تقوله في شيخ كبير و شكله باين عليه السماحة جيه وسأل عليك .. وتحكيله الي حصل .. وتبلّغه الوصية ..
فـ يحافظ عليها ويطمّن إنه ربنا عوّضه خير بـ زوجة صالحة يستاهلها وتكونله بالأخلاق وحُسن المعاملة الي ترضي الله ورسوله إبراهيم
_
تمر فترة الله أعلم بيها .. ويوحي الله لنبيه إبراهيم بـ بناء الكعبة
فـ يروح لإبنه اسماعيل في مكة .. المرادي يلاقيه قاعد تحت شجرة عند بير زمزم .. فيسلّموا على بعض ويحضنوا بعض ويفرحوا برؤية بعض
ومن بعدها سيدنا إبراهيم يقوله إن ربنا أمرني بأمر
سيدنا إسماعيل الي شبّ على طاعة أوامر ربه وكان بيتأكد كل مرة من حكمته العظيمة ورا أي أمر بعد تنفيذه .. من قبل ما يعرف أي تفاصيل قال لأبوه "إصنع ما أمرك به ربك "
فسيدنا إبراهيم يسأله .. هتساعدني ؟
يقوله هساعدك ..
فيبلّغه إن ربنا أمره ببناء بيته الحرام في المكان ده
يبتدوا فعلا يبنوه ويوّزعوا الشغل عليهم , فيبقى سيدنا إسماعيل هو الي بيجيب الحجارة والادوات ويحضّر الحاجة .. ويناول أبوه إبراهيم علشان يبني البيت الحرام ..
بناء الكعبة كان أصعب من تصوّر أي حد .. كانوا لوحدهم بيحفروا الأرض لعمق مناسب عشان الأساس .. ويروحوا كل شوية يجيبوا حجارة من الجبال القريبة والبعيدة , يشيلوها وينقلوها ويرصوها ويعلّوها .. كانوا بيقوموا بدور المهندس والبنّاء والشيّال والعُمّال وفريق العمل كامل .. كانوا شخصين بس بيقوموا بمجهود محتاج مجموعة كبيرة من الرجال

لكنهم رغم كل الجهد والتعب والمشقة ما إعترضوش على أمر الله ولا أنسبوا الفضل لنفسهم بعد الإنتهاء .. بالعكس كانوا طول ما هما شغالين بيدعوا ويرددوا الدعاء (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) [البقرة]
في عز ماهما مُجهَدين وبينفذوا أمر ربنا كانت العقيدة والمناسك شغلاهم .. كان دعائهم مُتضمّن إكمال العقيدة وتوضيّح المناسك ليهم ولذريتهم .. كأنهم عارفين وبيعرّفونا إن البيت الحرام هو رمز العقيدة

فلما إرتفع البناء شوية .. وسيدنا إبراهيم مبقاش يطول الحجارة عشان يبني فوقيها .. سيدنا إسماعيل جاب حجر لأبوه عشان يقف عليه ويكمل بناء أعلى وأعلى [ الحجر ده موجود لحد دلوقتي في الحرم , هتلاقي آثار رجلين سيدنا إبراهيم عليه وعشان كده إتسمى بـ مقام إبراهيم "قام عليه لبناء الكعبة" , ربنا ذكر المقام ده في القرآن وأمرنا نصلي فيه (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) [آية 125 : سورة البقرة]
من السُنة إن أي حد يعمل عمرة أو حج يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم بعد مايخلص طواف ]

سيدنا إبراهيم وإسماعيل كملوا على الحال ده حتى إكتمل بناء الكعبة


فـ جاء جبريل بحجر من الجنة اسمه "الحجر الأسود" .. [ الحجر الأسود عند نزوله من الجنة كان لونه أبيض لكنه إتحوّل للسواد بسبب ذنوب بني آدم .. حبيبنا النبي قال "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" ]
حطوه في بيت الله جوا جدران الكعبة [على إرتفاع متر تقريباً شمال باب الكعبة]
ومن الحجر الأسود بقى يبتدي الطواف وبيه بينتهي ..
_
• تحديد المكان الي إتحط فيه الحجر الأسود ماكنش عشوائي أو إختياري من سيدنا إبراهيم .. إنما كان بإلهام ربّاني , والي يثبت كده إن تحليل الموقع ده هندسياً بيأكدلنا تميّز ودقة إختياره لإن النسبة الهندسية بين الحائط الجنوبي الغربي للكعبة , والحائط الشمالي الشرقي ليها هي "النسبة الذهبية" (فاى)! .. [دول الحائطين المُلتقيان عند ركن الحجر الأسود]
(فاي) دي تعتبر من وجهة النظر الهندسية أفضل نسبة مريحة للعين البشرية وتٌشكّل أحد أهم معايير الجمال في الطبيعة ..
المعجزة إن النسبة دي ما إتحددتش أصلا غير في عصر الحضارة الإغريقية على إيد الرياضي الأغريقى "فيثاغورس" [وعليها قامت الحضارة الاغراقية لإن اليونانيون القدماء إعتمدوها في عمائرهم]
• وبما إن إختيار مكان الحجر الأسود كان بالدقة دي .. فمن البديهي إن إختيار مكان الكعبة نفسه ماكنش عشوائي إنما كان بوحي إلاهي ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) .. [ آية 26 : سورة الحج]
• ولو توّسعنا في البحث هنلاقي إن موقع مكة المكرمة نفسه متميز جدا لإن اليابسة على سطح الكرة الأرضية متوزعة تقريباً حول مكة المكرمة توزيع منتظم .. بمعنى إن مكة تعتبر مركز لليابسة
موقعها ده فريد من نوعه لدرجة أن خلّى أحد الباحثين الغربيين [ واسمه "أرنولد كيسرلنج" Arnold Keysrling ] يُطالب بأن يكون خط طول مكة المكرمة [ الي هو 39 درجة و49 دقيقة شرقا ] هو خط الطول الأساسي بدل خط طول جرينتش بإنجلترا [اللي تم فرضه على العالم وقت ما كانت الإمبراطورية البريطانية هي أكبر قوة موجودة في العالم سنة 1882م]
_
ملاحظة : في أجزاء في القصة ما دخلتش في تفاصيلها [زي موقف ترك إسماعيل وأمه في مكة , وموقف الذبح] ده لإني سبق وحكيتها في قصة أبو الأنبياء إبراهيم 





قصص الانبياء قصة سيدنا اسحاق ويعقوب

سارة زوجة سيدنا إبراهيم كانت عقيمة مابتخلفش .. وهو كان نفسه في ولد يكونله عمل صالح ويخدم دين الله
سارة حست بجوزها فـ ضحّت عشانه وساهمت في تحقيق رغبته , بإنها وَهبتله الخادمة الي الجبّار إدهالها هدية
الخادمة دي كانت ستنا هاجر , قالتله يتجوزها يمكن ربنا يرزقه منها الابن الي نفسه فيه .. وقد كان .. [ زي ماحكينا في قصة أبو الأنبياء وقصة سيدنا إسماعيل]
لكن من بعد ولادة إسماعيل وهجرته هو وأمه لمكة
ربنا مانسيش سارة .. الست الي ضَحت وكانت نيتها خالصة فـ كان جزاءها إن ربنا عوّضها وكافئها
التعويض والمكافئة ماكنتش بس على صبر سارة وإيثارها
إنما كمان كانت مكافئة كبيرة لسيدنا إبراهيم بعد ما صِبر على الاختبار العظيم [ في أمر الله بـ ذبح إسماعيل زي ماحكينا في قصة أبو الأنبياء]
مَن ترك شيئاً لله عوضه الله خير .. وأبو الأنبياء إبراهيم ترك أغلى ما يملك , ولده الوحيد إسماعيل , تركه تنفيذاً لأمر الله من دون حتى مايعرف الحكمة من الأمر ده
فـ كان التعويض بدل الخير خيرين
• خير في إن ربنا حفظله ابنه إسماعيل وفداه بكبش عظيم ..
• وخير في إن ربنا زاده من فضله ورزقه ابن جديد رغم كِبر سنه ورغم عُقم زوجته ساره
الابن الجديد كان سيدنا إسحاق .. الابن الي خبر الحمل بيه ماكانش عادي
ربنا توّج الخبر بـ إن الي بلّغهم بيه كانوا ملائكة مُرسلين من عند الله .. مش زي أي حمل بتعرفه من طبيب أو غيره ..
دول مش أطباء , دول مش بني آدميين , دول مش من الدنيا أصلا , دول ملائكة من السما ربنا باعتهم مخصوص عشان يبشرّوهم البشرى العظيمة دي .. بُشرى بـ طفل اسمه إسحاق ومن بعد ما يكبر هيبقى ابن صالح , هيبقى نبي كريم, وهيبقى من ذريته أغلب الأنبياء والمُرسلين ..
فـ يكون التعويض الأمثل لصبر سارة وتضحية إبراهيم ..

الملائكة لما جت لسيدنا إبراهيم كانوا على شكل بشر عشان مايخافش منهم
فإستقبلهم أحسن إستقبال وإستضافهم في بيته وأكرم ضيافتهم .. دبحلهم عجل سمين من أحسن الماشية الي عنده , شواه وعمل منه أكل كتير وقدّمهلهم ..
(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) .. [آية 69 : سورة هود] ..
حنيذ يعني مشوي
( فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُون) [ سورة الذاريات]
[.. قال العلماء عن الآية دي إنها بتلخّص أداب الضيافة بكل بساطة وإيجاز وبلاغة : ..
• سيدنا إبراهيم جابلهم الأكل فوراً وبسرعة ومن غير ما يحسوا "فراغ إلى أهله" ..من غير ما يتمنن عليهم أو حتى يحرجهم بسؤال "أجبلكم أكل؟"
• جابلهم أحسن حاجة عنده .. هو كان أغلب ماله أبقار فإختار أحسن عجل عمره مناسب ولحمه كتير وقدمه للضيوف
• قرّبلهم الأكل لحد عندهم .. ما حطهوش وقال تعالوا قربوا , لاحظ لأي درجة كان بيتجنب إحراجهم ..
• ما أمرهمش بطريقة ناشفة وصارمة , بالعكس ده عرض عليهم الأكل بكل لطف وتودد قالهم " ألا تأكلون " ..]

لكنهم رغم لطفه معاهم مارضيوش ياكلوا حاجة أبداً [وفي عُرفهم الي مايرضاش ياكل من أكل بتقدمهوله يبقى ناوي يئذيك]
فـ إبتدا يقلق منهم وخاف وكتم خوفه
لما هما حسوا إنه إبتدا يخاف كشفوله عن شخصيتهم .. قالوله ماتقلقش إحنا ملائكة مُرسلين من ربك لقوم لوط [عشان ينفذوا العذاب زي ماحكينا في قصة سيدنا لوط ] ..
ربنا بعتنا نبشرّك بإنه هيرزقك إسحاق ومن بعده هيكونلك حفيد إسمه يعقوب ..
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ) .. [ آية 28 : سورة الذاريات]
(فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) .. [سورة هود]
[ في تفسيرات عن حادثة الذبح والرؤيا بتقول إن المقصود فيها كان إسحاق مش إسماعيل! , وإن سيدنا إبراهيم كان هيدبح إسحاق وربنا فداه بالكبش ...إلى آخره
الآراء دي بنتأكد من خطأها بالآية الي فاتت دي .. لإن الملايكة لما بشرّوا سيدنا إبراهيم كانت البُشرى تتضمن حفيده يعقوب كمان .. فمش منطقي إن ربنا يؤمره بذبح إسحاق رغم إنه عند ولادته بشرّه بإنه هيكونله حفيد من إسحاق اسمه يعقوب .. بكده بنتأكد إن الي كان مع سيدنا إبراهيم في حادثة الذبح كان بالتأكيد الابن التاني وهو إسماعيل .. ده مجرد تصحيح معلومة للي كان عنده إلتباس ومُعتقد إن الابن الي كان مع سيدنا إبراهيم في حادثة الذبح هو إسحاق]

سيدنا إبراهيم إندهش من البُشرى و قالهم إزاي ده انا راجل كبير [ يُقال إنه ساعتها كان قرّب على 100 سنة أو تجاوزها ] ..
الإندهاش ماكنش من سيدنا إبراهيم لوحده , زوجته سارة كمان كانت سامعة الحوار ده كله , فإستغربت وضربت خدها أو بالأصح لطمت لا إرادياً من الصدمة "صكت وجهها"
قالتلهم أجيب طفل إزاي وانا كنت في شبابي عقيمة مابخلفش ودلوقتي زاد على العُقم إني بقيت عجوزة ما أستحملش آلام الحمل والولادة ..
قالولهم ربنا قادر على كل شيء , وهو العليم بالي تستحقوه من الكرامات , والحكيم في أفعاله وأقواله , الحميد الي يستاهل الحمد على النِعم الي وهبهالكم , والمجيد الي يستحق التمجيد والثناء والتكريم
(فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) .. [ آية 30 : سورة الذاريات]
(قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72 (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) .. [ سورة هود]
وقد كان .. مافاتش وقت كبير كانت البشرى إتحققت وسيدنا إسحاق إتولد
_
• في القرآن ربنا ما ذكرش أي تفاصيل عن سيدنا إسحاق غير موقف ولادته .. إجمالي الآيات الي إتذكر فيها هي 16 آية .. أغلبهم بيأكدوا على فضله ومكانته وبيوصفوه بالصلاح وبينسبوا ليه البركة وبيعرّفونا إنه كان نبي وأُنزل عليه الوحي زي باقي الأنبياء
(قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) .. [البقرة: 133]
(وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ) .. [البقرة: 136]
(أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى) .. [البقرة: 140]
(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) .. [آل عمران: 84]
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى ) .. [النساء: 163]
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا ) .. [الأنعام: 84]
(فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) .. [هود: 71]
(كَمَا أَتمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ) .. [يوسف: 6]
(وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) .. [يوسف: 38]
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) .. [إبراهيم: 39]
( وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً) .. [مريم: 49]
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) .. [الأنبياء: 72]
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) .. [العنكبوت: 27]
(وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ) .. [الصافات:112]
(وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ) .. [الصافات: 113]
(وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) .. [صّ: 45]

• أما ذِكره في الأحاديث ففي حديث عن حبيبنا النبي عليه الصلاة والسلام كان بيمدح فيه 4 أنبياء من ضمنهم سيدنا إسحاق .. قال : (إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام)
الأربعة دول هم 4 أنبياء ورا بعض على طول , كل واحد فيهم أب للتاني , فهي سلسلة متتالية بتبدأ من سيدنا إبراهيم الي جاب ابنه إسحاق الي خلّف يعقوب الي هو أبو يوسف ..عليهم السلام جميعا ..
لو دوّرنا في الأنبياء كلهم مش هنلاقي 4 ورا بعض بالتقارب ده وبصلة القرابة من الدرجة الأولى بالشكل ده
_
التكريم في الحديث ماكانش بس لسيدنا إسحاق , إنما كان بيشاركه في المديح ابنه يعقوب
سيدنا إسحاق رُزق بطفلين توأم , سمى الأول عيص [ أو العيص أو يُقال عيصو] والتاني سماه يعقوب [يُقال لإنه جاء في عقب أخيه] .. سيدنا يعقوب هو الي الملائكة لما جت تبشّر إبراهيم بإسحاق بشرّته كمان بيعقوب ابن اسحاق
وفعلا عاش سيدنا إبراهيم لحد ما ابنه اسحاق كبر واتجوز وخلّف يعقوب والعيص
وعند وفاة سيدنا إبراهيم كانت وصيته لولاده ولحفيده يعقوب بالتمسك بالدين والتأكيد على عبادة الله وحده ليهم ولذريتهم من بعدهم ..[وده يأكدلنا إن يعقوب كان حاضر وفاة جده إبراهيم]
(وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).. [آية 132 : سورة البقرة ]
_
يعقوب لما كبر ساب أرض كنعان [ فلسطين] الي كان عايش فيها أبوه إسحاق وأهل سيدنا إبراهيم .. سافر منها وراح يعيش عند خاله في بلد اسمه حران [في العراق / بلد سيدنا إبراهيم الأصلية] ..
خاله ده كان عنده بنتين الكبيرة إسمها "لِيَا" والصغيرة اسمها "راحيل"
راحيل كانت جميلة وأخلاقها حلوة فـ خطفت قلب سيدنا يعقوب وطلب إيدها
خاله شرط عليه إنه يرعى الغنم بتاعته 7 سنين وبعدها هيجوزه بنته
سيدنا يعقوب نفذ الشرط أو نقدر نقول دفع المهر ورعى الغنم 7 سنين [ رعى الغنم يعني مِسك تجارة خاله وأدار أمواله ]
بعد المدة دي خاله فعلا عمل وليمة كبيرة وعزم الناس كلها , لكنه إستبدل العروسة فبدل ما يجوزه راحيل , فاجئه إنه بيزف ليه بنته الكبيرة لِيَا !
سيدنا يعقوب سأله ليه عملت كده انا كنت طالب منك إيد راحيل مش لِيَا !
قاله في عُرفنا ماينفعش نجوز الصغيرة قبل الكبيرة ..
ولو عايز تتجوز راحيل كمان يبقى ترعى الغنم 7 سنين كمان ..[في شرعهم كان جائز إن الراجل يتجوز إتنين إخوات لكن ده إتحرّم بعد كده ]
وافق سيدنا يعقوب فـ دفع المهر مرة كمان ورعى الغنم 7 سنين
خلال السنين دي كانت لِيَا خلّفت 10 أولاد لسيدنا يعقوب .. [هم دول إخوة يوسف الغير أشقاء -من أبوه – الي غدروا بيه فيما بعد .. ويُقال إنه لِيَا خلفت 6 أولاد بس , والـ4 الباقيين من جاريتين إتجوزهم فيما بعد .. فـ الله أعلم بالأصح ]
خلصت الـ7 سنين وإتجوز سيدنا يعقوب من راحيل .. خلّفت ولد آية في الجمال اسمه يوسف .. كان طالع لـ جدته سارة زوجة إبراهيم عليه السلام الي كانت غاية في الحُسن والجمال.. [زي ماحكينا في قصة أبو الأنبياء]
إستمر سيدنا يعقوب يرعى غنم خاله 6 سنين كمان .. فكمّل الـ20 سنة في أرض حران عند خاله بيرعى ماله ويكتّرهوله
بعدها إستأذن من خاله إنه عايز يروح لأهله يطمن عليهم
فـ قاله إنت من ساعة ما مسكت مالي وهو بيكتر بسببك .. فإطلب الي انت عايزه منه وانا هديهولك .. [ فـ يُقال إنه سافر بـ غنم يُعادل نتاج عام كامل ]

راح سيدنا يعقوب هو وأهله لـ بلدة حبرون الي كان عايش فيها أبوه إسحاق وأخوه العيص [ اسمها حالياً الخليل / في فلسطين]

قعد معاه فترة و رُزق بطفل تاني من راحيل سمّاه بنيامين [ أخو يوسف]
_
سيدنا يعقوب إتسمى بـ إسرائيل .. واللفظ ده معناه صفوة الله أو على وجه الدقة "عبدالله" .. [وتفصيلها إن "إسر " يعني عبد .. و " إيل" معناه الله ..]
ربنا أكدّ على التسمية دي في القرآن الكريم .. فـ إتكلم عن اسرائيل نفسه كـ نبي من الأنبياء والمقصود بيه كان يعقوب عليه السلام
التسمية دي اتذكرت مرتين في آيتين في القرآن هما :
(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا) .. [آية 58 سورة مريم]

(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) .. [آية 93 : سورة آل عمران]

إيه بقى الي حرّمه إسرائيل على نفسه ؟
القصة إن سيدنا يعقوب جاله مرض شديد [هو عِرق النسا] فلما طال المرض وإشتد بيه عاهد نفسه إنه لو ربنا شفاه هيستغنى عن أكتر أكل بيحبه , وكان أكتر لحم بيحبه هو لحم الإبل , وأكتر شراب بيحبه كان ألبانها.. فحرّمها على نفسه رغم إن ربنا ما حرّمهاش عليه .. [والآية دي إتذكرت بعد قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) .. فكانت مناسبة لتوصيل المعنى , أي إن سيدنا يعقوب ترك أكتر حاجة بيحبها تقرباً لله ..
وقد يكون عمل كدا من باب النذر .. بمعنى إنه نذر لو ربنا شفاه هيحرّم أحب الطعام والشراب عليه
لكن لو إعتبرناه نذر لازم ناخد بالنا إن النذر في الاسلام مكروه .. وإن كان سيدنا يعقوب نذر , فـ ده لإن النذر عبادة قديمة كانت جائزة في شريعتهم لكن حُكمه إتنسخ بعد كدا وأصبح مكروه في شريعتنا .. وتفصيلها إن رسولنا قال " إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" .. وبما إنه مابيتسببش في حصول الخير ليك فـ يُعتبر من باب تضييع المال .. عشان كدا أصبح حكمه مكروه .. بس ده لو النذر بفلوس .. لكن لو نذر بطاعة فـ مايبقاش مكروه بالعكس الطاعات شيء عظيم حتى لو بـ نذر ..
وناخد بالنا تاني إن الكلام ده كله للي هيعمل نذر .. لكن لو الشخص نذَر خلاص يبقى لازم يوفي بـ نذره طالما مافهوش معصية .. لإنه يُعتبر عهد قطعه على نفسه .. رسولنا بيقول " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ]
_
من بعد تحريم سيدنا يعقوب الإبل وألبانها على نفسه إقتدت بيه ذريته فـ حرّموها على أنفسهم ..
الكلام ده كله قبل ما التوراة تنزل على سيدنا موسى .. يعني بني إسرائيل فضلوا محرّمين على نفسهم لحوم الإبل وألبانها سنين كتير لحد الجيل الي ظهر فيه سيدنا موسى ونزلت عليه التوراة
فإتحرّمت بـ نص ربّاني صريح .. تحريمها في التوراة كان مع حاجات تانية كتير إتحرّمت على اليهود عقاباً ليهم على ظلمهم [زي ماهنحكي في قصة سيدنا موسى إن شاء الله]
(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) .. [آية 146 : سورة الأنعام]
(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) .. [آية 160 : سورة النساء]
لكن التحريم ده كان مؤقت ومُخصص لبني إسرائيل بس .. ومن بعدها بسنين كتير ربنا أزال العقاب وجاء سيدنا عيسى يحلل بعض ما حُرّم في دين موسى .. ومن بعده كان التكريم الأكبر للمسلمين إن ربنا أحلّ ليهم كل الطيبات بإستثناء الميتة والخنزير وغيره من المُحرمات الي إتحرّمت علينا لأسباب صحية مش لـ عقاب أو حرمان
_
من بعد تسمية سيدنا يعقوب بـ إسرائيل أصبح اسمه بمثابة علامة , فنلاقي ربنا بيخاطب ذرية سيدنا يعقوب بإسمه زي ما بيخاطب "بني آدم" كده .. وبالتالي هنلاحظ إن لفظ "بني إسرائيل" مذكور كتير جدا في القرآن .. زي مثلاً :
( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) .. [آية 40 : سورة البقرة]
_
بني إسرائيل المقصود بيهم ذرية الـ12 ولد أولاد سيدنا يعقوب
أحياناً كان القرآن بيخصصهم باسم تاني وهو الأسباط .. الأسباط بمعنى الأحفاد .. وهم أحفاد سيدنا يعقوب عليه السلام .. ذرية أولاده الـ12 .. نسل كل واحد فيهم بقى يُمثـّل سبط من الأسباط وهي قبيلة وفرقة من فرق بني اسرائيل






قصص الانبياء قصة سيدنا شعيب

مَدْيَن ده اسم قرية عربية في أرض مَعَان [ في الأردن] , تقع على أطراف الشام من ناحية الحجاز [قريبة من بحيرة قوم لوط] .. اتسمّت بـ مَدْيَن نسبة للقبيلة الي سكنتها , وهم ذرية مَدْيَن بن إبراهيم عليه السلام ..
القرية دي كانت مليانة من خيرات الله ما لا يُعد ولا يُحصى .. كلها زرع وأشجار وأنهار وحاجات كتير بتميّزها
لكن أهلها كانوا كُفار بيعبدوا غير الله ..
وكان فيهم صفة ظاهرة أوي هي إنهم بيغيشوا في المكيال غش مُلفت للنظر وفيه مبالغة وتبجّح لدرجة إن ربنا وصفهم بالصفة دي تحديداً في القرآن .. (وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) .. [آية 84 : سورة هود]
الكيل عموماً هو مُعادلة شيء بشيء .. فلو كنا هنعادل بين حاجتين عن طريق مُقارنة الوزن , يبقى هنحتاج ميزان
إنما لو كنا هنعادل الشيء بالشيء في الكمية يبقى هنحتاج مكيال [ يعني وعاء من خشب أو حديد يُستخدم لـ كيل السوائل أو المواد الجافة] .. بمعنى إن الميزان والمكيال من أدوات الكيل عموماً
"فـ مثلاً" .. كان الي يجي يشتري من عند تاجر من أهل مَدْيَن , يلاقي التاجر ده بيحاسبه على كيلو وهو في الواقع وزن له نص كيلو!
ده معنى إبخاس الناس حقها .. مش بيوّفوهم حقهم .. بيبخسوهم , بينقصوهم , بيظلموهم ظلم بيّن..
_
سيدنا شعيب كان من أهل مدين .. فـ كان المفروض إنه يتبع الوثنية بردو ويعبد الأصنام!
لكنه كان عاقل وواعي , مكنش مقتنع إن شوية حجارة ماتقدرش تحمي نفسها ممكن تكون هي الي خلقت الكون ده كله
كان مُدرك تماماً إن المنطق يتنافى مع كون أحجار نقدر نكسرها بإيدينا تبقى هي الي بتجيب لنا الخير وتبعد عننا الشر!
ومن هنا كان يستحق إن ربنا يختاره يكون من ضمن أنبياءه ويشيل مسؤولية تبليغ الرسالة
سيدنا شعيب كان بيتميز بإنه بليغ القول .. حجته قوية ويقدر يقنعك بالحق بما يوافق العقل والمنطق .. لدرجة إنه تم تلقيبه بـ( خطيب الأنبياء)
_
إبتدا تبليغ الرسالة , و إختلف العلماء هو كان مبعوث لمين ؟ فمنهم الي بيقول بُعث لـ أهل مدين بس , ومنهم الي بيقول بُعث لـ أهل مدين ولأهل البادية الي حواليها
الإختلاف ده سببه إن في آية في القرآن بتقول (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ) .. [سورة الشعراء ]
-الآيكة دي شجرة عظيــمة مليئة بالأغصان والألياف المُلتفة عليها , ويُقال هي مجموعة من الأشجار , أو بالأصح بساتين بتتصف إن أشجارها مُلتفة .. فـ طبقاً للآية دي يبقى أصحاب الأيكة بيعبدوا الأيكة , طب أهل مدين بيعبدوا الأيكة ولا بيعبدوا الأصنام ؟ .. ولو بيعبدوا الأصنام أمال مين الي بيعبدوا الأيكة دول ؟
-تاني نقطة إن ربنا لما ذكر أهل مدين قال إن سيدنا شعيب أخوهم , بمعنى إن بينهم صلة نسب وقرابة وإنه من نفس القبيلة (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ) ..[ آية 84 : سورة هود]
لكن لما ذكر أصحاب الأيكة ما استخدمش نفس الربط فماقالش "إذ قال لهم أخوهم شعيب ألا تتقون"!
ومن هنا كان إختلاف العلماء : ..
• الطبري والسعدي وابن كثير فسروا إن أصحاب الأيكة دول هما نفسهم أهل مدين , وإنهم كان جزء منهم بيعبد الأيكة والجزء التاني بيعبد الأصنام
وفصّل ابن كثير قوله بإن ربنا ما ربطش سيدنا شعيب بيهم في الآية دي لإنهم كانوا منسوبين فيها لـ عبادة الأيكة , فـ ماكنش في الي يربطهم بسيدنا شعيب
بينما في آية أهل مدين كانوا منسوبين لـ قبيلة مدين ,الي سيدنا شعيب منها بردو , وإنسابه للقبيلة دي مافيهوش أي إتهام أو إساءة , عشان كدا ربنا ربطه بيهم ووضّح علاقة النسب الي بتجمعهم بـ لفظ "أخاهم"
• أما تفسير القرطبي وابن عاشور كان إن الأيكة دي قرية جنب مدين , وفي الحالة دي هيبقى الاختلاف بينهم في العبادة كمان , لإن أهل مدين بيعبدوا الأصنام بينما أصحاب الأيكة بيعبدوا الأيكة , فـ بُعث سيدنا شعيب بالرسالة للقومين
وفصّل ابن عاشور قوله بإن ده منطقي لإن الرُسل لما بيُبعثوا بيكونوا من أهل المدائن لكن رسالتهم بتشمل القرى المحيطة بالمدينة بتاعتهم
وحكى ابن عاشور إن مَدْيَن بن إبراهيم لما سكن في الأرض الي إتسمت بعد كده بإسمه , كان لاقى هناك ناس بيعبدوا الأيكة , فـ ابتدا يبني هو وأولاده المدينة ويعمّروها , وسابوا البادية لأهلها [الي هما أصحاب الأيكة ] .. المدينة دي إتسمت بعد كده مَدْيَن, فـ بقى أهل مدين ساكنين جنب أصحاب الأيكة , لكن دول في مدينة , ودول في القرية الي جنب المدينة
وإستشهد على كلامه بالآية (وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ) .. [سورة الحجر]
فالضمير هنا في كلمة (وإنهما ) ضمير مُثنى عائد على أصحاب الأيكة وأهل مدين
وعن الضمير ده , فـ هنلاقي ابن كثير والقرطبي والطبري تبنّوا فكرة إن الضمير المُثنى هنا عائد على أصحاب الأيكة وقوم لوط .. لإن سياق الكلام كان بيتكلم عن قوم لوط في الآيات السابقة للآية دي

• الواقع إن التفسيرين منطقيين جداً , لكنها مجرد إجتهادات والله أعلى وأعلم بالأصح
_
سيدنا شعيب إبتدا يدعوهم لعبادة الله الواحد .. وإبتدا كمان يوعّيهم بـ خطورة الغش الي هما واقعين فيه .. فـ كان من كمال الرسالة إن الدين مش قضية أولوهية وتوحيد وبس .. ده أسلوب للحياة .. بيراعي كل تفاصيل حياة البشر وبيحافظ لهم على حقوقهم وإتزان حياتهم
قصة سيدنا شعيب بتعرض لنا المعنى دا بكل وضوح .. لإن شعيب عليه السلام بعد دعوة قومه للتوحيد على طول إبتدا يدعوهم للأمانة وإقامة العدل وينهاهم عن الغش في الميزان ( يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُه وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) .. [آية 84 : سورة هود]
كان بيقنعهم إن المجتمع قائم على التبادل بين السلع ,, فالغش في الميزان بيؤدي لفساد المجتمع كله
الموضوع مش بسيط .. دانت بتأثر على العدالة الإجتماعية
حذرهم إنهم لو فضلوا في غشهم ده وأصرّوا على خطأهم هيتقلب الامر عليهم وهيختل ميزان العدل في عقولهم وقلوبهم ويئذيهم .. عددلهم نِعَم ربنا عليهم .. عشان يثبتلهم إنهم في خير ونعمة فـ مش محتاجين للغش ده
إتمسكوا بـ غشهم في الموازين لإنهم في الاصل كانوا شايفينها شطارة! شايفين إنه دهاء منهم ومهارة في البيع والشراء .. لكن سيدنا شعيب وضّحلهم إن ده سرقة وقلة مروءة ودناءة
كان بيكرر النصيحة عليهم كتير وبجميع الطرق .. فنشوفه مرة بينصحهم بإستخدام النهي عن السلبية [ بإنه في الآية الي فوق قالهم إبعدوا عن إنقاص المكيال والميزان]
ومرة تانية يغيّر الطريقة وينصحهم بإستخدام الحث على الإيجابية .. فيقولهم إعدلوا في الميزان وأعطوا لكل
واحد حقه .. (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) .. [ آية 85 : سورة هود]
ونلاحظ التعبير القرآني البليغ في قوله تعالى (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)
لفظ "أشياءهم" شامل كل شيء سواء كان مادي أو معنوي .. فـ النهي هنا مش مُقتصر بس على البيع والشراء .. بالعكس ده شامل لجميع جوانب التعامل .. والمعنى إن سيدنا شعيب كان بينهاهم عن الظلم بجميع أنواعه .. المادية والمعنوية كمان .. بيأمرهم باسم الله أن أقيموا العدل في مُعاملاتكم اليومية وفي تعاملاتكم الإنسانية وتصرفاتكم الشخصية ..
ربنا عارف إن الظلم بجميع أنواعه بيسبب للإنسان الإنهزام ويحسسه بالألم واليأس واللامبالاة .. بيحوّل الحياة لغابة تنهار فيها العلاقات والقيم ..
عشان كدا تلاقيه ختم الآية بـ (وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) .. فساد الأرض الي انت عايش عليها بيبدأ من ظلمك لغيرك أو سكوتك عن ظلم الآخرين ..
تناسق الاية وتدّرجها وإرتباط معانيها بيوضح لنا قمة بلاغة القرآن وقوة حجة سيدنا شعيب
في الآية الي بعدها هنلاقيه بيقولهم (بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) .. [ آية 86 : سورة هود]
بقية الله إختلفوا في تفسيرها ..
في اللي فسرها إن الباقي الي هيفضل ليكم من بعد ما تعاملوا الناس بالعدل وتوّفوا الميزان , ربنا هيطرح فيه البركة وهيكون أحسن ليكم لإنه حلال
وفي الي فسرها إن طاعة الله هي الي هتجبلكم الخير
وفي الي قال المقصود بيها ما عند الله من رزق ونصيب كتبه لكم
سيدنا شعيب بيختم حواره الهادف بـ إبعاد نفسه تماما عن الموضوع (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) ..
أسلوبه الذكي في النُصح كان تدريجي توضيحي مختوم بـ تذكيرهم إنه مجرد رسول ليهم كل الي عليه يبلغهم الي ربنا أمره بيه .. لكن في الاول والاخر ربنا الي هيحاسبهم .. ربنا الي هيكافئهم أو يعذبهم ..
هو بيّن لهم قد إيه الموضوع خطير وأكدلهم جديّة العاقبة .. وبعدها سابهم قدام العاقبة دي لوحدهم
خلاهم مع ربهم عشان يراجعوا نفسهم .. ويتأكدوا إنه ملوش أي مصلحة في نُصحهم وإنه مش عايز غير مصلحتهم
رغم كل المنطق الي كان بيتكلم بيه سيدنا شعيب .. إلا إنهم إستمروا في العِناد والإعراض
إبتدوا يردوا عليه بـ منطق مختلف تماماً .. قالوله إنت صلاتك أمرتك تخلينا نبعد عن الآلهة الي طول عمرنا بنعبدها أباً عن جد؟! .. كان سؤالهم مليان سخرية وإستخفاف بل وإندهاش!
إيه الجرأة الي من شعيب دي! أو بالأصح إيه الجرأة الي من صلاة شعيب دي! .. [ نلاحظ هنا إنهم إختصروا الدين كله في الصلاة .. أهمية الصلاة هي أكتر حاجة مابتتغيرش في كل الأديان وعلى مر الزمان
الصلاة في العموم المقصود بيها الصلة بين العبد وربه .. فـ صفتها بتختلف من دين لآخر .. لكنها في كل الشرائع أهم الأركان .. هي الصلة , هي العمود , هي أساس الدين
وعندنا في الإسلام الأركان 5 , لكن لو فصّلناهم هنلاقي إن الشهادة ممكن ماتقولهاش غير مرة واحدة في حياتك , الزكاة ممكن تلاقي الي معهوش فلوس يزكّي , الصيام ممكن الانسان يمرض فيسقط من عليه الصوم , الحج للمُستطيع فقط
ماعدا الصلاة .. هي الوحيدة الي لا تسقط عن المسلم مهما كانت الظروف .. لدرجة إنك حتى لو وصل بيك المرض لشلل عام في الجسد كله .. يُفتى لك بالصلاة بالعين ! تصلي بحركة الرموش بس ! ولو عجزت حتى عن ذلك .. يبقى تصلي بقلبك!
فأياً كانت المُسببات , مفيش أي مُبرر لـ ترك الصلة بينك وبين ربك الي بتظهر فيها ولائك لله كل يوم 5 مرات .. ومن هنا جت أحاديث كتيـر عن أهميتها فـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر "
" إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"
"أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإذا صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر"
المقصود بالكفر في الأحاديث دي هو حكم الي بيترك الصلاة من باب الجحود والإنكار لـ وجوبها
أما لو كان المسلم مُعترف بـ وجوب الصلاة لكن مابيصليش من باب الكسل , فـ الراجح من قول أهل العلم إن ده مايبقاش كافر , لكنه لازم يتم تنبيهه وتذكيره ولازم يفوق من عصيانه لإن كل صلاة بيسيبها هيرجع يصليها على الصراط المستقيم! وساعتها هتبقى الصلاة كما أُنزلت , بهدوء وتأني وإطمئنان .. غصب عنه هيصلي على شعرة حــادة من نار , فوق نار , وبكل أركان الصلاة السليمة من غير سرعة أو إستعجال
صلاتنا في الدنيا تثبيت لـ ولاءنا وإختبار لـ نوايانا وطاعة لـ خالقنا رغم المكاره
صلاتنا في الآخرة هتبقى عقاب على تقصيّرنا وإستخفافنا
لكن زي ما إتعودنا مفيش حاجة غير وليها حكمة .. وفي موضوع الصلاة بالتحديد مش حكمة واحدة دي حِكَم كتير , لكن أبسطها وأعظمها في نفس الوقت إننا لو اخدنا بالنا هنلاقي الصلاة هي الركن الوحيد الي بيتحقق فيه جميع الأركان الباقية
فإنت بتنطق الشهادتين في كل صلاة
في الزكاة بتضحي بالمال , والمال ده لازم يكون من عملك الخاص , والعمل ده مابيجيش غير بقضاء بعض الوقت فيه , بمعنى إن العمل فرع من الوقت .. أما في الصلاة فإنت بتضحي بالوقت نفسه .. فـ كانت دائرة الوقت أوسع من دائرة الزكاة زي ماقال شيخنا الشعراوي
في الصيام إنت بتحرم نفسك من شهوتين هما البطن والفرج , بينما في الصلاة إنت بتحرم نفسك من كل الشهوات حتى الي مسموح بيها في الصيام ..
في الحج إنت بتتجه لبيت الله الحرام .. وفي كل صلاة إنت فعلا بتتجه لبيت الله الحرام .. ]
_
كمل أهل مدين كلامهم وإستهانتهم , قالوله لا والأكتر من كده صلاتك بتتدخل في إرادتنا وبتورينا إزاي نتصرف في أموالنا !!
إيه علاقة الصلاة والإيمان الي انت بتدعو ليهم بالمعاملات المادية!
سألوه السؤال ده وهما فاكرين نفسهم كده بيعجّزوه وبيحطوه قدام تساؤل مايقدرش يرد عليه! فتحوا قضية إنفصال الدين عن الحياة وإبتعاده عن سلوك الإنسان وتعاملاته الاقتصادية والاجتماعية
ماكانوش قادرين يفهموا إن الحياة لا تستقيم إلا بتطبيق الدين .. أنكروا حقيقة إن أخلاق الدين وأوامره هي الأساس الي بتزدهر بيه حياة الناس
ختموا كلامهم بـ المزيد من الإستهزاء .. قالوله بقى انت الي عامل فيها حليم ورشيد وبنقول عليك عاقل وصاحب منطق وفِكر ! مانت لو كانت كل الصفات دي فيك مكنتش قولت الي انت قولته!
(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)
رغم الهجوم ده كله والسخرية الصريحة دي كلها
إلا إن سيدنا شعيب كان واثق إنه على حق .. رد فعله كان هادي ولطيف وبكل ود ولين .. ما إهتمش بسخريتهم , ما علقش على إتهاماتهم .. تجاوز الكلام ده كله لإنه أكبر من الإلتفات ليه أو المبالاة بيه
رد عليهم إنه ملوش أي مصلحة من دعوتهم .. هو نبي مبعوث ليهم بالهدى ومش عايز غير مصلحتهم .. وضّحلهم إن ربنا رزقه علم ومعرفة ونبوة , وبارك ليه في ماله ورزقه لإنه حلال .. فـ هو مش بينهاهم عن حاجة علشان يعملها هو أو يحقق منها إستفادة شخصية .. مش بيقولهم أقيموا العدل والأمانة علشان يستفيد هو ويفضاله السوق فيغش لوحده في الميزان ! .. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ)
قال جملة واحدة مختصرة وبليغة (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ) .. كل هدفه في الموضوع هو الإصلاح ..
هي دي دعوة الأنبياء في الأساس .. هو ده مضمونها الحقيقي .. هما مبعوثين للإصلاح .. مصلحون للعقول والقلوب , للحياة العامة والحياة الخاصة..
وكـ عادة الأنبياء والصالحين .. مهما كانت درجة صلاحهم وعقلهم وجمال نواياهم وأفعالهم .. إلا إنهم مابينسبوش أي شيء حلو فيهم لنفسهم .. فـ كان ختام كلام سيدنا شعيب هو إنساب التوفيق كله لله .. بمعنى إن لو ربنا وفقّه و حد منهم إهتدى على إيديه , فـ الفضل مش ليه , الفضل لربنا هو الي هداه وهدى بيه .. قال انا واثق في ربنا ومتوّكل عليه ومفوّضله أمري .. (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
أُنيب يعني أُقبل عليه بالطاعة , وأرجع إليه بالتوبة .. وقيل المُراد أرجع إليه في الآخرة .. وقيل المقصود بيها الدعاء
كان في تحذيره ليهم بيستشهد بأحداث واقعية ,, فـ فكرّهم بقوم نوح لما غرّقهم الطوفان , قالهم ماتنسوش قوم هود والي حصلهم , إفتكروا ثمود والي شافوه , ده عذاب قوم لوط مش بعيد عننا لا مكاناً ولا زماناً ..
عرضلهم مصائر الأقوام الهالكة من قبلهم علشان يتعظوا .. قالهم ماتخلوش عداوتكم ليا وكرهكم للرسالة الي انا مبعوث بيها يخليكم تزدادوا عِند وإصرار على الضلال , بصوا حواليكم هتلاقوا ربنا سايبلنا آثار الظالمين من بعدهم عشان تبقالنا عبرة .. (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) .. [ آية 89 : سورة هود]
منطقه وقوة حجته خلّت أهل مدين ينقسموا لفريقين
فريق آمن بسيدنا شعيب .. ودي كانت الأقلية الضعيفة
وفريق كفر وأعرض وأصرّ على أفعاله .. ودي كانت الأغلبية القوية من كبراء القوم

الأغلبية ماسبهوش في حاله .. ما إكتفوش إن الي آمنوا بيه قليلين وضعفاء مفيش في إيديهم حيلة .. دول كمان هددوه وحاولوا يخوّفوه .. قالوله لولا إن معاك ناس من أهل مدين كنا طردناك (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)
تصرفهم لا يدل غير على خوف كاتمينه .. صوت الحق دايما مُنتصر ولو بعد حين .. وهما عرفوا إنه على حق رغم إنكارهم وعدم إعترافهم ..
سيدنا شعيب إستمر في هدوءه وأسلوبه الليّن .. حاول يصحّي عقولهم ويبيّنلهم خطأهم في التقدير , قالهم معقول الناس الي معايا أعز في قلوبكم من خالقي وخالقكم ؟! معقول تجاهلتم الهدى والرسالة ورميتوها ورا ظهركم ؟ .. فكرّهم إن ربنا العالم بأفعالهم عشان يحذّرهم إنهم هيتجازوا عليها .. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) .. [آية 93 : سورة هود]
_
لما إبتدا ييأس منهم ..إستمر في ثباته وحَب يأكدلهم ثقته بإنه على حق .. قالهم براحتكم .. خليكم في طريقكم وخلوني في طريقي .. وهنشوف في الآخر مين هيجيله العذاب المُهين , والي كذب هيعرف كذبه وإنه كان على خطأ , إنتظروا اليوم ده وأنا كمان هنتظره معاكم .. إنتوا هتستنوا العذاب وانا مستني الرحمة والنصر من ربي
(وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ( .. [آية 93 : سورة هود]
كلامه كان تهديد بيثبتلهم فيه عكس إعتقادهم الي قالوه بـ إنه ضعيف وسطهم ! .. لأ بالعكس ده قوي وبيهددهم وواثق في تهديده , قوته مُستمدة من قوة الي باعته بالرسالة ومأيده من فوق سابع سما , بيأكدلهم إنه ضامن النصر من ربه ومستنيه .. وضامن الخزي للي مش هيتبعه الهدى

هما قابلوا التهديد بالإستهتار والتحدّي ! .. قالوله لو كنت صادق خلّي ربك يبعتلنا العذاب من عنده! , نزّل علينا حتة من السما !
)فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) .. [آية 187 : سورة الشعراء]
و زادوا التحدّي بالتهديد فقالوا لـ سيدنا شعيب والي معاه : يا إما ترجعوا لعبادة آلهتنا يا إما هنطردكم (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)
الغريب في الموقف إن سيدنا شعيب كان أقلية ضعيفة .. والقوم كانوا أكثرية قوية .. ورغم ذلك كانت دعوة سيدنا شعيب باللين والهدوء ودعوتهم بالقوة والتهديد
إزاي حد "يُفترض" يكون في موقف ضعف نلاقيه هادي وواثق في دعوته .. وإزاي ناس "يُفترض" يكونوا في موقف قوة نلاقيهم بيهددوا ويتوّعدوا ؟!
الفرق الوحيد هو الحق .. الطرف الي فيه الحق بيكون واضح .. بيكون ثابت .. بيكون عارف إن الحق هيتحقق ولو بعد حين .. فـ مش محتاج يهدد , مفيش داعي يتوّعد .. متأكد إن معاه القوة الي هيكونلها الغلَبة في النهاية ..

رفض النبي واللي آمنوا معاه , رفض منطقي غير قابل للتراجع , إزاي نتخلى عن الهدى بعد ما ربنا هدانا , إزاي نرجع للضلال بعد ما لمسنا حلاوة الإيمان .. (قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)
هنا كانت دعوة سيدنا شعيب لـ ربه (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)

_
إبتدا العقاب , وبدل الواحد شافوا 3 أنواع من العذاب , فـ كان أول الي شافوه هو نفس العذاب الي طلبوه ..
ربنا بعتلهم حر شديـد محدش يستحمله , لدرجة إن الدنيا إنكتمت وإختنقوا ومابقوش عارفين يتنفسوا كويس فـ خرجوا من البيوت يدوروا على أي نسمة هوا , لاقوا غيــمة كبيــــرة في السما جاية عليهم, أظلتهم فـ إستبشروا .. وإتجمعوا كلهم تحتها وإبتدوا ينادوا بعض عشان يستظلوا بظلها ويترجّوا بردها
فلما إجتمعوا تحتها مطّرت شرار من نار ولهب ! .. أصابهم فـ أذاهم وأحرقهم [ وهو ده الي بنسميه عذاب يوم الظلة] .. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) .. [آية 189 : سورة الشعراء]
وبعدها سمعوا صوت قوي جداً من السماء , صوت يخترق القلوب من شدته [ وهي دي الصيحة] .. (وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) .. [آية 94 : سورة هود]

والمرحلة التالتة كانت إهتزاز جــامد جداً من الأرض [ وهي دي الي القرآن سماها الرجفة ] .. (فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [آية 91 : سورة الأعراف ]
من بلاغة الوصف القرآني إنه أخبرنا أنواع العذاب الي نزل على أهل مدين على حسب سياق الآيات
• ففي سورة الشعراء كان طلبهم هو العذاب من السماء , فـ ذكر فيها عذاب يوم الظلة
• في سورة هود كان كلامهم لـ سيدنا شعيب فيه إستهزاء بصلاته وبأوامر ربه , فـ ذكر فيها الصيحة كـ نوع من الزجر والصراخ في وجوههم عقاباً لهم على الي نطقوه في حق الرسول الكريم
• في سورة الأعراف كان تهديدهم لسيدنا شعيب إنهم هيطردوه من البلد , حاولوا إرجافه وإخافته هو ومن معه من المؤمنين , فـ ذكر العذاب المناسب وهو الرجفة

أما مصير سيدنا شعيب والمؤمنين الي معاه فـ كان النجاة بطبيعة الحال
القدرة الإلاهية هي القدرة الوحيدة الي ممكن تنجّي أشخاص بعينهم وتحميهم من عذاب واقع على كل القرية الي هما فيها .. وهو ده الي حصل لـ سيدنا شعيب والي معاه .. (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) .. [سورة هود]
بس إشمعنى كما " بَعِدَتْ ثمود" ؟
قال ابن عباس : ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب ، أهلكهم الله بالصيحة ; غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم ، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم .






قصص الانبياء قصة سيدنا ايوب


سيدنا أيوب كان من الروم من منطقة اسمها "البثنية " في الشام , ربنا كان سابغ عليه نعمته , فكان غني صاحب أموال كتيرة جداً , لدرجة إنه يُقال كان يملك "البثينة " كلها من شرقها لغربها .. وكان ليه 1000 شاة [ خرفان / ماعز / بقر وغيره ] ده غير الناس الي بترعاها , و500 فدان بيشتغل فيها 500 عبد , كل عبد من دول متزوج وعنده ولاد وعيلة مستقلة , وكل فدان بيُستخدم لـ حرثه أتان " حمارة" وكل حمارة ليها ولدين وتلاتة واربعة وخمسة وأكتر .. فكان كل دول تحت أمر سيدنا أيوب ومُسخرين لخدمته
ده غير إن أولاده كتار وله عزوة .. كان عايش في قصر كبير لامم فيه كل أهله ومعاهم خدم كتار
لكن رغم كل العز والمال والحياة المُترفة دي , كان حال سيدنا أيوب بعيد كل البُعد عن التعالي والتمسك بالدنيا , كان عارف إن ده كله كرم من ربنا فـ كان بيشكره على نِعمه ويتمنى دوامها .. كان بيكرم عِباد الله بما أنعم عليه الله .. فتلاقيه بيتصدق كتير , بيكفل الأيتام والأرامل , بيكرم الضيوف و بيساعد ابن السبيل ..
حُسن تصرفه في نِعم ربنا وإيمانه الصادق خلّى ربنا يذكره بالخير ويُثني عليه فيمن عنده .. فـ إبتدت الملائكة تصلي عليه وإبتدا الخبر ينتشر .. لحد ماوصل لإبليس وإتملى بالغل والحقد على سيدنا أيوب
[ في الزمن ده إبليس كان مسموحله يتجوّل في السماوات السبع ومكنش ممنوع عنه الصعود في أي سما منهم .. فكان بيستغل الموضوع وبيسترق السمع لملائكة السماوات ..
الحال : إن ربنا لما بيذكر عبد من عباده بالخير كان جبريل هو أول ملاك يسمعه [ لإنه أقرب ملاك لربنا] , ومن بعده يسمع إسرافيل , ومن بعده الملائكة المقربون .. ويبدأ ينتشر خبر العبد الصالح ده بين الملائكة وكلهم يذكروه بالدعاء ويصلوا عليه , ومن هنا تبتدي الصلوات تنتقل بين الملائكة في السماوات لحد ماتوصل لملائكة الأرض ..
في رحلة الدعاء المُتناقل ده إبليس كان بيبقى قاعد يسمع الملائكة بتدعي لمين عشان يعرف مين العبد الصالح الي ربنا بيذكره بالخير فيروح يحاول يغويه ..
لحد زمن سيدنا عيسى .. لما رُفع سيدنا عيسى للسماء , ربنا منع إبليس وأعوانه من الصعود في ثلاث سماوات من الـ7 .. فـ بقى يصعد ويتجول في الأربع سماوات الباقية .. لحد بعثة سيدنا محمد , هنا ربنا منع إبليس ومعشر الجن من الصعود في أي سما من السماوات السبع كلهم حفاظاً على القرآن .. ومن ساعتها الي يصعد ويحاول يسترق السمع ربنا بيبعتله شهاب يحرقه .. ومن هنا كانت الآيات (وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ (17 (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ) .. [ سورة الحجر ]
(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ) .. [سورة الجن]
وفي الآية الأخيرة دلالة على إن إبليس والجن عموماً - قبل مايتحرموا من دخول السماء- كانوا بيستعملوا المعلومات الي بيسمعوها عشان يساعدوا بيها المشعوذين والكهنة .. فيقولولهم معلومة واحدة صح سمعوها ومعاها 10 معلومات غلط , فالناس لما تلاقي معلومة صح عند الدجال الي بيسألوه يصدقوا الباقي رغم إنه خطأ ! .. ]
_

يُذكر إن ربنا كلم إبليس وقاله "أقدرت من عبدي أيوب على شيء ؟" .. يعني قدرت توقعه في عصياني أو تخليه يتكبّر بـ غناه ويصيبه الغرور أو غيره مما لا يُرضي الله؟
فقال إبليس : " يا رب وكيف أقدر منه على شيء ، وقد ابتليته بالمال والعافية ، فلو ابتليته بالبلاء والفقر ونزعت منه ما أعطيته لحال عن حاله ، ولخرج عن طاعتك"
وفي رواية تانية :" يا إلهي , نظرت في أمر عبدك أيوب , فوجدته عبداً أنعمت عليه فشكرك , وعافيته فحمدك , ثم لم تجربه بشدة ولم تجربه ببلاء , وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك ولينسينك وليعبدن غيرك !"
ربنا رد عليه "انطلق , فقد سلطتك على ماله , فإنه الأمر الذي تزعم أنه من أجله يشكرني , ليس لك سلطان على جسده ولا على عقله !"
إبليس إنتهز الفرصة فوراً .. جمع عفاريت الجن وحكالهم الي حصل
فإبتدوا يتسابقوا مين هيئذي نبي الله أيوب وهيئذيه إزاي
قام عفريت منهم قال انا هكون إعصار فيه نار فأحرق أمواله ..
إبليس قاله إنطلق وإحرق الإبل والرُعاة بتاعتها .. وقد كان .. إتحول العفريت لإعصار من رياح شديدة فيها نار كل ما يلمس حاجة تتحرق في ثواني !
أحرق إبل سيدنا أيوب كلها .. وأحرق الناس الي كانوا بيرعوها ..
لما سيدنا أيوب وصله خبر هلاك إبله ورُعاته , وإن أهل القرية بيقولوا كلام كتير زي " ده إثبات إن أيوب في ضلال وإن معندوش إله يحميه " .. " لو كان إله أيوب قادر إنه يمنع حاجة كان منع الشر عن نبيّه! "
كان رد فعل سيدنا أيوب في منتهى الإيمان والتسليم , كان قمة في الهدوء واليقين , أول جملة قالها " الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني ,عرياناً خرجت من بطن أمي , وعرياناً أعود في التراب , وعرياناً أُحشر إلى الله , ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك الله وتجزع حين قبض عاريته! , الله أولى بك وبما أعطاك "
فرجع إبليس لأتباعه وهو حاسس إنه خسران وذليل قدام صبر النبي الكريم ..
قالهم لسه ماقدرتش أجرح قلبه وأصيبه بالحزن , مين فيكم عنده من القوة الي يقدر بيها على باقي ماله ؟
تكلم عفريت من عظمائهم قاله انا عندي قوة تخليني أطلق صوت صيحة عظيمة كل الي يسمعها تخرج روحه بسببها
إبليس قاله يبقى عليك إهلاك الغنم والرُعاة الي بيراعوها .. وقد كان .. مجرد ما العفريت ده أطلق صيحته الشديدة , ماتت كل الأغنام ومات الرُعاة كمان ..
لما وصل الخبر لسيدنا أيوب .. رد نفس رده الأول بنفس الثبات والتمسك باليقين!
رجع إبليس لأتباعه وإبتدا يشوف طريقة جديدة يحاول بيها يوجع قلب النبي ويخرجه عن صبره ..
فقال عفريت من الأتباع أنا عندي من القوة الي يخليني أتحوّل لـ رياح عاصفة بتنسف أي حاجة تمر عليها
إبليس قاله يبقى عليك إهلاك الفدادين والحرث .. وقد كان .. في ثواني هبت عاصفة شديدة جداً نسفت كل الحرث ودمرت الفدادين وموتت الحمير وأولادها ..
وصل الخبر لسيدنا أيوب لكن رده ما إتغيرش .. رغم المصايب الي ورا بعضها إلا إن إيمانه كان أقوى وصبره كان أعظم
إبليس ما بييأسش , وكل مايزيد إيمان العبد بيزيد إستياء إبليس لإنه بيبقى عارف إنه لو سابه في اللحظة دي ربنا هيكرمه كرم كبير وهيكونله أجر وثواب يرفع مكانته في الجنة كتير
فـ إبتدا يحاول بأي طريقة تانية يزوّد الابتلاء كمان وكمان عشان ييأس قلب أيوب ويشكك في الإيمان
لكن هيعمل ايه ؟ كده أموال سيدنا أيوب كلها إتنسفت ومفيش في إيد إبليس حيلة .. ربنا كان مسلطه على ماله بس !
فـ صعد إبليس لربنا وقاله "يا إلهي , إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده , فأنت معطيه المال , فهل أنت مسلطي على ولده ؟ فإنها الفتنة المُضِلة , والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال , ولا يقوى عليها صبرهم "
لجأ إبليس لإدعاء غريب وهو إن صبر سيدنا أيوب نابع من يقينه إن طالما عنده صحة وأولاد يبقى هيقدر يجيب الفلوس الي راحت دي من جديد .. إنما لو كان الي ضاع منه الأولاد هيحس بعظمة المصيبة وييأس ساعتها!
ربنا كان عارف إن صبر سيدنا أيوب سببه إيمانه ويقينه بالله وبـ حكمته في الابتلاء , وبالتالي حَب يثبت عكس إعتقاد إبليس ويجاريه عشان يخزيه ..
فقال تعالى : "انطلق , فقد سلطتك على ولده , ولا سلطان لك على قلبه ولا جسده ولا على عقله !"

فوراً راح إبليس والعفاريت الي معاه لقصر سيدنا أيوب .. إبتدوا يحاوطوه من كل ناحية لحد ما قدروا يهدوه .. إتهد القصر على أهل سيدنا أيوب وأولاده كلهم!
تمثّل إبليس على شكل المُعلم الي كان بيعلم أولاد سيدنا أيوب وراح ليه عشان يبلغه [ ويُقال تمثّل على شكل قهرمانه , والقهرمان هو أمين الملك ووكيله الخاص بتدبير شؤونه ]
كانت هيئته متغيرة من كتر الأذى الي بان عليه .. كان وشه مليان دم وجسمه مليان جروح وشكله نجا من الموت بأعجوبة
لما وصل لسيدنا أيوب قاله لو تعرف أنا فلتت من الموت إزاي .. لو شوفت الي حصل لنا في قصرك والي إترمى علينا من فوقنا ومن تحتنا .. لو شوفت أولادك إتعذبوا إزاي وإتشوهت جثثهم إزاي من كتر الي حصلّهم .. لو تتخيل كان الدم بيسيل قد إيه من دماغهم وأنوفهم وأفواههم .. وإزاي إنشقت بطونهم فبقت أمعائهم في كل مكان .. لو شوفتهم لما كانت بتتكسر عظامهم وتتقطع جلودهم وتتمزق أعصابهم بسبب الي بيقع عليهم .. لو تتخيل منظر الأعصاب وهي عريانة من غير جلد ولا لحم يغطيها .. لو شوفت كذا ولو شوفت كذا ..
قعد يزيد من الكلام ده كتير ويوصفله كل الي أولاده مروا بيه وصف دقيق يقطع القلب ويُبكي العين
لحد ما سيدنا أيوب حنّ قلبه على أهله والي حسوا بيه قبل ما يموتوا .. فبكى .. وقبض قبضة من تراب وحطها على راسه [ دلالة على حزنه من المصيبة ]
إستغل إبليس الفرصة وصعد للسماء .. فرحان عايز يبلغ ربنا إنه إنتصر على سيدنا أيوب وخلاه يبكي ويجزع من قضاء الله
بس قبل ما إبليس يوصل للسما كانت توبة سيدنا أيوب سبقته .. تاب النبي وإستغفر فوراً قبل حتى ما يلحق عدوه إنه يشمت فيه..

إبليس زاد حقده .. فـ قال لربنا " يا إلهي , إنما هوّن على أيوب خطر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تُعيد له المال والولد , فهل أنت مسلطي على جسده ؟ فأنا لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك , وليكفرن بك , وليجحدنك نعمتك ! " ..
بنفس المنطق الغريب إدّعى إبليس إن صبر سيدنا أيوب على فقد أولاده كان لإنه لسه عنده صحة تخليه يجيب غيرهم .. لسه يقدر يخلّف ويجيب نسل جديد ويعوّض الخسارة الي خسرها في عياله .. لسه قوي بما فيه الكفاية إنه يشتغل ويعوّض الخسارة الي خسرها في ماله
وبنفس الحكمة الربّانية ربنا جاراه للمرة التانية , فقاله " انطلق فقد سلطتك على جسده , ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله "
ومن هنا كان الإبتلاء الأعظم .. أُبتلي سيدنا أيوب بـ مرض شديد خلاه مابيتحركش من السرير سنين كتير
يُقال 3 سنين , ويُقال 7 , ويُقال 10 , ويُقال 18 سنة!
_
حقيقة مرض سيدنا أيوب ربنا وحده أعلم بيها .. إتقال فيها روايات كتير لكن كلها غير موثوقة لإننا معندناش سند من قرآن أو سُنة يبيّن أيهم الرواية الصحيحة
أشهر الروايات دي إنه أصابه مرض خلّى جلده كله يتساقط لحد ما بقى عظمه وأحشائه باينين .. لكن الطعون على الرواية دي كتير فـ كان إحتجاج المُعترضين عليها إن ربنا عصم أنبياؤه من الأمراض المُنفرّة الي تخلي الناس تشمئز منهم ..

في المُجمل كان إبتلاءه عظيم محدش يستحمله .. فمن بعد ماكان عنده أولاد وأهل وعزوة كتير جدا , ومال أكتر وأكتر , وصحة وعز وغيرهم نِعم ماتتعدش .. إتحرم من كل ده ورا بعض .. وفوق ده كله مكنش في حد جنبه يسانده , فبعد العز وإلتفاف الناس حواليه , إتحوّل الحال فـ رفضه القريب والبعيد وإنفض الناس من عليه .. مفضلش جنبه من الناس كلها غير مراته , الزوجة الصالحة المؤمنة الصابرة الي صبرت جنب جوزها واستحملت معاه البلاء , وبقت عون ليه على الفقر فـ إشتغلت في خدمة الناس وبقت هي مصدر الدخل الوحيد للبيت , البيت الي كان قصر وإتحوّل في غمضة عين لـ مكان أشبه بالخرابة

في عز البلاء ده كله سيدنا أيوب كان صابر مُحتسب عنده يقين كامل في حكمة ربنا .. بالعكس ده الأكتر من كدا إنه كان بيحمد ربنا على البلاء ده .. فكان بيقول " أحمدك رب الأرباب ، الذي أحسنت إلي ، أعطيتني المال والولد ، فلم يبق من قلبي شعبة ، إلا قد دخله ذلك ، فأخذت ذلك كله مني ، وفرغت قلبي ، ليس يحول بيني وبينك شيء ، لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت ، حسدني " ..!
ولما مراته في مرة سألته وقالتله يا أيوب إنت نبي ولو دعيت ربنا هيستجيب ليك ويشيل عنك كل البلاء دا ليه ماتدعيش ؟ .. قالها : " قد عشت سبعين سنة صحيحاً ، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟ "
كان بيستحي إنه يطلب زوال البلاء لإنه عاش في النعمة أكتر من الإبتلاء!

إبليس لما يأس من سيدنا أيوب وشافه صابر كل السنين دي .. حس إنه إتغلب وخسر , فـ حاول يلف من ناحية تانية .. الناحية الوحيدة الي باقياله .. ناحية مراته ..
في يوم من الأيام وهي راجعة في الطريق , راحلها إبليس و تمثّل لها على هيئة قمة في الجمال والعظمة , وقالها أنا إله الأرض .. وانا الي عملت في جوزك كل الي هو فيه ده لإنه عبَد إله السماء فـ غضبت عليه .. لكنه لو سجدلي سجدة واحدة هرّجعله ماله وأولاده في ثواني وأعفو عنه وأمنّ عليه ..
عشان يثبتلها إن كل الي إتحرموا منه عنده قام شاورلها على حتة في الوادي وعرضلها كل الاموال والاولاد كأنها شايفاهم فعلاً ..
لما رجعت لسيدنا أيوب وحكتله .. عرف و فهم فوراً إن الطبيب ده هو إبليس , فـ غضب وقالها معقول لما ربنا وهب لنا المال والاولاد آمنا بيه .. ودلوقتي لما يحرمنا منهم عايزانا نستبدل إيماننا بيه ونروح لحد غيره!
في عز غضبه حلف عليها إنه هيضربها [ يجلدها ] 100 ضربة لما ربنا يشفيه
-
ويُقال إن سبب حلفانه عليها بالضرب كان في موقف آخر .. الموقف إن الناس كلهم رفضوا زوجة سيدنا أيوب وبطلّوا يشغلّوها عندهم , مبقوش عايزينها تخدمهم لإنهم عارفين إنها زوجة أيوب .. الراجل الي ربنا إبتلاه بـ مرض لـ سنين كتير جداً , فبقى من الواضح إن البلاء ده غضب !
إبعدوا عن الراجل المغضوب عليه , إبعدوا عن زوجته أحسن مايحصلكم حاجة بسببهم أو تعديكم هي بمرض جوزها بسبب ملازمتها ليه!
فلما مالاقتش حد يشغلّها إضطرت تبيع جزء من شعرها "ضفيرتها " مقابل أكل كتير , فـ جابت الأكل ده لسيدنا أيوب .. فقالها جبتيه منين ؟ قالتله قدرت اشتغل عند ناس كويسين
لما جيه اليوم الي بعده وخلص الاكل ومحدش رضي يشغلها بردو , باعت باقي شعرها , فـ سيدنا أيوب أنكر الاكل ده وحلف انه مش هياكل منه غير لما تقوله جابته منين
هي ساعتها كانت لابسة حاجة شبه الخمار كدا , فلما شالتها وكشفت راسها شاف شعرها محلوق! .. هنا غضب عليها إنها عملت كده في نفسها وحلف لما يتم شفاه هيضربها 100 ضربة ..
_
فلما ربنا شفاه وعافاه .. ماكنش معقول يبقى جزاء زوجته الطيبة الأصيلة إنها تنضرب بعد كل الخدمة والرحمة و الإحسان ليه والعون الي كانت بتعين جوزها بيه
لكنه حلف خلاص .. وماينفعش ماينفذش حلفانه لإن جزاء الحنث بالحلفان عظيم ومافيهوش تهاون
فـ ربنا بعتله الحل وأوحى ليه بالفكرة , قاله خد حزمة من أغصان كتيرة "ضغث" يكون فيها 100 غصن .. ويضربها بيها ضربة واحدة
بكده تكون ضربة بمقام الـ100 ضربة الي حلف عليهم .. فـ يبرّ بـ يمينه ويخرج من دائرة الحنث .. (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) .. [ آية 44 : سورة ص ]
جزاء الإحسان دايماً إحسان .. فـ جزء من جزاء زوجة سيدنا أيوب بعد كل الي عملته , هو حماية سماوية عن طريق وحي رباني مخصوص ليها ينقذها من قسم جوزها عليها .. وجزاء سيدنا أيوب نفسه على الصبر و التقوى والإنابة لله , إن ربنا فرّج عنه وأخرجه من مأزقه , فلا هو رجع في حلفانه فيتعاقب بعقوبة الحنث , ولا هو اضطر ينفذ حلفانه فيُسيئ إلى من أحسنت إليه
_
تصرف زوجة سيدنا أيوب [ في أحد الموقفين السابقين ] كسر نِفسه وحسسه بالضعف أكتر من أي بلاء مر بيه .. هنا كان دعاؤه " ربي إني مسني الشيطان بنصبٍ وعذاب"
الدعاء ده كان المقصود بيه شكوى لربه من جرأة الشيطان عليه وإنه إتصور إنه ممكن يغويه!
فـ الشيطان مش بس تمثّل لزوجته وحاول يقنعها بالسجود ليه , ده كمان كان طول الوقت بيوسوس لسيدنا أيوب ويقوله هو ربنا عمل فيك كده ليه ؟ انت ماكنتش تستاهل كل ده ! .. ويبتدي يفكره هو قد إيه كان إنسان صالح وماعملش حاجة وحشة عشان يبقى ده جزاؤه ..
كان بيحاول يعظّم في قلبه التعب والعذاب الي هو فيه , ويوسوسله بالتحريض على الإعتراض على حكم الله والسخط على قدره واليأس من رحمته وحكمته
فـ أصابه بالهم والغم " نَصَب" بسبب فقدان أهله وأولاده وماله
وأصابه الألم الجسدي والعضوي "عذاب " بسبب المرض الشديد الي حصله
(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ( .. [ آية 41 : سورة ص]
في الي فسر الآية بإنه كان بيقول كدا من باب التأدب مع الله , فـ ألحق الأذى الي أصابه بالشيطان [ زي الداعية بعد أي درس ديني تلاقيه بيقول إن أخطأت فمني ومن الشيطان , وإن أصبت فمن الله وحده .. نفس الفكرة لكن هنا أكبر وأعظم]
_
بعد إنفضاض الناس عن سيدنا أيوب , هجره الجميع بإستثناء 2 [أو يُقال 3] من أصحابه كانوا لسه قريبين وفضلوا على تواصل معاه و رايحين جايين عليه .. لكن في مرة كانوا رايحين لسيدنا أيوب فـ واحد منهم قال للتاني : أيوب أكيد أذنب ذنب عظيم , لو مكنش المرض ده بسبب ذنب كبير كان ربنا كشف عنه البلاء من سنين ..
فلما وصلوا لـ سيدنا أيوب , التاني بلّغه إن صاحبك بيقول عنك كدا .. [ وفي رواية تانية قالوله هما الاتنين : يا أيوب ، لعلك كنت تُسر شيئاً وتظهر غيره ، فلذلك ابتلاك الله؟ ]
فـ رفع راسه للسما وقالهم : "هو يعلم ، ما أسررت شيئا أظهرت غيره . ولكن ربي ابتلاني لينظر أأصبر أم أجزع"
كانت كلمة أصحابه دي أقسى على قلبه من أي حاجة مر بيها .. حس بحزن شديد ودعا ربه دعاء المضطر المكسور الي إتقفلت في وشه كل الطرق وعانى سنين كتير من مرضه ومن فقد أهله ومن فقد كل ما يملك وفوق ده كله ماحدش رحمه بالعكس حتى أقرب صحابه ظنوا فيه ظن السوء بدل ما يطبطبوا عليه ! .. فقال وهو مضطر ومكسور الدعاء المشهور " رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين"
المسّ هي الإصابة الخفيفة ..والتعبير بيبيّن مدى تأدب سيدنا أيوب مع الله لدرجة إنه سمّى كل الضرر الي حصله كـ المس الخفيف
كان دعاء سيدنا أيوب قمة في اللطف .. فـ إكتفى بـ وصف حاله والشكوى لله بدون أن يزيد أي طلبات .. ماحددش أي حلول ترضيه .. هو راضي بكل الي ربنا يبعته ليه
كل اللي عمله أنسب لنفسه الحال الي يستوجب الرحمة , من غير حتى مايحدد الرحمة الي هو عايزها ..
سيدنا أيوب أحسْن الإختيار لما إختار رحمة ربنا وكان متأكد إنها هتكون أكبر من أي طلب يطلبه
إبتدت الرحمة تتحقق و إبتدا البلاء ينزاح
_
ساب أصحابه وقام يقضي حاجته , كانت زوجته دايماً بتساعده حتى في قضاء الحاجة , فـ تسنده لحد الخلاء وتسيبه لحد ما يخلص وترجعله تاني تسنده عشان يرجع لسريره
هنا إستجاب الله دعاء عبده وكشف عنه الأذى وبعد عنه الضر الي إشتكى منه
فـ أوحى الله ليه إنه يضرب الأرض برجله .. ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ( .. [ آية 42 : سورة ص ]
هو مش قادر يحرك رجله أصلاً هيضرب الارض إزاي! .. بس ده أمر رباني ولازم يتنفذ .. لما عمل كده فوجئ بإنفجار عين ماء تحت رجله
ربنا قاله إغتسل بالماء ده .. فـ إغتسل , فـ شُفي من كل الامراض الي كانت باينة على جسده من برا
بعدها مشي حوالي 40 ذراع وربنا أمره يضرب الأرض مرة تانية , فـ إنفجرت عين جديدة! .. وكان الأمر المرادي إنه يشرب منها
فلما شرب شُفي من كل الأمراض الي كانت في جسده من جوا ! يعني كده ربنا أتم عليه الشفاء من الظاهر بالإغتسال ومن الباطن بالشُرب
زوجته حست إنه اتأخر فراحت تشوفه وتطمن عليه , لما شافته ماعرفتوش! .. قالتله ماشوفتش أيوب ؟ انا والله ماشوفتش حد شبهه أيام صحته أكتر منك!
قالها انتي ماعرفتنيش ؟ أنا أيوب ! .. فـ إحتضنا بعضهم البعض من الفرحة .. حتى يُقال إن قبل ما الحضن ده يخلص كان باقي النِعم إكتملت من رب الرحمة! .. وهي :
• كان عند سيدنا أيوب أندرين واحد للقمح وواحد للشعير [ الأندر هو المكان المُخصص لجمع المحصول بعد حصاده ]
فـ ربنا بعت سحابة مطرت في أندر القمح ذهب لحد ما إمتلأ بالذهب , ومطّرت في أندر الشعير فضة لحد ما إتملى بالفضة! .. فمن بعد المحاصيل الي فقدها , كان تعويضه بـ محاصيل من ذهب وفضة!
• ربنا أحيا كل الي ماتوا من أهل سيدنا أيوب وأولاده! .. أعادهم من تاني للحياة كـ معجزة إستحقها سيدنا أيوب على صبره العظيم
وفوق كده زاد في شباب زوجته فـ ولدت ليه 26 ذكر! وبالتالي ربنا وهب له أولاد جدد بنفس عدد الي أحياهم [ أو يكون المعنى إن أولاده هما الي تكاثروا وتناسلوا فبقى عنده أحفاد وذرية بنفس عدد الي ربنا أحياهم من أهله ] .. (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) .. [ آية 43 : سورة ص ]
ومن هنا بقى العز مضروب في إتنين وإتحوّل الحال فـ رجع زي الأول وأحسن مرتين
رجعتله صحته / رجعله ماله / رجعله أولاده وعزوته الضِعْف
_
• ربنا في الآية السابقة لما قال (رحمة منا) يعني رحمة بيه على صبره ، على ثباته، على إنابته ، على تواضعه واستكانته
وختم الآية بـ إثبات إن الرحمة دي ذكرى لكل مؤمن صاحب عقل سليم هتوصله الرسالة فيتفكّر ويختار إنه يصبر على كل إبتلاء فـ يلاقي في الآخر فرج ورحمة حد الإكتفاء .. (رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) .. [آية 84 : سورة الأنبياء ]
فالرحمة ماكنتش بس لسيدنا أيوب إنما هي رحمة مُستمرة لينا , عشان يكون كل الي حصله عبرة وعظة وذكرى لغيره من العابدين , عشان يقتدوا بيه في صبره على البلاء وفي المداومة على الشكر في السراء والضراء .. ويبقوا عارفين ومُتخيلين كرم ربنا بيوصل لحد فين .. فيبقى في مثال حيّ لقمة البلاء الي إنتهى بقمة الرحمة والنعيم
• إبتلاء سيدنا أيوب كان عظيم في حال الغِنا وفي حال الفقر .. فبرغم إن المعروف هو الإبتلاء بالسلب , إلا إن في إبتلاء آخر مخدوع بيه أغلب أغنياء الدنيا وهو الإبتلاء بالعطاء .. سيدنا أيوب كان مُبتلى في الحالتين .. وكان صابر وشاكر ونِعم العبد الأواب في الحالتين
(إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) والأوبة هي العودة إلى الله تعالى
بمعنى إن سيدنا أيوب دائم العودة إلى الله بالذكر والشكر والصبر , فـ كان صبره سبب نجاته وسر ثناء الله عليه
إتسمى بالاسم ده لإنه آب إلى ربه في كل حال .. يعني كان بيرجع لربنا أياً كانت الأحوال .. فـ لما كان حاله الغنا والترف , كان بيرجع لربنا بالشكر للنعمة وإحسان التصرف فيها فتلاقيه بيساعد كل الناس وبيحسن ليهم زي ما ربنا أحسن إليه
بينما لما ربنا إبتلاه وأصبح الحال فقر ومرض ووحدة .. بردو رجع إلى الله , فـ صبر وإحتسب وأحسن الظن بالله
• حكمة ربنا كانت في الإبتلاء قبل ماتكون في تفريجه .. ربنا عارف قلب عبده أيوب وعارف رد فعله هيكون إيه لإنه علّام الغيوب .. فـ حب يزوّد منزلته في الآخرة ويرفع مكانته ويبارك في حسناته بإنه يبتليه إبتلاء شديد زي دا ..
• موقف أهل القرية من مرض سيدنا أيوب بيتكرر كتير في حياتنا .. طول سنين المرض دي كانوا بيقولوا لبعض جُمل كتير زي "لو كان ليه رب وبيحبه كان موّته ورحمه من الي هو فيه!" .. لحد دلوقتي بنلاقي الي بيحكم على حد مُبتلى بإن ربنا غضبان عليه لمجرد إنه مش فاهم الحكمة من ورا كل دا !.. فكان من دعاء سيدنا أيوب : أعوذ بالله من جار عينه تراني , إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة ذكرها
• حبيبنا المصطفى بيقول " يُبتلى الرجل على قدر دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه" .. ولنا في سيدنا أيوب خير دليل .. ربنا عارف إننا في بلاء مستمر , وإن هيجي علينا لحظات ضعف ويأس ووسوسة شيطان مابتخلصش .. فكان في قصص أنبيائنا رسائل ربانية تصبّرنا وتعرّفنا إن محدش بيسلم من بلاء الدنيا حتى الأنبياء , بالعكس ده الأكتر من كدا إن ديننا ربط البلاء بالإيمان , فكلما كان بلاءك أكبر ماتقلقش لإن دي علامة إنك عند ربنا ذو مكانة ودين قوي حتى لو مكنتش شايف في نفسك كدا.. ربنا باعتلنا قدوة في أحب الناس إليه وهم أنبياؤه .. كل ده عشان نصبر إحنا .. عشان نثبت ونتمسك باليقين
• يرُوى أن ربنا يوم القيامة هيحتّج بسيدنا أيوب على أهل البلاء .. يعني هيقولهم مكنش ليكم حق تيأسوا وتقنطوا , لإن أيوب تعرّض لما هو أشد قسوة من بلائكم لكنه تحمّل وصبر الصبر الجميل .. إنتم وصلتلكم قصة فيها عبرة تصبّركم وتقويّكم على كل بلائكم .. بأي حق بعد ذلك تيأسون .. ؟!
• في قمة البلاء كان سيدنا أيوب بيقول حكمة جميلة وعظيمة وفي منتهى الإيمان واليقين .. قال : "ليس العذاب بعذاب الدنيا , إنه يزول عن أهلها , ويموتون عنه , ولكن طوبى لمن كانت له راحة في الدار التي لا يموت أهلها , ولا يتحولون عن منازلهم , السعيد من سعد هنالك والشقي من شقي فيها !"
• في الختام لازم نعرف إن البلاء أنواع .. قصتنا عن بلاء الأتقياء والصالحين من باب الإختبار ليهم .. لكن في نوع آخر من البلاء بيصيب المُخطئين من باب التقويم والتفويق من الغفلة .. النوع ده مش ضروري يكون معناه إن الشخص سيء , لكن الأكيد إن دي فرصة ليه إنه يراجع نفسه ويكتشف أخطاءه فيصلحها
ففي العموم لو كنت من أهل البلاء .. راجع نفسك الأول .. شوف ممكن تكون أغضبت ربنا في ايه .. ممكن تكون ظلمت حد او جيت عليه .. ممكن تكون عصيت أو ارتكبت ذنب فربنا عايز يتوب عليك منه
لو بعد المُراجعة الصادقة للنفس مالاقتش ما يستحق التقويم أو التصحيح .. يبقى إعرف إنه بلاء لزيادة درجاتك وتثبيت يقينك وإيمانك
وفي الحالتين الصبر طوق النجاة ..
_
وفي الأول و في الاخر دي كلها إجتهادات العلماء في محاولة تفسير كتاب الله وربنا وحده الأعلى والأعلم بما يُصيب ويُخطئ منها , قال تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا)




قصص الانبياء قصة سيدنا ذا الكفيل


قصة سيدنا ذا الكِفل من أكثر قصص الأنبياء غموضاً .. سبب الغموض ده هو عدم ذكر أي تفاصيل عن قصته في القرآن والسنة , ربنا إكتفى بـ ذكر اسمه في آيتين فقط لا غير .. لكن رغم قلة الكلام عنه إلا إنه في الآيتين دول إتكرّم تكريم كبير ..
فنلاقي ربنا بيوصفه بالصبر في سورة الأنبياء وبيجمعه مع سيدنا إسماعيل وسيدنا إدريس بقوله تعالى (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ ) .. [ آية 85 : سورة الأنبياء]
ذِكرهم في الآية دي تحديداً مكنش عشوائي , وجمعهم هما التلاتة مع بعض مكنش عشوائي بردو ..
• بالنسبة لـ جمعهم مع بعض فـ كان بسبب إشتراكهم في صفة الصبر , بس مش أي صبر .. ده الصبر الكامل التام ..
الصبر في العموم هو حبس النفس ومنعها عمّا تميل بطبيعتها إليه .. يعني بتجاهد نفسك وتمنعها عن حاجة انت مايل ليها بفطرتك لكن بتصبر عليها إرضاءاً لله .. جهادك مع نفسك لتقويمها والوصول إلى مرضاة الله من أعظم أنواع الجهاد..
والشخص لا يُذكر بـ الصبر التام غير عند تحقيقه لـ أنواع الصبر الثلاثة .. وده بيشمل :
- الصبر على الطاعة , بإنك تجاهد نفسك وتطيع ربنا بإتباع أمر غير مُحبب لقلبك لكنك بتعمله عشان ربنا أمر بيه .. وده زي الحجاب للبنات رغم الحر والإغراءات بترك الحجاب .. أو زي غض البصر للشباب رغم العُري المنتشر والقناوات المُتاحة في كل وقت وكل مكان .. فـ هنا تنفيذك للطاعة رغم انها صعبة عليك وتقويمك لنفسك رغم ميلها بطبيعتها لهواها وشهواتها , ده يُعتبر من أجمل أنواع الصبر
-الصبر على المعصية بإنك تبعد نفسك وتمنعها عن المعصية رغم مقدرتك عليها ..
- والصبر على أقدار الله المؤلمة , فـ مهما كان الخبر قاسي على قلبك تسلّم بإنه قضاء الله ولابد من حكمة وراه ..
لما نيجي نطبّق الكلام ده على الثلاث أنبياء المذكورين .. هنلاقي إننا لو رجعنا لقصة سيدنا إسماعيل بنشوف حياته كلها كانت عبارة عن ابتلاءات وصبر بعد صبر
فـ تلاقيه في بداية حياته صبر على فراق أبوه وتركه ليهم في وادي مافيهوش لا زرع ولا ماء
ومن ثم صبر على أمر الله لأبوه بـ ذبحه بدون حتى مايعرف السبب أو الحكمة
وبعدها صبر على أمر بناء الكعبة رغم المشقة والمجهود الي محتاج فريق عمل كامل ..
وفي وسط الأحداث الرئيسية دي كان في أحداث ضمنية كتير كلها إختبارات ومواقف زي ماحكينا في قصة سيدنا إسماعيل..
أما سيدنا إدريس فـ اللي عرفناه عن صبره هو الصبر على الطاعة , الصبر في إنه كان بيأدي رسالته على أكمل وجه وكان من أكثر الأنبياء إجتهاداً في تعليم الناس الخير وحثهم عليه
طريق الدعوة بيكون صعب جداً للي بيمشي فيه .. كله وسوسات من شياطين الجن وإيذاءات من شياطين الإنس , وإبتلاءات من رب الجن والإنس, لكن بالرغم من كل ده إستطاع سيدنا إدريس إنه يتغلب ويتفوّق ويوصل في الفضل والمكانة للي محدش وصله , لدرجة إن ربنا يقوله أنه بيُرفع ليه كل يوم مثل ما يُرفع لأهل الأرض كلهم من الحسنات ..
ده الصبر الي عرفناه من السند الموثوق عن سيدنا إدريس , أما باقي أنواع الصبر فـ برغم إن معندناش الخبر اليقين عنهم إلا إنه من المؤكد والمنطقي إنه حققهم عشان يستحق وصفه بالصبر التام و يتم تخصيص ذكره مع أعظم الصابرين ..
بالمثل سيدنا ذا الكِفل .. رغم إن ربنا ماذكرلناش تفاصيل عن قصته ورحلته , إلا إن ده يدينا دلالة أكبر على إن صبره كان عظيم لدرجة إنه لما جت سيرته ربنا إختار يذكره بـ الصفة دي تحديداً ..
ولإن ذِكر الأشخاص بيكون بأكثر صفاتهم بروزاً .. ده يأكد إن الصبر كان من أكثر صفات سيدنا ذا الكِفل وضوحاً وبروزاً

• أما عن ذكرهم في الآية دي تحديداً فـ نلاقيه جاء بعد الإنتهاء من قصة أبو الصبر أيوب .. الواو في بداية الآية هي عطف على جزاء سيدنا أيوب .. والمعنى إن الثلاث أنبياء الصابرين دول كان ليهم من الجزاء والكرم الربّاني والتعويض والمكافئات زي اللي كان لسيدنا أيوب –وإن إختلفت العطايا - ..
ربنا ذكرلنا قصة سيدنا أيوب العبد الصابر المُحتسب المُحقق لأنواع الصبر الثلاثة على أكمل وجه .. وإختار تعالى إنه يعقّب على القصة بـ ذِكر الثلاث أنبياء دول! .. كأنه عايز يقرّبلنا المعنى , فـ بعد قصة أكثر الناس صبراً قالنا إن في صابرين كمان زي فلان وفلان وفلان .. فـ نفهم إن الجزاء العظيم للصبر مش مقتصر على شخص بعينه , إنما هو عام لكل من صبر .. فـ يسكننا اليقين بإن جميع الصابرين ليهم رحمة وتعويض ومكافئات لا تخطر على قلوبهم .. والفرق الوحيد بينهم هو عملهم .. ومن رحمة ربنا إن الفرق ده إحنا الي بنصنعه , فـ بإيد كل صابر إنه يزيد جزاءه ويرفع منزلته بـ نفسه عن طريق صبره , عن طريق إحتسابه , عن طريق يقينه وإحسان ظنه بالله ..
وعشان كده تلاقي تكملة الآية بتقول ) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ ) .. [آية 86 : سورة الأنبياء]
إختصر كل الجزاءات بـ لفظ الرحمة .. فـ هو اللفظ الشامل لكل ما يخطر ولا يخطر على قلب المؤمن
ونلاحظ إنه بعد إثبات صفة الصبر , وصفهم كمان بالصلاح ، فـ كأن صبرهم أدى لـ صلاحههم ..
والصلاح يشمل :
- صلاح القلب .. بمعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه كل وقت
- وصلاح اللسان.. بأن يكون رطباً بذكر الله
- وصلاح الجوارح .. بإنشغالها بطاعة الله وإبتعادها عن المعاصي
فـ كان جزاء صبرهم وصلاحهم إن ربنا أدخلهم في رحمته، وخلاهم مع إخوانهم من المرسلين، وكافئهم بالثواب العاجل والآجل .. بالإضافة إلى ذِكره ليهم وتنويهه عن أساميهم في كتابه المحفوظ , وده يكفي و زيادة كـ مكافئة وشرف وفضل لا ينتهي

_
تاني آية إتذكر فيها سيدنا ذا الكفل كانت في سورة ص لما ربنا قال (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَار ) .. [ آية 48 : سورة ص ]
فنلاقيه لـ تاني مرة بيتقال اسمه مع اسم سيدنا إسماعيل .. بس المرادي كان سيدنا اليسع هو ثالث المذكورين
و المرادي الأسمين اللاحقين تم عطفهم على الاسم الأول الي هو سيدنا إسماعيل
فـ ربنا قال "اذكر إسماعيل" .. ( و ) اليسع ( و ) ذا الكِفل .. بمعنى إن العطف عائد على سيدنا إسماعيل نفسه .. هنكتشف إن ده غاية في البلاغة لما نعرف سببه ..
وسببه إن سيدنا اليسع كان مقامه في بني إسرائيل زي مقام سيدنا إسماعيل في بني إبراهيم..
فـ كان اليسع بمنزلة الابن لسيدنا إلياس .. وسيدنا إلياس كان بيواجه ملوك يهوذا وملوك إسرائيل ويبعدهم عن عبادة الاصنام زي ماكان سيدنا إبراهيم بيعمل ..
وهنا كان سيدنا اليسع بيعاون إلياس في مهمته زي ماكان سيدنا إسماعيل بيعاون أبوه إبراهيم
وبالتالي كان الربط بينهم في الآية منطقي وله أصل قوي ..
أما عطف سيدنا ذا الكِفل على سيدنا إسماعيل وجمعهم سوا في آية واحدة فـ إتكرر للمرة التانية زي ماحصل في الآية الي إتكلمنا عنها فوق
لكن المرادي كان في صفة جديدة ربنا بيوصفهم هما التلاتة بيها .. وهي إنهم من الأخيار يعني من المُختارين المصطفين الي ربنا إختارهم للنبوة وإختارلهم أكمل الأحوال فكانوا خير خلق الله في الاعمال والاخلاق والصفات والخصال ..
_
الغموض الي في قصة سيدنا ذو الكِفل أدى بطبيعة الحال إلى إختلاف العلماء على كل تفاصيل حياته
لدرجة إن شخصية سيدنا ذا الكفل نفسها في إختلاف كبير عليها ..
• فـ قيل إنه ابن سيدنا أيوب واسمه الأصلي هو ( بشر)
• وقيل إنه هو نفسه سيدنا إلياس [ المذكور في كتب اليهود بـ اسم "إيليا " ]
• وقيل هو رجل صالح وخليفة لأحد الملوك أو الأنبياء.. ومن هنا نشأ الخلاف على نبوته من عدمها فإعتبره البعض خليفة إنما مش نبي
• فـ قيل هو خليفة سيدنا اليسع عليه السلام
• وقيل هو خليفة أحد أنبياء بني إسرائيل .. وفي رأي رابط في النقطة دي هو رأي الشيخ الشعراوي لما قال إن لو كان فعلاً سيدنا اليسع [ أو أحد الأنبياء ] إستخلفه ومن ثم سكت الله على إستخلافه فـ ده بيتضمن قبول الله بيه كـ خليفة لـ نبي , وده معناه إنه هو كمان نبي
• ويُقال هو نفسه "عوبديا" صاحب الكتاب الرابع من كتب أنبياء اليهود الاثني عشر الي بيسموهم كتب الأنبياء الصغار .. وإنه تم تسميته بـ ذا الكِفل لإنه تكفّل بـ عهد لـ سيدنا اليسع وكان مُقتضى العهد ده إنه يستخلفه على أمر بني إسرائيل بشرط أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب ..
السر في الربط بين الوعود الثلاثة دول والخلافة على بني إسرائيل هو مضمون كل وعد من الوعود دي
- فنلاقي الصوم مقتضاه أن يمتنع الصائم عمّا أحل الله [ كـ الأكل والشرب والجماع ] , فاللي بيمتنع عن الي ربنا حلله معقول هيعمل الي ربنا حرّمه ؟
- والي بيقيم الليل ده بيضحي بـ راحته بعد شقاء النهار ويختار إنه يسيب النوم في مقابل إنه يفضل في صحبة ربه ولقاءه
- أما الي مابيغضبش فهو شخص موازينه في الحكم بالعقل ما بتتأثرش بالغضب , لإن الغضب بيخلي أحكام النفس مضطربة ومختلطة وبالتالي لا يصح إصدار الحكم في وقت الغضب

فـ من هنا كان التلات أعمال دول هي موازين الحُكم الصادق
محدش قدر على العهد ده غير سيدنا ذا الكِفل الي تكفّل بالعهد وصبر عليه رغم صعوبة الاستمرار فيه.. ومن هنا قال البعض إن سيدنا ذا الكِفل مكنش نبي مُرسل , إنما رجل صالح من بني إسرائيل تم إستخلافه على أمرهم وتكّفل بهم ..
_
لكن الراجح واللي عليه أكثر العلماء إنه نبي من الأنبياء الـ25 الي تم ذكرهم في القرآن .. وإلا ماكنش تم ذكر إسمه مقروناً بالأنبياء ..
• قال الرازي: "والأكثرون أنه من الأنبياء عليهم السلام"
• وقال ابن كثير: "وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قُرن مع الأنبياء إلا وهو نبي"
• وقال الآلوسي: "وظاهر نظم ذي الكفل في سلك الأنبياء عليهم السلام أنه منهم، وهو الذي ذهب إليه الأكثر"
• وقال ابن عاشور: "وأما ذو الكفل فهو نبي، اُختلف في تعيينه، فقيل: هو إلياس المسمى في كتب اليهود (إيليا)، وقيل: هو خليفة اليسع في نبوة بني إسرائيل. والظاهر أنه (عُوبديا) الذي له كتاب من كُتب أنبياء اليهود، وهو الكتاب الرابع من الكتب الاثني عشر، وتعرف بكتب الأنبياء الصغار"

وإستدل الرازي على كلامه بإنه تم ذكره في سورة الأنبياء وكل من ذُكر فيها فهو نبي .. بالإضافة إلى إنه تم تفضيله على بعض الأنبياء , فلو مكنش نبي ماينفعش يبقى أفضل من الأنبياء ..
أما إستدلال الشعراوي على نبوته فـ يُعتبر هو الرأي الجامع بين الاراء .. لإن الإختلاف مابين الرأيين بينتهي لما نقول إنه حتى لو كان فعلا خليفة لأحد الانبياء فهو نبي بسبب إقرار الله للخلافة دي وقبوله ليها ..
وبالتالي هتبقى الموافقة الإلاهية هنا جاية بعد إستئذان النبي بالخلافة لغيره زي ماحصل مع سيدنا موسى لما إستأذن الله في إرسال أخوه هارون معه فـ وافق الله ورد عليه بالآية (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) .. [ آية 30 : سورة طه]
وبعدها أصبح سيدنا هارون نبي بسبب إستخلاف سيدنا موسى له وقبول الله بالخلافة دي .. (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) .. [ آية 53 : سورة مريم ]
_

أما عن سبب تسميته بـ ذا الكِفل فإجتمعت الأراء إنه تكفّل بأمر ما فـ وفّى به وعشان كدا إتسمى صاحب الوعد أو صاحب الكِفل أو ذا الكِفل , وده بين قولين :
• إما إنه تكفّل بأمر أحد الصالحين [ او الأنبياء] فـ قام بـ عمله من بعده , أو قام بما كلّفه به كـ عهد عشان يوليّه خلافة بني إسرائيل
• أو إن ربنا هو الي تكفّل له في سعيه وعمله , أو في تحقيق وعده .. فـ يُحكى إنه مر على بلاد ملك كافر من بني إسرائيل , فـ إبتدا يقنعه بالإيمان , الملك سأله لو آمنت معاك هيكون جزائي إيه ؟ فقاله الجنة .. وإبتدا يوصفهاله
الملك حب وصف الجنة واشتاق ليها .. فـ سأله ومين يتكفل لي أو يضمنلي الوعد دا ؟..
من فرط إيمان ذا الكِفل بإن وعد ربنا هيتحقق بالجنة لكل مؤمن صحيح الإيمان طيب النوايا والأعمال قاله أنا بذلك كفيل
هنا أسلم الملك وأحسن العبادات وأقبل على ربه بالطاعات .. فلما مات , تكفل الله بتنفيذ وعد ذا الكِفل وأدخل الملك الجنة .. ومن بعدها أصبح ذا الكِفل يتكفّل لكل من يدعوهم للإيمان بـ إن جزاءهم لو أسلموا وأحسنوا الإسلام هيكون الجنة بدون شك ..
_
من أوجه الخلط الي بيقع فيها بعض الناس إنهم بيربطوا سيدنا ذو الكفل بالحديث ده :
(كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينار على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك ؟ أأكرهتك ؟ قالت : لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة قال : فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ؟ ثم نزل فقال أذهبي بالدنانير لك، ثم قال : والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه : قد غفر الله للكفل ). رواه أحمد و الترمذي
الحديث موقوف على ابن عمر , فلو كان صحيح يبقى المقصود بيه شخص تاني غير سيدنا ذا الكِفل ..
وده منطقي لإن عصمة الأنبياء تبعدهم كل البعد عن خطأ زي ده ..أما المقصود هنا فهو رجل صالح من بني إسرائيل اسمه " الكفل" وبسبب اسمه بيحصل الخلط وبيفتكروه سيدنا ذو الكِفل , بينما لو كان هو المقصود كان لفظ الحديث هيبقى بنفس لفظ القرآن [ ذا الكِفل]

_
من أشهر الروايات الي بيذكرها المفسرين عن سيدنا ذا الكِفل هي رواية ابن عباس الي بيحكي فيها محاولات الشيطان معاه عشان يخليه يخلف بـ وعده
والقصة إن سيدنا ذا الكِفل كان قاضي بيحكم بين الناس وبينصر المظلوم وبيقيم العدل في قومه .. و تنفيذاً للوعود الي قولناها فوق نلاقيه كان بيشتغل طول النهار وهو صايم ويقضي الليل في العبادة والقيام , وفوق كل ده يُقال إنه كان بيصلي في اليوم 100 صلاة
حسده إبليس وأصرّ على إغواءه فـ بعت أتباعه يحاولوا معاه بكل الطرق إنه يخلف وعوده , لكن محاولاتهم كلها كانت دايماً بتفشل .. فـ إبليس قرر إنه هو بنفسه الي هيغويه , وكانت فكرته إنه يحاول يخليه يخلف وعده الثالث [الخاص بعدم الغضب ] وبالتالي يخلّ بالأمر الي تكفّل النبي بيه
إبليس دخل لسيدنا ذا الكِفل في وقت نومه .. ومن المعروف إن عدم النوم بيسبب تعب للأعصاب فـ بيبقى سهل ساعتها الغضب
وسيدنا ذا الكِفل كان وقت نومه قليل جداا بيقتصر على وقت القيلولة فقط لا غير بسبب إنشغاله بالليل في تنفيذ وعد القيام وإنشغاله بالنهار في عمله كـ قاضي للعوام
[القيلولة هي النوم في وقت الظهر أو في منتصف النهار ]
جاله إبليس في وقت القيلولة وتمثّل على هيئة عجوز وإدّعى بإنه مظلوم ومقهور .. إبتدا يحكيله الظلم الي واقع عليه وقد إيه قومه ناس مفترية وبيفتروا عليه .. زاد في الكلام وإستفاض في الحكاوي لحد ما وقت القيلولة إنتهى وكان لازم سيدنا ذا الكِفل يروح لمجلسه عشان يحكم بين الناس ويبتدي شغله المُعتاد بس المرادي من غير مايقدر ينام ويرتاح ولو حتى شوية..
سيدنا ذا الكِفل إستأذن العجوز إن وقت المجلس إبتدا ولازم يروح للناس دلوقتي , بس طلب منه إنه يلحقه على هناك عشان يحكم في قضيته ويجيبله حقه .. إبليس كده وصل للي هو عايزه وضيّع وقت النوم على سيدنا ذا الكِفل فـ بطبيعة الحال مكنش في داعي يروح للمجلس لإنه مش صاحب قضية أصلاُ ..
مر اليوم بسلام فإستمرت محاولات إبليس يوم ورا يوم وكان بيضيّع على سيدنا ذا الكِفل وقت قيلولته مرة واتنين وتلاتة بنفس الطريقة ..
وفي كل مرة كان بيتحجج بـ أي حجة لعدم مجيئه للمجلس
عمل سيدنا ذا الكِفل كـ قاضي كان بيحسسه بمسؤلية إنه لازم ينصر المظلوم وماينفعش حد يلجأله فـ يسيبه تحت أي ظروف
لكن ده بيأثر على أعصابه وبيزوّد العبء عليه في عدم الغضب رغم التعب .. ده غير الإرهاق في القيام والصيام والقضاء دون نوم يوم بعد يوم ..
فـ أمر أحد الحراس بـ إنه يقف على الباب ومايخليش حد يزعجه أبداً في فترة قيلولته لحد مايصحى من النوم ..
لما جيه إبليس لاقى حارس ومعرفش يدخل .. فـ تسلل جوا البيت بطريقة ما , في اللي قال إنه دخل عن طريق فتحة كانت في الجدار , وفي الي قال إنه تخلّى عن تجسّده ورجع لطبيعته فـ دخل بسهولة لإنه جن
لما بقى جوا البيت تمثّل على هيئة العجوز من جديد .. بس لما سيدنا ذا الكِفل صحي ولاقاه قدامه فهم فوراً إنه إبليس
فسأله "أعدو الله؟ "
قال إبليس: " نعم ، أعييتني في كل شيء ، ففعلت ما ترى لأغضبك "

_

نيجي عند وفاة سيدنا ذا الكِفل فـ نلاقي الإختلاف لازال قائم .. فـ يرى أهل الشام إنه مدفون في جبل قاسيون، ويرى أهل العراق إنه مدفون في بلادهم في قضاء الكفل التابع لمحافظة بابل منتصف الطريق بين الكوفة والحلة .. فالله أعلم أيهم أصح









قصص الانبياء قصة سيدنا موسي والخضر

سيدنا موسى في يوم من الأيام كان بيلقي خطبة في بني إسرائيل .. ومن الواضح إن خطبته كانت كاملة متكاملة رائعة مقنعة , لدرجة إن حد فيهم سأله بعد ما إنتهى من الخطبة وقاله " هل على وجه الارض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ " ..
سيدنا موسى كان كليم الله .. صاحب المعجزات , أحد أولي العزم من الرُسل , الي ربنا إختصه بالتوراة وميّزه هو وقومه بمعجزات متتالية للتثبيت وزرع اليقين .. فـ كان من البديهي بعد ده كله تكون إجابة أي حد على السؤال إن "محدش أعلم من النبي الكليم" , وفعلا دي كانت إجابة سيدنا موسى , رد على السؤال بكلمة واحدة هي " لا " ..
هو كان فعلاً أعلم الناس في قومه , لكن مش أعلم الناس على الإطلاق
ربنا عتب عليه إنه أنسب العلم لنفسه بدل مايرد الأمر لله ويقول "الله أعلم" .. فـ أوحاله إن فيه عبد أعلم منه موجود بـ"مجمع البحرين " [ مجمع البحرين يعني نقطة إلتقاء البحرين أو إجتماعهما ]

سيدنا موسى أدرك إنه تسرّع في إجابته .. كان رد فعله لما عرف مكان شخص أعلم منه إنه عقد العزم بالسفر للمكان ده عشان يقابله ويستزيد من علمه..

بس سأل ربنا هوصل هناك إزاي ؟ .. ربنا رد عليه إنه ياخد معاه حوت [الحوت في اللغة يعني نوع من السمك بشكل عام , مش الحوت الضخم المُتعارف عليه ] , وقت مايفقد الحوت يعرف إن هي دي المنطقة المقصودة ..
الحوت كان مملوح [مشوي] .. أخده سيدنا موسى وحطه في مكتل [ يعني وعاء أو جراب أو قُفة كبيرة]
قال لـ يوشع بن نون إنت مهمتك الوحيدة تاخد بالك من السمكة دي ولو فقدتها تقولي

ومن هنا إبتدا رحلته طلباً للعلم .. كان عنده هدف من رحلته .. ماشي وحاطط في دماغه إنه مش هيقف غير لما يوصل .. قال لـ يوشع هفضل ماشي لحد ما أوصل لـ مجمع البحرين .. أو أمشي سنين كتير حتى لو هكمل مشي "حُقبة " من الزمن (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ( .. [ آية 60 : سورة الكهف]
[ - يوشع بن نون هو فتى موسى , يُقال كان خادمه , ويُقال ابن اخته , ويُقال كان بيلازمه عشان يستفيد من علمه
- قيل البحرين هما بحر الروم وبحر القُلْزُم ((اسمهم حالياً البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر)) / وقيل بحر الروم وبحر فارس / وقيل بحر الأندلس / وقيل نقطة إجتماع البحرين هي عند طنجة / وقيل في إقريقيا ..
- المقصود بـ(حُقبًا ) فترة طويلة من الزمن .. قيل سنة / وقيل70 سنة / وقيل 80 سنة / وقيل أكثر ]
_

سيدنا موسى ويوشع وصلوا لصخرة وقعدوا عندها يستريحوا .. قرروا يناموا ولما يصحوا يكملوا رحلتهم .. لكن أثناء نومهم الحوت فارقهم , ربنا أحياه فـ مشي في البحر وسابهم .. [ يُقال إن سبب حياة الحوت كان إنهم كانوا نايمين جنب عين اسمها (عين الحياة ) بتحيي أي حاجة بتلسمها بإذن الله .. فلما رذاذ العين دي لمست الحوت أحياه الله .. و قد يكون ربنا ردّ فيه روحه بـ كن فيكون من غير أسباب .. فـ الله أعلم بالأصح ]
لما الحوت رجع عايش إضطرب وابتدا يتحرك لحد ماوقع من المكتل ونزل في البحر .. آثار الحوت في الميّة كانت واضحة ..[ يعني المكان الي يعوم فيه بيبقى له أثر واضح بعديه]
يُقال إن آثاره كانت على شكل صخر .. يعني الميّة الي الحوت يلمسها تتحوّل حجر عشان تبقى واضحة وتبقى دليل لسيدنا موسى وفتاه لما يرجعوا ..
ويُقال كانت على هيئة مسلك "طريق " شكله واضح في البحر ..
ويُقال إن ربنا جعل الميّة الي يعدّي عليها الحوت تفقد خاصية الجريان , وبالتالي هتفضل ثابتة وواضحة ومميزة عن باقي الميّة الي حواليها لإنها واقفة مش مُنسابة زي باقي البحر .. (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)
ساعتها يوشع صحي من النوم وشافه وهو ماشي .. لكن قرر إنه مايزعجش سيدنا موسى , قال الأحسن يستناه لما يصحى وساعتها يبلّغه بـ فقدان الحوت .. لكن لما سيدنا موسى صحي يوشع نسي وماجبش سيرة الحوت .. (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا) .. هما بلغوا المجمع فعلاً لإن فقدان الحوت كانت هي علامة الوصول .. لكن يوشع نسي يقول لـ سيدنا موسى على فقدان الحوت فـ كملوا طريقهم وسابوه ..
و رغم إن يوشع هو بس الي نِسي لكن ربنا قال عنهم هما الاتنين "نسِيَا" , فـ فسروها إن سيدنا موسى نسي يسأل عن الحوت ويطمن إنه موجود , ويوشع نسي إنه يقوله الي حصل .. وفي تفسير تاني إنها إتقالت على سبيل إنهم هما الاتنين مع بعض فـ الكلام بيكون بصيغة المثنى حتى لو كان الفعل من مفرد .. زي مثلا (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) الضمير هنا كان "منهما" رغم إن اللؤلؤ والمرجان بيخرجوا من البحر المالح ومابيخرجوش من العذب .. وكمثال تاني لنفس الفكرة ففي عموم اللغة بنقول "خرج القوم وحملوا معهم كذا من الزاد " رغم إن الي بيشيل الزاد بيكون شخص واحد لكن الضمير كان جمع .. فـ بالمثل هنا سيدنا موسى ويوشع كانوا واخدين الحوت كـ زاد في السفر هما الاتنين فلما نسي واحد منهم وقع الضمير عليهم هما الاتنين .. وتفسير تالت إن النسيان هنا بمعنى الترك أو التأخير , زي مابنقول في الدعاء " أنسأ الله في أجلك" يعني أخرّ عنك الموت ..و بالتالي هيكون الضمير مُثنى لإنهم هما الاتنين سابوه وأخرّوه عن إنهم يحملوه , بمعنى تركوه ..
_

كملوا رحلتهم ومشيوا باقي يومهم وليلتهم .. في اليوم الي بعده سيدنا موسى طلب من يوشع يجبلهم من الأكل الي واخدينه معاهم كـ زاد للطريق عشان ياكلوا ويعوّضوا التعب الي تعبوه في المشي ده كله .. (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا) .. [آية 62 : سورة الكهف ]
[ يُقال كان زادهم وأكلهم هو الحوت نفسه , ويُقال إنه كان أكل تاني منفصل عن الحوت ] ..
هنا يوشع إفتكر الي حصل وإفتكر إن الحوت مشي .. حكى لسيدنا موسى الي حصل عند الصخرة وهو مستغرب جداً إن الحوت رجعتله الحياة , ومستغرب أكتر إنه نسي حاجة زي دي رغم غرابتها .. وصفله الآثار العجيبة الي كانت بتبقى باينة ورا الحوت في الحتة الي يسبح فيها .. ) قال أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا( .. [ آية 63 : سورة الكهف ]
سيدنا موسى قال يبقى هو ده المكان الي كنا عايزينه وقاصدينه وجايين عشانه (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ )
فـ قرروا يرجعوا كل الي مشيوه تاني وإبتدوا يدوّروا على آثارهم "يتقصّوا الأثر" عشان يعرفوا الطريق ) فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ) .. [آية 64 : سورة الكهف]
لما رجعوا عند الصخرة تاني شافوا أثار الحوت في الماء زي ماكان يوشع بيحكي ..مشيوا ورا الأثر ده لحد مالاقوا العبد الصالح .. وصلوا للهدف أخيراً ولاقوا الراجل الي علمه أكبر من علم موسى ..
_

ربنا قال عليه في القرآن "عبداً من عبادنا " .. عبد هنا نكرة للتفخيم , وعبادنا مُضافة لـ الذات الإلاهية للتكريم والتعظيم ..
ربنا ماقالش اسمه صريح في القرآن عشان نركز أكتر على العبرة .. مش مهم الشخص مين على قد ماهو المهم صفته .. الي بيميّزه هو علمه مش اسمه .. ربنا أنعم عليه وأتاه رحمة منه وعلّمه العلم ده .. ده غير إنه بدون رحمة ربنا مجرد عبد زيه زينا .. بمعنى إن أي حد فينا فرصته في الولاية والصلاح زي فرصة الأولياء والصالحيين بالضبط .. هما عباد واحنا عباد ,, لكنهم أخلصوا النوايا واتجهوا لله بقلوبهم فـ اصطفاهم وميّزهم وأكرمهم فـ رحمهم برحمته الواسعة وأتاهم من فضله العظيم ..
ده كان التعبير القرآني عن العبد الصالح .. لكن السُنة توّسعت أكتر في الموضوع وأشبعت فضولنا فـ حددت لنا شخصيته واسمه .. هو الخضر زي ما تم ذكره في الأحاديث الصحيحة .. وسبب تسميته الخضر على حسب ماذكر أبو هريرة عن رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه (إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء) .. صحيح البخاري
في علماء بيقولوا إنه كان نبي .. وعلماء تانيين بيقولوا كان ولي , وغيرهم بيقولوا كان عبد صالح إختصه الله بـ علم الباطن
_
سيدنا موسى عرّفه بنفسه , وبعدين طلب منه إنه يبقى معاه لفترة من الزمن عشان يتعلم منه علم ينفعه في دينه ويكون مُرشد ليه في تصرفاته الدنيوية والدينية .. (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)
سؤال سيدنا موسى كان قمة في الأدب والتواضع .. بكل لطف قاله "هل أتبعك ؟ " .. زي مابنقول كده لو ماكنش يضايقك أو يتقلّ عليك ..
مافكرش إنه نبي ورسول وربنا ميّزه بمعجزات وتكليم وحاجات تانية كتير .. بالعكس كل الي كان بيسعى ليه هو العلم , بمنتهى التواضع تحوّل لـ طالب علم قدام الي أعلم منه بحاجات معينة..
سيدنا الخضر قاله بلاش .. مش هتصبر على الي هتشوفه معايا .. ده لإن انا عندي من الله علم انت ماتعرفوش .. وانت كمان عندك علم انا ماعرفوش .. (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا )
سيدنا الخضر كان عنده علم الباطن .. بواطن أفعاله كلها خير , بس قد يكون ظاهرها مُنكر واضح وحرام مايتسكتش عليه
بينما سيدنا موسى عنده علم الشريعة والأحكام والأفعال الظاهرية , فـ كان الخضر عارف إن سيدنا موسى مش هيتقبّل أفعاله لإنها تبان مُنكرة وعكس شريعته .. كان عارف إنه مش هيصبر على حاجة مُنكرة في شريعته من غير مايعرف الحكمة منها أو السبب في صحتها .. (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا)
إستمر سيدنا موسى في أدبه وأصرّ على طلبه .. قاله جربني وهتلاقيني – ان شاء الله – صابر , ومن فرط التواضع ختم بـ وعد إنه مش هيخالف أي "أمر" يقوله .. (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)
الخضر وافق لكن بشرط .. قاله ماتسألنيش عن أي حاجة أعملها غير لما انا الي أقولك سببها في الوقت المناسب .. عرض شرطه وساب الإختيار لسيدنا موسى , فكانت الجملة إختيارية مش أمرية , قاله لو إخترت تتبعني يبقى تنفذ شرطي .. (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) .. [ آية 70 : سورة الكهف]
وافق سيدنا موسى وإبتدت رحلتهم هما الاتنين ..[ أما عن يوشع بن نون فـ يُقال إن سيدنا موسى خلاه يمشي ويرجع لـ قومه بعد ما قابل الخضر , ويُقال كان معاهم في رحلتهم لكن ما إتذكرش في القرآن لإنه تابع لسيدنا موسى .. فالله أعلم]
_

إبتدت الرحلة .. وأولها إنهم كانوا ماشيين على ساحل البحر فـ مرّت سفينة , طلبوا منهم إنهم يركبوا معاهم .. أصحاب السفينة كانوا يعرفوا الخضر فـ وافقوا يركّبوهم من غير حتى أجر ..
بعد ماركبوا وأبحرت السفينة الخضر خرقها , [ يُقال الخرق كان عن طريق إنه خلع وانتزع لوح من ألواح السفينة ]
سيدنا موسى لما شافه بيعمل كده إتصدم .. أستنكر .. ماسكتش على الغلط لما شافه بيحصل .. فـ قاله إنت خرقتها عشان أهلها يغرقوا ؟ .. غلطت غلط كبير وارتكبت داهية عظيمة! .. (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)
سيدنا الخضر فكّره بالشرط والوعد .. قاله مش إتفقنا ماتسألنيش عن حاجة غير لما أقولك سببها .. مش قولتلك مش هتصبر على الي هتشوفه معايا .. (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)
فـ سيدنا موسى فهم إن دي من أعمال البواطن الي هو مايعرفش الحكمة منها , ندم وحس بغلطه فـ تأسف من غير تكبّر أو عناد .. قاله ماتآخذنيش بسبب نسياني لوصيتك بإني أسيب السؤال وأبعد عن الإنكار لحد ما يجيلي منك بيان .. وماتضيّقش عليا فـ تكلّفني في صحبتي ليك مشقة تخليني مقدرش أنتفع بالعلم الي عندك (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا )
السفينة ماغرقتش .. يُروى إن سيدنا موسى حط ثوبه مكان الثقب وسده بيه , ويُقال إن الخضر هو الي عالج الثقب بـ وعاء من الزجاج أو حاجة شبهه .. وهو الإحتمال الأكبر

عدّى الموقف ونزلوا من السفينة وإبتدوا يمشوا مكملين رحلتهم .. لاقوا أطفال بيلعبوا .. الخضر أخد طفل منهم بعيد وقتله !! ..
المرادي الغلطة أعظم ومايتسكتش عليها مهما يحصل , ده قتل فعلاً !! .. سيدنا موسى إعترض .. إستنكر , وقاله إنت قتلت طفل بريئ من غير وجه حق ؟ من غير سبب , من غير قصاص , من غير مايكون أذنب في شيء! ..( فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا)
سيدنا الخضر رد عليه بنفس الرد الأول .. بس المرادي ماقالوش زي المرة الاولى ( ألم أقل إنك لن تستطيع ..) .. إنما أضاف كلمة "لك" فقال (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) .. "لك" هنا زيادة في التأكيد والتحديد .. قولتلك إنت مش حد غيرك ..
إعتراض سيدنا موسى المرادي كان نابع من نفاذ صبره وغيرته على الحق وبالتالي عدم مقدرته على كظم غيظه والسكوت على المنكر .. فـ المرادي ملوش مبرر.. إستحى سيدنا موسى من تكرار غلطه وبالتالي حكم على نفسه إنه لو كررها للمرة التالتة هيكون ده سبب في الفراق وكل واحد يكمل رحلته لوحده .. وساعتها هيكون الخضر معذور ومحدش يقدر يلومه .. (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا) .. [آية 76 : سورة الكهف]

عدّى الموقف وبقى في إتفاق جديد إن لو حصلت مخالفة للعهد مرة كمان هيكون الفراق هو الحل ..

كملوا رحلتهم لحد ماوصلوا لقرية .. [ يُقال هي أنطاكية , ويُقال قرية في بلاد الروم , وقيل بجزيرة الأندلس , وقيل هي باجروان ناحية أذربيجان , وقيل برقة .. وقيل أقاويل كتير فالله أعلم بالأصح]
طلبوا من أهل القرية دي إنهم يضايفوهم بالأكل ويكرموهم بإعتبارهم ضيوف وعابري سبيل .. لكن أهل القرية رفضوا وأعرضوا وبخلوا بحق الضيافة ..
كملوا مشي في القرية فلاقوا جدار آيل للسقوط , حيطة ممكن تقع وتتهد في أي وقت .. فـ الخضر بناها ..[ يُقال هدها وبناها من جديد , ويُقال سندها بـ إيده فـ إستقامت بـ إذن الله ]
سيدنا موسى إستغرب من تناقض الحال .. بين ناس بخلاء لدرجة إنهم ينكروا حق الضيف ويرفضوا يطعموا عابر السبيل , وفي المقابل الضيف الي أنكروه ده يبني ليهم حيطة خاصة بيهم من غير ماحد يطلب منه ومن غير ماهو يطلب من حد أي أجر .. طيب مانت كنت دوّرت على أصحابها وأتفقت معاهم على مقابل مادي أو على الأقل طعام بدل ماحنا جعانين وخلص الاكل اللي معانا وهما مارضيوش يضايفونا .. (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)
بكده يكون إعتراض سيدنا موسى ده أقام عليه الحجة , فـ بقى الفراق هو المقابل لإستنكاره ترك الأجر وبالتالي مخالفة الامر للمرة التالتة على التوالي ..
سيدنا الخضر قاله حان الفراق بيني وبينك , لكن قبل ما تمشي هحكيلك الحكمة من كل موقف حصل وأنكرته .. (قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا )

إبتدا يفسّر السبب والحكمة من كل الي حصل .. فـ إبتدا بالسفينة وقاله إن أصحابها كانوا مساكين مايستحقوش الأذية , وفي نفس الوقت ضعفاء مايقدروش يدافعوا عن حقهم [والواضح إن مالهمش باب للرزق غير السفينة دي ] .. وكان هيقابلهم ملك ظالم بيصطاد السفن ويتفقدها , اللي يلاقيها سليمة ومفيهاش عيوب بياخدها غصب عن أصحابها .. فـ كان من مصلحة أصحاب السفينة دي إن يبقى فيها عيب بسيط مايئذيهمش لكن يحميهم من إستيلاء الملك عليها وظلمه ليهم ..(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) .. [ آية 79 : سورة الكهف]

أما في تاني موقف فـ الغلام الي إتقتل ده كان أبوه وأمه مؤمنين أتقياء بينما هو كان غير كدا .. كان لما يكبر هيطلع كافر وهما مايستاهلوش كده .. حبهم ليه كان ممكن يخليهم يحاولوا يرضوه لدرجة إنه يجرّهم معاه للكفر والعصيان .. أو إنهم بسبب إحتياجهم ليه هيقدر يجبرهم على مجاراته في كفره , وفي الحالتين وجوده كان هيبقى فتنة كبيرة ليهم في دينهم الي هو أغلى حاجة عندهم .. وبالتالي كان من مصلحتهم يحافظوا على دينهم ويفقدوا ابنهم وهو صغير قبل مايكبر ويكفر .. (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) .. في حين إن ربنا مش هينساهم وهيعوّضهم بطفل تاني يكون قرة عين ليهم يرحمهم ويعينهم ويقويّهم على دينهم ودنياهم (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) .. [ قيل إنه يوم ما الغلام إتقتل أمه كانت حامل في الطفل الجديد الي ربنا بعته كـ تعويض .. ويُقال إن الطفل كان بنت كبرت وإتجوزت وخلّفت نبي [ أو أنبياء ] .. فكان التعويض مُضاعف وإهتدى على يد ذرية الأبوين دول أمة أو أمم .. ]

وفي الموقف التالت والأخير , فـ كان الجدار الي بناه مملوك لـ طفلين يتيمين , أبوهم كان راجل صالح توفّى وهما صغيرين .. صلاح الأب كان سبب في حفظ الله لأبناءه حتى بعد وفاته .. الحكمة إن الجدار ده كان تحته كنز للطفلين , لو كان إتهد الجدار كان انكشف الكنز وهما لسه أطفال , وبالتالي أهل القرية أو قرايبهم كانوا هيظلموهم وياكلوا حقهم من غير ما الطفلين يقدروا يدافعوا عن ورثهم .. فـ كانت الرحمة الربّانية تقتضي إنه يبعت أنبياءه كل المسافة دي عشان يبنوا الجدار الخاص بيهم ويحفظولهم حقهم لحد مايكبروا ويبلغوا أشدّهم فـ يقدروا يستخرجوا كنزهم بنفسهم ويدافعوا عن حقهم .. (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ )

ختم الخضر كلامه بـ تبرأة نفسه من إنه يكون عمل أي حاجة من دي إجتهاداً أو عن رأي شخصي منه , إنما كلها أوامر ربّانية .. (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)
ده كان تفسير وتأويل المواقف التلاتة الي سيدنا موسى ماقدرش يصبر عليها بسبب معرفته لعلم الظاهر بينما هي مُختصة بعلم الباطن .. (ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)

_
وفي الأول و في الاخر دي كلها إجتهادات العلماء في محاولة تفسير كتاب الله وربنا وحده الأعلى والأعلم بما يُصيب ويُخطئ منها , قال تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا)


 

 


قصص الانبياء قصة سيدنا موسي

قصة سيدنا موسى بتبدي بـ رفض قانوني صارم لـ وجوده من قبل مايتولد بسنين!
الي حصل إن الفرعون الي كان بيحكم مصر وقتها كان حاكم جبّار ظالم بيدّعي الألوهية .. كان بيستعبد بني إسرائيل وبيحمّلهم فوق طاقتهم وبيستغلهم في الأعمال الشاقة من الخدمة والبناء وتعمير البلاد ..
_
في يوم من الآيام وصلت للفرعون أخبار إن بني إسرائيل عندهم نبوءة مضمونها إن واحد منهم هيكون سبب في هلاكه وسقوطه عن عرش مصر وتحرير بني إسرائيل من إستعباده ليهم .. [ مانقدرش نحدد إيه مصدر النبوءة دي بالضبط ..
- في الي قال إنها مجرد أسطورة إختلقها بنو إسرائيل عشان يعشموا نفسهم بظهور بطل منهم يكون على إيده هلاك الظالم وتحريرهم .. وده أضعف الآراء
- وفي الي قال إن أحد شيوخ بني إسرائيل أو أحد الكهنة عندهم شاف رؤيا بـ مضمون النبوءة دي , فـ نشرها عشان يطمّن بيها قومه ويصبّرهم على الي هما فيه , وفي نفس الوقت يخوّف أتباع فرعون فيخففوا من أذيتهم لبني إسرائيل ..
- وفي الي قال إن فرعون نفسه هو الي شاف حلم فيه نار جاية من بيت المقدس وبتحرق مصر والمصريين أجمعين لكن مابتئذيش بني إسرائيل .. ساعتها أحد الكهنة فسرهاله بالمعنى ده ..وده كان رأي السُدي وتبنّاه كثير من المفسرين فـ هو أقرب الاراء للصواب .. والله أعلى وأعلم بالأصح ]
المهم إن خوف الفرعون على عرشه خلاه فوراً ومن غير تفكير يصدر قرار بـ إعدام أي طفل ذكر يولد من بني إسرائيل
لكن المستشارين الي حواليه نبّهوه إن القرار ده هيكون سبب في فناء بني إسرائيل لإن الكبار منهم بيموتوا بسبب سنهم , والصغار بيتم قتلهم .. فبالتالي إحنا هنتضرر من قلة الأيدي العاملة وده هيأثر على إقتصاد البلد كله
فـ الأفضل إن العملية تتنظم , بإنهم يذبحوا الاطفال الذكور من بني إسرائيل في سنة , والسنة الي بعدها يسيبوا أي طفل ذكر يتولد فيهم عشان نضمن الحفاظ على النسل وبالتالي مانتأثرش بـ قلة الأيدي العاملة ..
فرعون وافق على الكلام ده وحسه منطقي وفيه مصلحته .. فـ أصدر القرار وإبتدا تطبيقه
ومن هنا زاد العذاب على بني إسرائيل بدل مايخف ..
_
في الوقت ده أم سيدنا موسى حملت بـ أخوه هارون في السنة الي الذكور ما بتتدبحش فيها .. فـ خلّفته في أمان من غير ماحد يئذيه أو تخاف عليه ..
لكنها حملت بـ سيدنا موسى نفسه في السنة الي مفروض يتقتل فيها أي طفل ذكر .. فـ كان الحمل ده كله خوف وقلق على المولود ..
يُحكى إنها حملت بيه من غير مايبان عليها أي آثار للحمل , بطنها ماكبرتش بشكل مُلفت وشكلها ماتغيرش زي باقي الحوامل .. فـ أتباع فرعون ما ميّزوش حملها .. بس كان ليها صديقة مُقرّبة هي أصلاُ قابلة من القوابل [ يعني واحدة من الأقباط المُكلّفين بـ توليد نساء بني إسرائيل , بيوّلدوهم مخصوص عشان يعرفوا نوع المولود فلو كان ذكر يبلّغوا الذبّاحين فوراً عشان يقتلوه]
روى ابن عباس عن موقف ولادة أم موسى , إنها لما جت تولد بعتت تجيب صديقتها دي وبتستغيث بيها عشان توّلدها وهي متعشمة فيها بسبب غلاوتهم عند بعض , قالتلها " قد نزل بي ما نزل ، فلينفعني حُبك إياي اليوم"
الست جت لها بسرعة وولّدتها فعلا .. لكن اول ما سيدنا موسى إتولد وشافته .. شافت نور جميل على جبينه .. إترعش جسمها وربنا زرع حبه في قلبها فـ حنت عليه ورحمته .. إعترفت لأمه إنها ماكنتش جاية تساعدها وكانت كل نيتها انها تشوف مولودها ولو كان ذكر هتبلّغ الذبّاحين وتتم مهمتها .. لكنها لما شافت الطفل حبته حب ماحبتهوش لأي طفل قبل كده .. فـ تراجعت عن نيتها و وّصتها إنها تحافظ على ابنها وتخبيه .. وفي رواية زادت على الكلام إنها شاكة يكون هو ده الطفل الي فرعون مستنيه ..
_
سيدنا موسى لما إتولد وكان ذكر فعلاً وبعد الموقف ده كمان كانت النتيجة الطبيعية إن خوف أمه عليه زاد وتأكد فـ بقت حريصة انها تحمي إبنها و محدش يوصل ليه .. بقت ترضعه في السر وتفكر في حل , لحد ما ربنا أوحى ليها في يوم من الأيام إنها تصنع صندوق صغير تحطه فيه وتسيبه في اليم ..
[- اليم هو البحر .. والمقصود بيه هنا النيل , رغم إن البحر بيتميّز عن النيل إن مياهه مالحة لكن إتسمى النيل بحر بسبب إتساعه..
- إختلفوا في طريقة الوحي دي .. فـ قالوا إنه كان عن طريق الإلهام .. وقيل عن طريق رؤية في المنام .. وقيل عن طريق إرسال ملك مُتمثل على هيئة بشر.. فـ الله أعلى وأعلم ]
كان قلب الأم بيتقطع خوف وقلق وألم وهي بترمي إبنها الرضيع في النيل لكنها كانت عارفة ومتأكدة إن رحمة ربنا هتكون أكبر من رحمتها بـ إبنها بمراحل .. وكان هو ده الضمان الوحيد .. ثقة في الله لا أكثر
( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .. [ آية 7 : سورة القصص ]
الآية دي عظيمة بليغة متكاملة .. جمعت بين خبرين و أمرين ونهيين وبشارتين ..
• الخبرين ..
إن ربنا أوحى ليها (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) .. وإنها هتخاف عليه (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ)
•وبناءاً على الخبر التاني ربنا أمرها بـ أمرين ..
إنها ترضعه (أَنْ أَرْضِعِيهِ) , وإنها تلقيه في النيل (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ) .. [ يُقال أرضعته لحد مابقى 3 شهور , ويُقال لحد 4 شهور ]
• وبسبب الأمرين ربنا نهاها عن حاجتين ..
إنها ماتخافش (وَلَا تَخَافِي ) , وإنها ماتحزنش (وَلَا تَحْزَنِي ) .. [ والنهي عن الشيء هو في الواقع نهي عن سببه , فـ الخوف سببه توقع أمر مكروه .. والحزن سببه حصول المكروه فعلا , زي فقد الحبيب أو بعده أو غيره .. ] فـ كان النهي في الأساس إنها ماتتوقعش حدوث المكروه , وماتفكرش في وحشة الفراق
والمعنى " ماتخافيش عليه من الهلاك أو من حصول مكروه ليه بسبب إلقاءه في اليم " .. و" ماتحزنيش على فراقه وبعده "
بس ربنا لما نهاها كان هو وحده العالم إنه بينهاها عن حاجتين في منتهى الصعوبة .. وبالتالي ماسبهاش من غير ضمان ..
• فكان الضمان والاطمئنان في بشرتين ..
البشرى الأولى .. إنه هيرده ليها ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) , ومن هنا نعرف السبب والعلة في النهي , لإنه مدام هيترد ليها بضمان ربّاني يبقى مافيش داعي تخاف من الكروه ولا تحزن من طول الفراق ..
وزاد على البشرى الأولى بشرى تانية لـ إدخال السرور عليها .. فـ طمّنها وبشّرها إنه بعد سنين هيجعله من المرسلين .. ( وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .. والبشرى دي مش بس تفرّحها إن ربنا كرّمه وكرّمها بإصطفاءه وجعله من المُرسلين , دي كمان تطمّنها أكتر إنه مش هيتقتل ولا يحصله أي مكروه بدليل إنه هيعيش سنين لحد مايبقى رسول .. _
ولإن ربنا عند ظن عبده بيه , فـ كان عند حُسن ظن أم موسى وزاد على ظنها كرم ماكانتش بتتخيله
مجرد ما الطفل إتحط في النيل ربنا أصدر أمره لـ الأمواج إنها تكون هادية وحانية عليه , فضلت الامواج في هدوءها ورفقها لحد ما وصلّت سيدنا موسى لـ قصر الحاكم الجبّار الي أمر بـ قتله! .. وهناك الموج سلّمه للشاطئ فـ إستقر الصندوق على اليابس جنب قصر الفرعون .. عشان يتحقق المشهد زي ما ربنا وصفه بالضبط .. (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴿38﴾ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) .. [ سورة طـه ]
وألقيت عليك محبةً مني يعني كل الي يشوفه يحبه .. قبول فوري وحب وتعلّق في قلوب الناس بمجرد رؤياه
وبوادر المحبة والقبول دول بنشوفها بتتحقق فعلاً مع زوجة فرعون نفسه ..
لما فتحت الصندوق ولاقت جواه طفل جميل .. ربنا زرع في قلبها القبول والحب والتعلق بالطفل ده من أول لحظة .. فـ رحَمته وحنّت عليه , وقررت إنها هتربيه
[ زوجة فرعون إتسّمت آسية زي ماعرفنا في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم « كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام » .. رواه البخاري]
آسيا زوجة فرعون كانت عكس جوزها تماماً .. كان هو كافر وهي مؤمنة , كان هو قاسي وهي رحيمة حنينة , كان هو جبار وهي رقيقة وطيبة .. وكان الي منغّص عليهم حياتهم حرمانهم من الذرية , هي كانت بتتمنى ولد .. فـ مجئ سيدنا موسى كان بـ مثابة هدية ربّانية ..
هو كان هدية فعلا .. لكن مش ليها لوحدها , إنما للمستضعفين أجمعين ..
آسيا راحت لفرعون وهي شايلة الطفل فـ سألها مين ده ! .. حكتله عن الصندوق , فقالها ده ممكن يكون أحد أطفال بني اسرائيل .. هو مش مفروض أطفال السنادي محكوم عليهم بالقتل ؟
فكّرته بـ حرمانهم من الأولاد وطلبت منه يسمحلها إنها تربيه .. [ يُقال إن حرمانهم من الأولاد مكنش بسبب عُقم حد فيهم , ويُقال كان عندهم بنت .. لكن كانوا كل مايخلّفوا ولد يموت .. فضلوا على الحال ده 7 سنين واكتر .. زي مايكون ده كله كان تهيئة لوصول سيدنا موسى , عشان يتضاعف حب آسيا ليه ويكون عند فرعون دافع أكبر إنه يخليه ..]
فرعون ماوافقش على طول .. آسيا قعدت تتحايل عليه وتستعطفته كتير .. حاولت تحببه فيه فقالتله هيبقى قرة عين لي ولك [قرة عين مأخوذة من الإستقرار , لإن العين لما تشوف حاجة بتحبها وتفرح بيها بيستقر نظرها عليها .. وهي كناية عن السرور .. دلالة على إنهم هيبقوا مسرورين فرحين بسبب وجود الطفل ده .. والكناية دي جاية من عكس المعنى , فـ عكس قرة عين هو سخنة عين , وهي أثر البكاء المُلازم للحزن والأسى] ..
رد فرعون على الجملة دي فقالها "أما لكِ فنعم , وأما لي فلآ " .. [ وعن الجزئية دي روى النسائي وابن عباس إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "والذي يُحلف به , لو أقرّ فرعون بأن يكون قرة عين له كما أقرَتْ , لهداه الله تعالى به كما هدى به امرأته , ولكن الله عز وجل حرمه ذلك " ..]
كملت آسيا دفاعها وإقناعها , قالت للذبّاحين "لاتقتلوه" .. وفوراً قدّمت السبب والتعليل فقالت "عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا "
(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) .. [ آية 9 : سورة القصص ]
"لايشعرون" هنا مش من كلام آسيا .. إنما هو من كلام الله عز وجل تعقيباً على الموقف .. والضمير عائد على فرعون وأتباعه .. بمعنى لايشعرون ولا يدركون ولا يتوقعون إن الطفل ده هو الي هيكون على إيديه هلاكهم وسقوطهم [ وقيل لا يشعرون عائدة على بني إسرائيل , بمعنى لا يشعر بني إسرائيل إن الفرعون لاقاه .. لكن التفسير الأول أقرب للأصح , والله أعلم ]

وافق الفرعون عشان تتحقق المشيئة الربّانية ويبدأ التحدي الإلاهي فنلاقي ربنا شاء وأراد إن فرعون نفسه يحمي النبي الي أمر بقتل ألاف الأطفال عشان يقتله ! ..
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) .. [ آية 8 : سورة القصص]
من أجمل وأبلغ التعبيرات في الآية دي :
- إنها وضّحت عاقبة الأمر [يعني النتيجة النهائية لإلتقاط سيدنا موسى] , وهو إنه هيكون عدو لفرعون ووزيره وكل أتباعه , وعداوته ليهم هتكون نهايتها انتصاره فـ توّرثهم هما الحزن والخسارة
- بعدها ختم الآية بتعليل العاقبة دي .. هما حصلهم كده ليه ؟ .. لإنهم كانوا خاطئين ..وهنا فرّق الفصحاء بين مُرتكب الخطأ ومُرتكب الخطيئة ..
فـ مُرتكب الخطأ هو الي عمل عكس الصواب بدون تعمّد [ويبقى الفعل منه أخطأ / والفاعل منه مُخطئ ] ..
بينما مُرتكب الخطيئة هو الي بيتعمد عمل الذنب لدرجة إنه كأنه بيفرح إذا أذنب [ويبقى الفعل منه خَطِئَ / والفاعل منه خاطئ ]
فـ الآية وضّحت إنهم كانوا "خاطئين " .. يعني مُتعمدين للظلم والعصيان والذنوب والآثام الي كانوا بيعملوها كأنهم فرحانين بيها .. فـ إستحقوا الجزء الأول من الآية وهو إرسال عدوهم الي هيلتقطوه ويربوه عشان بعد سنين ينتصر عليهم فيكون سبب حزنهم وهلاكهم
_
كل الحذر الي فرعون حاول يحمي نفسه بيه مامنعش عنه قدر ربنا وتحدّيه .. (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) .. [آية 6 : سورة القصص ]
"منهم" عائدة على بني إسرائيل .. وهامان هو اسم منصب مش اسم شخص .. وهو بالتحديد وزير الفرعون [ فـ أي وزير للفرعون يُسمى هامان .. زي ما لفظ "فرعون" نفسه منصب حاكم مصر في الفترة دي مش اسم شخص بعينه ]
[ في روايات تانية مُختلفة في شخصية الي لاقى التابوت .. فـ قيل إن فرعون نفسه كان قاعد كـ عادته في مجلسه على النيل وجنبه آسيا , في الوقت ده مر التابوت قدامه .. فـ أمر أتباعه إنهم يشوفوا إيه الي في النيل ده ويجيبوه ..
لما جابوه وفتحوه إبتدا الحوار السابق في إنه كان عايز يقتله وآسيا كانت بتستعطفه ..
- وقيل في رواية تالتة إن كان عنده بنت وحيدة لكنها برصاء .. أول ماشافت سيدنا موسى في التابوت شُفيت من مرضها , فـ أخدته لأبوها الفرعون وحكتله الي حصل .. وهنا ابتدا النزاع والنقاش نفسه بين إنه يتقتل ولا يربوه .. فـ الله أعلم بأيهم الأصح ..] _
آسيا واجهتها مشكلة , الطفل بيرفض أي مُرضعة .. من ساعة ما جيه وهو بيبكي بشدة من الجوع لكن كل ماتجيبله واحدة ترضعه مابيقبلش يرضع ..إحتارت آسيا وإتقطع قلبها على الطفل الي إعتبرته زي ابنها..
[ رفضه للمراضع كان بأمر ربّاني (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) , لكن نقدر نقول إن من مُقدمات الموقف ده هو تعوّده على لبن أمه في الكام شهر الي رضّعته فيهم قبل ماتلقيه في النيل .. وهنا نعرف إن ربنا لما قالها "أرضعيه " كان ورا الكلمة حكمة حتى في أدق الأوامر الربّانية وأصغرها]
بس ماكنتش هي الوحيدة الي قلقانة عليه وشايلة همه .. أم موسى في الوقت ده كانت مابتفكرش في حاجة غيره .. مشهد الصندوق وهو بيبعد عنها مش مفارقها .. شكل الأمواج وهي بتاخد ابنها يمين وشمال قطّع قلبها وخلاها تبعت أخته ورا الصندوق تتبع أثره وتطمن على حاله وتعرف هيوصل لحد فين ..أول مارمت الصندوق في النيل إبتدت الاخت فعلا تتابعه من بعيد عشان محدش يحس انها تعرفه (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ )
شافته وهو رايح ناحية قصر الفرعون .. شافت الجواري وهما بياخدوه وبيدخلوه عند زوجة فرعون .. رجعت فوراً لأمها تبلغها .. الأم إترعبت .. معقول هي ترميه عشان تحميه من أتباع فرعون الي بينفذوا أمره , فيبقى مصيره بين إيدين فرعون نفسه!!
في الوقت ده تحوّل قلب أم موسى وبقى فارغ من الصبر , فارغ من القوة , فارغ من القدرة على التحمّل , فارغ من كل أمور الدنيا إلا الحزن والخوف على موسى
فكرت جديّاً تروح لقصر الفرعون وتقوله ان ده ابنها , تستعطفه وتترجاه على أمل إنه يرحم دموعها فيسبهولها ..
لولا إن ربنا ربط على قلبها فـ قوّاها وصبّرها وملاها بالسلام النفسي والسكينة , هديت وإستكانت وسابت الموضوع لربها وتمسّكت بالوعد الإلاهي السابق إنه هيحميه ويردّه ليها .. (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .. [ آية 10 : سورة القصص ]
خلصت لحظات الجزع المؤقتة ورجعت أم موسى لإيمانها ويقينها ..قالت لبنتها تروح القصر تتابع أخبار أخوها وتيجي تقولها
راحت أخته فعلاً لحد ما وصلت لقصر فرعون , وقفت تبص وتحاول تفهم في إيه وإيه سبب الإرتباك الي القصر فيه ..
لحد ماعرفت إن أخوها رافض أي ست ترضّعه , ولاقتهم محتارين مش عارفين يأكلوه إزاي ولا يعملوله إيه
فـ قالت للحرس أنا اقدر أدلكم على ناس يرضّعوه ويتكفّلوا بـ رعايته ويخدموه .. (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) .. [ آية 12 : سورة القصص ]
[ (مِن قَبْلُ ) معناها من قبل ماتيجي أخته .. وقيل معناها من قبل إلتقاطه , بمعنى إن التحريم كان مُقدّر عليه ومكتوب في علم ربنا الأزلي من قبل الموقف بكتير .. وده تحريم منع مش تحريم شرع
(نَاصِحُونَ) من النصح مش من النصيحة , والنصح هو العمل الخالص الخالي من التقصير والفساد ]
فرحت آسيا بالإقتراح وطلبت منهم يجرّبوا المُرضعة الي بتتكلم عنها
لما جرّبت الأم ترضّع ابنها رضع فوراً فـ تحقق وعد ربها .. إرتاح قلب آسيا وعرضت عليها تقعد عندهم في القصر لحد ماتخلص فترة الرضاعة .. فـ إعتذرت أم موسى بـ إن عندها زوج وبيت واطفال وماتقدرش تسيبهم [ العُذر كان مقبول لإن من الواضح من كلمة (يَكْفُلُونَهُ) إن السائد عندهم هو أخذ المُرضعة للطفل طول فترة رضاعته وبعدها إعادته لأهله .. زي ماكان العُرف عند العرب إن المرأة الحُرة مش مُجبرة تسيب بيتها وتقعد عند أهل الطفل الي بترضعه .. عشان كده كانت حليمة مُرضعة حبيبنا المصطفى كانت بتراعيه في بيتها فترة رضاعته صلى الله عليه وسلم]
آسيا تفّهمت وقالتلها خديه لحد ما تنتهي فترة رضاعته وساعتها رجّعيه .. وماتقلقيش تربيتك ليه مش هتبقى ببلاش , هنديكي الي انتي عايزاه وهنكرمك على رعايتك ليه طول الفترة دي
وبكده يكون ربنا كان عند حُسن ظن أم موسى بيه وأكتر , مش بس ابنها رجعلها , لا ده كمان هتقدر تربيه في علانية بأمان وسلام وأمر ملكي بيحميه! .. وفوق دا كله هتاخد فلوس على تربيتها ليه !! .. (فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) .. [آية 13 : سورة القصص]
_
تمت سنين الرضاعة وبقى موسى عمره سنتين .. فـ أمه إلتزمت بالوعد ورجّعته لـ قصر الفرعون ..
هناك إبتدت زوجة فرعون ترعاه وتلعب معاه وتحنّ عليه وتعامله زي ابنها وتخاف عليه .. أما فرعون فماكنش بيتعامل معاه ومابيشيلوش غير نادراً .. لكنه كان راضي وهو شايف زوجته سعيدة للدرجادي بسبب الطفل ده
في مرة من المرات النادرة الي فرعون شال فيها موسى فوجئ بإنه شد لحيتة بقوة لدرجة ان في كام شعرة منهم اتقطعوا في إيده !! .. فرعون ثار وغضب وإتأكد انه فعلا مش طفل عادي وقال ده عدوي وهو المقصود بالنبوءة !.. فـ أمر الحراس يجو عشان يقتلوه
آسيا حاولت تدافع عنه وتفهّم فرعون انه مجرد طفل ومش فاهم ومش قاصد .. بس فرعون طبعا ماقتنعش ..
آسيا مايأستش وإقترحت إقتراح عشان تنقذه .. قالتله الاطفال مش بيميّزوا بين الجواهر والجمر اللي من نار
فهاتوا قدام موسى جواهر وجمر [وقيل كان الإختبار بـ تمرة وجمرة ] .. لو أخد الجوهرة يبقى هو فعلا مش طفل عادي لانه فهم إن المجوهرات غالية وثمينة وقيّمة فإختارها .. أما لو كان طفل طبيعي مش بيميّز هيختار الجمر لانه مُضيئ ومُتوّهج وشكله مُلفت للاطفال أكتر من الجواهر الي بيعتبروها حجارة مش جذابة بالنسبالهم
سيدنا موسى كان هيختار الجواهر .. لكن ربنا بعت جبريل فـ وّجه إيده للجمرة وأخدها .. وبما إن من عادة الاطفال إنهم أي حاجة جديدة عليهم بيمسكوها ويحطوها داخل فمهم عشان يستكشفوها .. فبالتالي سيدنا موسى أول ما مسك الجمرة حطها ف فمه على طول .. الجمرة حرقت لسانه وآذت إيده فرماها وقعد يعيّط
هنا إتأكد الفرعون إن موسى طفل عادي وتصرفاته نابعة من براءة وعدم قصد
لكن الموقف ده أثر على نطق سيدنا موسى فيما بعد فمابقاش لسانه طلق في الكلام لإنه إتذى وإتحرق بالجمرة .. وعشان كدا كان بيدعي ربنا لما بُعث إنه يجعل لسانه طلق صاحب منطق وفيه فصاحة في التعبير ومقدرة على توصيل الي هو عايزه بأوضح شكل .. (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي ) .. [ سورة طـه]
يُقال إن ربنا شفا لسانه شفاء تام فبقى طلق في الكلام .. وإستدلوا على كده بقوله تعالى ( قد أوتيت سؤالك يا موسى )
وقيل إن الشفاء كان جزئي مش كلي لان دعوة سيدنا موسى كانت (واحلل "عقدة" من لساني) .. فهو دعا بالقدر المطلوب بس وما استازدش , ولو كان طلب الشفاء الكلي وإن ربنا يشفي "عقد" لسانه كلها كان ربنا شفاه .. لكن الأنبياء مابيطلبوش غير على قدر إحتياجاتهم .. واستدلوا على الشفاء الجزئي ده بالآية .. (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ) .. [ آية 52 : سورة الزخرف ] ..
"ولا يكاد يبين" بتدل على إن لسه في خلل ما في نطقه .. بمعنى إنه مش بيّن الكلام بالشكل التام
_
من هنا بدأت تربية سيدنا موسى في قصر فرعون على يد أعظم المدربين والمثقفين والمربيين ..
وفي جزئية التربية خلينا نجرب نتأمل الآية دي (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي )
ربنا بيقول لسيدنا موسى انا عملت كل ده وأوحيت لأمك بإنها ترميك في النيل من البداية عشانك انت .. عشان تتربى بـ منتهى الإحسان ..
تتربى بأمان في بيت الحاكم وبقمة النعيم والترف الي موجودين في بلدك ساعتها ..
بتاكل من نفس أكل حاكم مصر وبتشرب من نفس شربه ..
والأهم من ده كله إن التربية دي ساعدت على تكونيك النفسي والعقلي
إنت إتربيت مع فرعون وكنت شايفه طول الوقت .. شايف إنه بشر عادي بياكل ويشرب وينام ويتألم لو جاله مرض ويعمل كل حاجة زيه زي أي حد من العوام .. فـ نشأت يا موسى وإنت متأكد ومُتيّقن إن فرعون مش إله زي ما هو والكهنة بتوعه بيحاولوا يصوّروا للناس
وفي كل التفاصيل دي وغيرها كتير بتبان الصنعة الإلاهية المذكورة في الآية دي ..
_ تكملة الآيات في سورة القصص كانت بتكملة تحقيق الوعود الربّانية ..
فـ من بعد ما ربنا ذكر حكاية رد موسى لـ أمه (فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) .. [آية 13 : سورة القصص] تحقيقاً للوعد الأول "إنا رادوه إليكِ" ..
كمّل بذكر تحقيق الوعد التاني الي كان "وجاعلوه من المُرسلين" .. فقال تعالى (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) .. [ آية 14 : سورة القصص ] بمعنى إنه لما بلغ كمال العقل وإكتمال القوة ربنا أتاه العلم والفقه والنبوة [ يُقال كان في الثلاثينات / ويُقال كان 40 سنة ]
ومن بعدها ابتدا سبحانه وتعالى يكمّل الآيات بـ تسلسل الأحداث الي وصلّته للنبوة .. وهي في البداية قتل القبطي الي كان سبب خروجه من مصر إلى مدين .. وهناك في مدين كانت فترة تأهيله لتلّقي النبوة .. ومن بعد ما أخد فترة التأهيل والتصبير وإكتملت قدرته على حمل الرسالة تلّقى النبوة وهو في طريق رجوعه لمصر ..

بدأ السرد الربّاني للأحداث دي من بدايتها فـ قال تعالى : (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ) .. [ آية 15 : سورة القصص ]
الحكاية إنه في يوم من الأيام سيدنا موسى دخل المدينة [ المقصود بالمدينة هي مصر .. و يُقال هي مدينة منف بمصر وقيل منفيس قاعدة مصر الشمالية] في منتصف النهار [ وهو وقت قيلولة بمعنى إن أغلب الناس قافلين محلاتهم والشوارع شبه فاضية وهو ده المقصود بوقت الغفلة .. / وقيل إنه كان يوم عيد عندهم وكانوا مجتمعين في مكان الاحتفال , عشان كدا كانت الشوارع فاضية ..]
صادف في طريقه إتنين بيتخانقوا واحد فيهم قبطي من أتباع فرعون والتاني من بني إسرائيل .. [ يُقال إن القبطي كان بيشتغل في مخبز فرعون , وكان مطلوب منه يشيل مجموعة خشب كبيرة يوديها الفرن .. بس هو مكنش عايز يعمل ده بنفسه فـ حاول يجبر الإسرائيلي يشيل مكانه سُخرة كده من غير وجه حق , لما رفض الإسرائيلي شدوا مع بعض وابتدوا يتخانقوا]
المغلوب فيهم كان الاسرائيلي فـ إستغاث بسيدنا موسى عشان يتدّخل وينقذه وينصره
إستجاب سيدنا موسى للنداء فـ تدّخل و قال للظالم يسيبه .. لكن القبطي ما إستجابش , حاول سيدنا موسى إنه يبعدهم عن بعض فـ وكز القبطي بـ إيده عشان يبعده [ الوكز هو الدفع باليد وهي مضمومة الأصابع ] .. لكن من فرط قوة سيدنا موسى كانت الوكزة دي كفيلة بـ قتل القبطي .. (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ) .. [ آية 15 : سورة القصص]
[ ممكن حد يتسائل إزاي من مجرد دفعة واحدة الشخص يموت ؟ .. نقدر نقول إن : علمياً في مناطق موت فورية في جسم الإنسان , منها منطقة في الرقبة بيتفرع فيها الشريان الرئيسي الي بيوصل الدم للعقل لـ فرعين : فرع للراس من برا , وفرع للمخ .. عند التفرع ده في إنتفاخ بسيط إسمه "الجيب الكاروتي " .. لو تم الضغط على المنطقة دي بيتم إرسال تنبيه لـ[ العصب الحائر ] الي بيغذّيه .. فـ يحصل فوراً تبطئة لنبضات القلب وإنخفاض فجائي في ضغط الدم .. ساعتها الإنسان ممكن يفقد وعيه .. ولو الضربة شديدة شوية ممكن يتوقف قلبه تماماً فيفقد حياته .. وأغلب الظن إن هو ده الي حصل مع القبطي ..
بسبب قوة سيدنا موسى كانت الضربة كفيلة بـ قتله بدل إبعاده ..]

فوجئ سيدنا موسى بـ موت القبطي فـ حزن جداً وتاب فوراً.. أدرك إن الشيطان وسوسله و زوّد غضبه عشان يخليه ينفعل أكتر فـ تكون ضربته شديدة بالمنظر ده .. (قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) .. [آية 15 :سورة القصص]
أول حاجة فكر فيها هي العاقبة الدينية .. وده يبيّن لنا إنه كان صاحب دين .. [فـ من هنا كانت بعض الاراء إنه في الوقت ده كان عارف حقيقة انتماءه لـ بني إسرائيل وإتقال فيها أقاويل كتير عن كيفية معرفته .. لكن المهم إنه تديّن بـ بقايا دين بني إسرائيل فـ تعرّف على دين جده إبراهيم وإسحاق ويعقوب وعرف عداوة الشيطان لـ آدم وذريته وعرف إن نصرة المظلوم حق في كل الأديان وعرف كل تعاليم الدين فـ عمل بيها ..]
دعا ربنا إنه يسامحه .. إعترف بظلمه لنفسه وطلب المغفرة .. فـ ربنا استجاب طلبه وعفا عنه .. (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .. [ آية 16 : سورة القصص ]
أخد عهد على نفسه إنه مش هيتدّخل في أي خناقات تاني بين الظالمين الكافرين المجرمين .. (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ) .. [آية 17 : سورة القصص]
أما بخصوص كلمة [ بما أنعمت علي] فـ قيل إن معناها بما أنعمت علي من المغفرة والصفح عن القتل الخطأ.. لكن ده تفسير مُستبعد لإنه ساعتها ماكنش نبي فـ ماكنش يعرف -عن طريق وحي أو غيره- هل ربنا تقبّل توبته وغفرله ولا لا ..
لكن أغلب الظن إن معناها بما أنعمت علي من حكمة وعزة وعقل وجاه وغيرها .. يعني تذكر نِعم ربنا عليه وخلاها دافع أكبر ليه فـ أقسم بيها إنه يبعد عما يغضب الله من ظلم النفس والناس ونصرة المجرمين والتدخل بينهم ..
لكنه لم يستثني فـ أُبتلي [ يعني ما قالش إن شاء الله لن أكون نصيراً للمجرمين .. عزم من غير ما يقدّم المشيئة فـ ربنا إبتلاه بـ مُخالفة عزمه في اليوم الي بعده على طول ]
إنتهى الموقف بسلام خصوصاُ إن محدش شاف الي حصل غير الاسرائيلي الي هو أنقذه .. لكنه بقى طول الوقت خايف مترّقب للأخبار مستني يشوف رد فعل الناس عن الي حصل وهل هيعرفوا انه هو الي قتل ولا لا .. (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ)
مافاتش وقت كتير لحد ما قابل نفس الإسرائيلي الي دافع عنه إمبارح لاقاه بيناديه ويستغيث بيه بإستماتة في اليوم التالي!
عرف ساعتها إنه إسرائيلي مشاغب وكل شوية يعمل مشكلة .. إستنكر عليه إنه كل يوم يتخانق مع واحد ويستغيث بيه .. وبّخه وقاله " إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ "
الكلمة دي خلّت الإسرائيلي يفتكر إن موسى عايز يضربه هو , فلما قرّب سيدنا موسى عشان يدافع عنه لاقاه من كتر الخوف بيقوله إنت عايز تقتلني زي ماقتلت القبطي إمبارح , يبقى تدّخلك بيننا مكنش بغرض الإصلاح إنما من باب الجبروت والقتل والإفساد .. (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ )
فـ وقف سيدنا موسى وهدي وافتكر الي حصل وإفتكر إنه استغفر وتاب ووعد إنه ماينصرش المجرمين ..
فـ لف وإستدار ومشي من المكان وكمل إستغفار

لكن الكلام ده كان قدام القبطي التاني ! .. القبطي سمع وعرف إن سيدنا موسى هو الي قتل القتيل الي لاقوا جثته إمبارح .. فـ نشر الخبر وإنكشف السر وإجتمع الناس على إنهم لازم يقتلوه وياخدوا بـ تار القتيل
لكن ربنا بعتله شخص من أقصى المدينة , جاله من بعيد بطريق مختصر يجري عليه قبل ما المُتآمرين يوصلوله, وصل ليه فـ نبهه ونصحه إنه يخرج من مصر لإنهم بيدوروا عليه وإتفقوا خلاص هيقتلوه .. (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) ..[آية 20 :سورة القصص]
القرآن ماذكرش اسم الشخص الي نبهه [قيل إنه هو مؤمن آل فرعون .. وقيل هو ابن عم فرعون , وقيل إنه أخو زوجة فرعون] ..
لكن المؤكد إنه من علية القوم .. لإننا هنلاقي التعبير القرآني في جملة (من أقصى المدينة) بيدينا علامة على إنه كان راجل مهم ومن شرفاء القوم وسادتهم , لإن عادة الملوك السكن في أقصى المدينة وأطرافها عشان يضمنوا أمان أكتر و يبقى الخروج أو الهروب سهل عليهم لو حصل أي ثورة أو غارة أو حسوا بخوف استوجب الخروج لأي سبب .. [من هنا كانت المقولة "الأطراف منازل الأشراف" ]
وكون الراجل ده مهم وصاحب مكانة بيدينا تفسير منطقي عن كيفية معرفته لـ معلومة زي دي رغم إنها كانت مشاورات ومداولات بين كبراء القوم "الملأ" ومكنش حد من العامة يعرفها ..

خرج سيدنا موسى فوراً من مصر , خرج بيتلفت ويترّقب ويتأكد إن مفيش حد وراه .. إستعان بالله ولجأله فـ كان دعاؤه " ربِ نجني من القوم الظالمين ".. وهما ظالمين فعلاً لإنهم عايزين يطبّقوا عليه جزاء القتل العمد رغم إنه ماعملش حاجة غير إزاحة الراجل فـ قتله خطأ .. والقتل الخطأ عقوبته عمرها ماكانت ‘القتل‘
(فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
خروج سيدنا موسى كان سريع من غير أي ترتيبات .. أول ما الراجل قاله الخبر خرج برا البلد فوراً من غير حتى ماياخد أي أكل للطريق أو يجهز نفسه للسفر بأي وسيلة

إستمر سيدنا موسى في سفره الي دام 8 أيام هي المسافة بين مصر ومَدْيَن عن طريق سيناء
يُقال كان خروجه في موسم حصاد القمح [يعني في شهر يونيو] .. في الوقت ده الشمس بتكون متعامدة على مدار السرطان وبتشرق بزاوية 23.5 درجة شمال الشرق .. يعني كانت على يسار سيدنا موسى .. بالتالي كان واخد الشمس دليله في الطريق [وده يدعم رأي الناس الي قالوا إنه كان خارج وقاصد مدينة مَدْيَن لإنه عارف إنها لا تخضع لحكم فرعون]
استمر في المشي كل الأيام دي من غير أي أكل أو زاد إلا ورق الشجر .. أصابه هزال .. تقرّحت أقدامه .. إشتد جوعه لدرجة إن يُقال بطنه إلتصقت بـ ظهره وأمعاءه بقت بارزة
فضل على الحال ده لحد ماوصل مَدْيَن .. [مَدْيَن هي المدينة الي بُعث فيها سيدنا شعيب من سنين]
التعبير القرآني عن وصول سيدنا موسى لـ مَدْيَن كان بالإشارة لـ"ماء" مَدْيَن .. لإن القبائل زمان كانت بتبحث عن المكان الي فيه بئر ماء أو نهر أو عين عشان تسكن حوالين الماء وتعمّر المكان فـ يبقى بلدها .. ومن هنا قيل إن "ماء القوم هو الذي يُعرف به ديارهم"
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ) .. [آية 23 : سورة القصص]
قعد تحت ظل شجرة يرتاح من مشقة السفر والجوع والعطش , و يفكر في اللي حصل وفي اللي هيحصل
في الوقت ده كان في اتنين بنات واقفين على جنب .. بعيدين عن البئر و بيبعدوا أغنامهم عن باقي أغنام القوم (وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) .. [آية 23 : سورة القصص]
كلمة "من دونهم " معناها إنهم أقرب للناحية الي هو قاعد فيها , بمعنى إنه لو مشي بإتجاههم هيوصل للبنات قبل مايوصل للناس الي عند البئر ..
كان المنظر مُلفت بالنسبة لسيدنا موسى , شايف كل القوم بيسقوا غنمهم من البئر إلا البنتين دول ..
رغم تعبه وجوعه وشدة إرهاقه إلا إنه ماقدرش مايتدّخلش وهو شايف اتنين بنات لوحدهم شكلهم محتاجين مساعدة .. مروءته خلته يروح عندهم عشان يعرف لو ممكن يساعد في حاجة , قرّب منهم وسألهم إيه الي موقفهم هنا وليه بيبعدوا اغنامهم عن الشرب (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا )
قالوله أبونا شيخ كبير مش هيقدر يخرج كل يوم يرعى .. وإحنا ماعندناش القوة ولا المقدرة الي تخلينا نزاحم الرجال ونلاقي لـ أنفسنا مكان .. عشان كده إتعودنا نستنى لحد ما رُعاة الأغنام يمشوا فـ نقدر نسقي أغنامنا من بواقي الماء (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) .. [آية 23 : سورة القصص]
سيدنا موسى إستغرب إزاي بنتين يقدروا على رعي الاغنام ده من المعروف إنها شغلانة شاقة ومتعبة ومحتاجة يقظة
إستأذنهم إنه يسقيلهم .. برغم إنه لسه واصل من السفر وبقاله أيام بيمشي في عز الحر ومابيتقواش غير بورق الشجر , رغم إنه مالحقش حتى يقعد يرتاح شوية من كل ده ويستجمع قواه , إلا إن مساعدة المحتاج بالنسباله كانت أولى وأهم
فوراً راح وسقالهم أغنامهم بـ أسرع مما تخيلوا.. ومن غير أي منّ أو إنتظار للشكر سابهم ورجع لظل الشجرة (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) ..[آية 24 : سورة القصص]
يُقال إنه راح يسقي ليهم بعد ما الرُعاة خلّصوا ومشيوا .. ومن عادة الرُعاة بعد مايخلصوا إنهم يحطوا صخرة كبيرة جداً على البئر مايقدرش يشيلها من مكانها غير عدد من الرجال
بس القوة الجسدية الي ربنا ميّز بيها سيدنا موسى خلته يقدر لوحده يزيح الصخرة ويسقي الأغنام ويرّجع الصخرة مرة تانية لمكانها
لكن القصة دي مش متوافقة مع حقيقة إن الناس كانوا لسه بيسقوا من البئر .. والترتيب الزمني ده عرفناه من الآية نفسها .. فـ وجود "لما" التوقيتية في قوله تعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) دليل على إنه وصل في نفس الوقت الي الناس كانت بتسقي فيه ..
وإقتران حرف الـ"ف" بـ فعل السقاية في تكملة الآية الي بعدها ( فَسَقَى لَهُمَا) دليل على إنه سقى ليهم فور وصوله وبالتالي الناس كانت لسه بتسقي بردو وماكانوش انصرفوا

أما بإعتبار قصة الصخرة صحيحة يبقى ده يدعم الرأي التالت وهو إن البئر الي عليها صخرة دي كانت بئر تانية غير الي الناس كانوا بيسقوا منها .. بئر فاضية مُجاورة ومحدش بيسقي منها عشان عليها صخرة كبيرة محتاجة عدد كبير من الرجال يبعدوها , فـ كانوا بيسيبوها ويسقوا من العيون والآبار المفتوحة الي جنبها .. وبالتالي سيدنا موسى راحلها وأزاح الصخرة وسقى منها في نفس وقت سقاية باقي الناس من البئر التانية .. والله أعلى وأعلم بالأصح

سيدنا موسى لما خلّص مهمته سابهم ورجع لظل الشجرة .. وهناك ردد الدعاء " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير"
كانت جملته فيها ذكر النِعم السابقة من الأمن والنجاة من فرعون والوصول بسلام...إلخ
عددها في نفسه وشكر ربنا عليها .. وفي نفس الوقت أعلن عن شدة إحتياجه الحالي لـ أي خير ربنا هيكرمه بيه ..
_
ربنا ما تأخرش على كليمه في إستجابة الدعوة .. حرف الـ"ف" الي في الآية التالية (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي) بيوضّحلنا إن مجيء البنت ودعوتها لسيدنا موسى كانت هي بداية إستجابة ربنا لدعاءه ..
الي حصل إن البنتين رجعوا لأبوهم بدري على غير العادة .. إستغرب موعد رجوعهم وسألهم عن السبب.. جاوبوه وحكوله الي حصل من شهامة الراجل الكريم الي سقى لهم بدون طلب أو حتى مٌقابل
فكان رد فعل الشيخ إنه قال للبنت الصغيرة [واسمها صفورة ] روحيله وقوليله إن والدي بيطلبك عشان يجازيك أجر السقاية
راحتله صفورة وقرّبت منه في هدوء .. بمنتهى الحياء .. مُستترة بـ كُم ثوبها ومغطية بيه فمها .. (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) .. [آية 25 : سورة القصص]
[قيل الحياء كان في مشيتها .. وقيل كان في طريقة كلامها وأسلوب مخاطبتها , لإن الحياء مطلوب أكتر لما تكلم البنت راجل غريب عنها وخصوصاً وهي بتقوله يجي معاها لزيارة أبوها..
وإن صح المعنى ده يبقى الوقوف في قراءة الآية هيكون بعد كلمة "تمشي" .. كالتالي .. (فجاءته إحداهما تمشي – على إستحياء ...) ..]

صفورة بلّغته رسالة أبوها بمنتهى الأدب من غير ماتحسسه إنه أجير أو إنهم بيتمننوا عليه .. بالعكس ده هو الي بدأ بالإحسان وهما بيحاولوا يكافئوه مش أكتر
قد يكون سيدنا موسى فكر ساعتها إنه ما ساعدهمش عشان ياخد أجر .. دي كانت مساعدة لوجه الله .. لكنه جعان من أيام ومعندوش حل تاني ولعل دي تكون إستجابة ربنا لـ دعوته.. فـ قرر إنه يوافق ..
وقد يكون وافق يروح معاها بس عشان يشكر أبوها ومايحرجوش لكنه كان عازم على عدم قبول أي أجر ..
الله أعلم كان بيفكر في إيه ساعتها لكن المهم إنه راح معاها فعلا عشان تبتدي المسيرة الي ربنا كاتبهاله كـ تفاصيل لبقاؤه في مَدْيَن ..
_

يُحكى إنه في طريقهم للبيت كان ماشي وراها .. جت رياح وطيّرت هدومها ..وصفت جزء من جسمها .. هو غض بصره فورا .. إستاء من الموقف وكره إنه يئذيها بـ نظره .. حب يخليها تمشي مطمنة ومستورة فـ قالها انا همشي قدامك و دليني أمشي إزاي .. وقد كان ..
لما وصلوا للبيت أبوها رحب بيه جداً وقدّمله أكل فوراً كأنه كان محضّره قبل مايجي.. لكن نفس سيدنا موسى كانت أبيّة .. رفض بأدب ووضّح السبب .. فقال " إنّا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا"
رغم جوعه وتعبه وإحتياجه إلا إنه كان مُصمم يحتفظ بـ ثواب عمله للآخرة وماياخدش أي جزاء عليه في الدنيا .. [وهنا يتضح لينا مرة تانية إنه كان تعرّف على دين أجداده إبراهيم وإسحاق ويعقوب وتخلق بـ أخلاق الدين ]
الشيخ كان كريم فـ قاله لا والله يابني ده مش أجر للسقاية إنما دي عادتي وعادة آبائي ضيافة أي ضيف يمر بينا وإطعامه..
هنا جلس سيدنا موسى وقبل الضيافة ..
بعد الاكل الشيخ سأله إنت جاي منين وكنت رايح فين ؟
سيدنا موسى حكاله عن اللي حصل .. فـ الشيخ طمّنه وقاله ماتخافش ربنا نجّاك من القوم الظالمين وإطمّن البلد الي احنا فيها دي مش تابعة لـ حكم مصر فمش هيعرفوا يوصلولك هنا ..
(فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .. [آية 25 : سورة القصص ]
[- قيل إن الشيخ ده هو سيدنا شعيب .. وإستدل أصحاب الرأي ده بكلمة الشيخ الأخيرة " نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " فقالوا لو ماكنش نبي ماكنش عرف إن قوم فرعون ظالمين .. لكن أغلب الظن إنه عرف ظلم القوم بسبب الأحداث الي سيدنا موسى حكاهاله , فـ كونهم عايزين يطبّقوا عليه القصاص كـ عقاب للقتل الخطأ ده ظلم بيّن كافي يخليه يقول كلمته ..
وإستدلوا كمان بـ بعض الأحاديث الي بتقرّ اسم سيدنا شعيب في القصة .. لكن الأحاديث دي بعد البحث عنها بنلاقي إن ملهاش سند صحيح أو ثابت ..
في حين إن الإعتراضات على الرأي ده منطقية أكتر من الرأي نفسه .. فمثلاً الفرق بين زمن سيدنا شعيب وزمن سيدنا موسى مئات السنين - يُقال 3 أجيال- , صعب يكون سيدنا شعيب عاش كل السنين دي , وإن كان أطال الله في عمره وعاش للوقت ده فمن الصعب يكون بناته عاشوا كل السنين دي , وإن أطال الله في أعمارهم هما كمان وعاشوا .. فـ هيكونوا كبار في السن جداً .. في حين إنهم في القصة لسه شابات مُقبلات على الزواج..
ده غير إنهم لو كانوا بنات النبي شعيب مكنش هيبقى طبيعي تصرف القوم وإنتظارهم ليهم , بالعكس كانوا الرُعاة الي على البئر هيتسابقوا عشان يخدموا بنات نبيهم ويسقوا أغنامه ..
- وقيل إن الشيخ هو ابن أخو سيدنا شعيب واسمه يثرون .. وقيل ابن عمه , وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب .. كل دي أقاويل الله أعلم بصحتها لكن الي نعرفه إنه راجل صالح كبير في العمر وده الشيء الوحيد المؤكد ..]

سيدنا موسى كان لسه بيقرّب من الباب عشان يمشي .. لما صفورا همست لـ أبوها وإقترحت عليه إنه يشغّله معاه بالأجرة ووضّحت السبب في إقتراحها فـ قالت مش هتلاقي حد تستأجره أحسن من القويّ الي هيقدر يراعي ماشيتك ويحفظها ويقوم عليها في إصلاحها وصلاحها .. والأمين الي ماتخافش خيانته للي إستأمنته عليه
( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) .. [ آية 26 :سورة القصص ]
يُروى إنها لما قالتله كده إستغرب فسألها عرفتي منين إنه قوي ؟ .. قالتله ماشوفتش راجل أقوى منه في السقاية ,, وفي رواية إنها قالت رفع لوحده صخرة مايرفعهاش غير عدد من الرجال!
قالها وعرفتي منين إنه أمين ؟ .. قالتله رفض يمشي ورايا وطول الطريق كان ماشي قدامي عشان يحفظني ومايبصش عليا .. ومن ساعة ماكلمته وهو حاطط عينيه في الأرض حياءاً وأدباً ..
[ سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قال : أصدق النساء فراسة امرأتان كلتاهما تفرّستا في موسى فأصابتا . إحداهما امرأة فرعون حيث قالت ( قرة عين لي ولك لا تقتلوه) . والأخرى بنت شعيب حيث قالت ( يا أبتِ استأجره . إن خير من استأجرت القوي الأمين) ..]
مُحتمل يكون الشيخ حس في كلام بنته بـ بعض الميل و الإعجاب فـ حب يتفق مع سيدنا موسى على حاجة أكتر دوام من الشغل والإجارة .. فـ رجع الشيخ لـ سيدنا موسى وقاله انا عايز أجوّزك واحدة من بناتي , بس بشرط .. تشتغل في رعاية الأغنام عندي 8 سنين .. فـ لو تميت الـ10 يبقى إحسان وتفضّل منك .. مش عايز أتعبك بـ إشتراط الـ8 سنين إنهم يبقوا 10 .. ليك حرية الإختيار .. وماتقلقش انا مش هحمّلك مشقة ولا ائذيك في أي حاجة أثناء استئجاري ليك .. بالعكس هتلاقيني إن شاء الله من الصالحين في حُسن معاملتك ولين الجانب معاك
( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) .. [آية 27 : سورة القصص ]
وافق سيدنا موسى و قاله الإتفاق ده عهد بيني وبينك يستوجب وفاء كل واحد مننا بنصيبه من الاتفاق وإلتزامه بيه .. كرر سيدنا موسى كلام الشيخ من باب الإقرار والتوثيق فقاله سواء قضيت الـ8 سنوات أو كملتهم 10 في الحالتين هيكون ده نصيبي من الاتفاق وهكون أديت واجبي وأتممت الي عليا و بقيت بريء من العهد.. مفيش حرج عليا بعدها فـ أقدر أكون حر في البقاء أو السفر بدون أي عدوان عليّ بأن يتم مُطالبتي بأكثر من ذلك ..
وربنا شاهد ووكيل ورقيب على إتفاقنا ..
(قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) .. [ آية 28 : سورة القصص ]
إختلفت الأقاويل في هو قعد أنهي مدة من المدتين ؟ .. لكن الغالب هو رأي ابن عباس والي معاه إنه تم الـ10 سنين .. وده منطقي لإنه نبي من أولي العزم من الرُسل .. فـ مين هيكون زيه في كرمه وبرّه..
[سُئل ابن عباس أي الأجلين قضى موسى ؟ .. فقال أكملهما وأفضلهما .. وفي رواية أوفاهما وأبرّهما .. وفي أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بـ أسانيد ضعيفة تحمل نفس المعنى ]
_
أتم سيدنا موسى السنين الي كانت بمثابة تدريب ليه على النبوة ..
إتجوز صفورة وقرر إنه يخرج مع أهله ويرجع مصر تاني.. قراره كان على أمل منه إن أهل مصر خلاص نسيوا الي حصل زمان ومحدش هيعاقبه بسبب طول المدة ..
[قيل إنه خلّف من صفورة ولدين .. وبالتالي قد يكون لفظ أهله شامل زوجته وابناءه .. لكن الي أجمع عليه معظم أهل التفسير إن لفظ أهله المقصود بيه زوجته بس , على إعتبار إنه كان بيخاطبها هي.. وإستدلوا على إن الأهل بيقصد بيها الزوجة بحديث سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال"والله ما علمت على أهلي إلا خيراً "]
خرجوا فعلا بس الجو كان شتا .. إختفى القمر وغطاه السحاب .. الدنيا مطرّت وإشتد البرق والرعد .. الظلام بقى حالك فـ تاه سيدنا موسى وضل طريق الرجوع
[قولنا إنه أثناء رحلته من مصر لـ مَدْيَن كان بيستدل بالشمس لإنها كانت قدامه وعلى يساره نوعاً ما .. لكنه في رحلة الرجوع كانت الشمس بتتعامد على مدار الجدي بمعنى إنها بتميل 47 درجة عن ما كانت في الصيف.. أغلب الظن إن الموضوع دا غاب عن سيدنا موسى وكان ناسيه فـ ده الي خلاه ينحرف في مسار رحلته ويتجه ناحية الجنوب الغربي في إتجاه جبل سيناء في الجنوب ..]
سيدنا موسى وقف وحاول يضرب الحجارة ببعض فتشتعل نار تنوّرلهم وتدفيهم لكن على غير العادة مكنش في أي شرارة راضية تشتعل رغم الاحتكاك! .. دار بنظره في المكان وكان في عز حيرته وتفكيره لما وقعت عينيه على جبل الطور ..لمح من بعيد نار عظيــمة مشتعلة جنب الجبل..
فرح وإستبشر وحس إنها نجاة فـ استأنس برؤيتها ( فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ) .. [ آية 29 : سورة القصص]
بس أغلب الظن إن أهله ماكانوش شايفين النار دي .. هي معجزة ربنا إختصه هو بيها كـ نداء لبداية الوحي , فـ مش من المنطقي إن حد غيره يشوفها
وفي الغالب ده الي خلاه يقولهم بصيغة التأكيد (سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) .. [آية 7 : سورة النمل]
كان حابب يطمّنهم إنه شايفها وأكيد هيجيلهم بخير منها حتى لو اتأخر عليهم بسبب بُعد المسافة .. كان بديهي إن النار مش مشتعلة لوحدها وطبيعي يكون حد حواليها بيتدّفى بيها .. قد يكون عشم سيدنا موسى في أصحاب النار إنهم يكونوا أصحاب بيت كريمين فيستضيفوهم الليلة .. أو حتى يسألهم على الطريق فـ يرشدوه إزاي يكمل رحلته.. أو على الأقل يقتبس من نارهم نار لأهله يتدفوا بيها في البرد ده
لكن بينه وبين نفسه ماكانش متأكد إذا كان أصحاب النار يعرفوا معالم الطريق ويقدروا يدلّوه ولا لا .. وده في الغالب سبب التنوّع في التعبير القرآني عن الموقف ده .. فنلاقيه في الآية في سورة القصص بيقول (لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) .. [ آية 29]
ربنا عبّر عن نفسية سيدنا موسى والي كان بيفكر فيه بـ طريقتين مختلفتين .. مرة بالتأكيد عشان يطمّن أهله ويبررلهم تركه ليهم في الصحرا دي وفي عز الليل والبرد ده .. كان بيحاول يقنعهم ويثبت قلبهم إنه هيرجعلهم بالخير ..
ومرة تانية بالتشكيك لـ عدم ثقته في معرفة أصحاب النار بالطريق ..
لكن في العموم حتى لو ماقدرش يعرف الطريق فهو هيجيبلهم جزء من النار يتدّفوا بيه ..
_ إتجه سيدنا موسى بإتجاه الجبل .. كمل مشي لحد ما وصل لوادي قيل إن اسمه "طوى" (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) ..[ وقيل إن طوى هو نوع من الأودية شبه البئر المطوية .. وقيل إن بمعنى وطأ الأرض حافياً .. وقيل إن المقصود بـ"المُقدّس طوى" إنه تم تقديسه مرتين .. فالله أعلى وأعلم بالأصح ]
لاحظ شيء غريب في الوادي .. ماكنش في برد , مفيش رياح , صمت تام .. سكون غريب ..
قرّب من النار فشاف شجرة في منتهى الخضار والجمال .. مُحيط بيها من فوق لتحت نار بيضا مُضيئة لأقصى حد.. إستعجب سيدنا موسى من المنظر الي لا يُعقل ولا يُوصف!
كل ما يزيد إشتعال النار يزيد إخضرار الشجرة .. عكس قانون الطبيعة .. عكس أي شجرة بتتحول للإسوداد لو إتحرقت.. دي بتتحول للإخضرار كأن الي حواليها ميّة مش نار! .. لا خُضرة لون الشجرة بتتأثر بحرارة النار فتتحرق منها .. ولا النار بتتأثر بوجود الشجرة فيقل ضياءها ..
قرّب أكتر منها لكن قبل مايوصلّها كان سمع نداء .. نداء عظيم جاي من اليمين .. من جانب الوادي كان الله هو المُنادي ..( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) .. [ آية 30 : سورة القصص]
كان أول كلام الله هو تحية مُباركة ألقاها سبحانه وتعالى على نبيّه .. (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) .. [آية 8 : سورة النمل]
قيل بورك موسى والملائكة المحُيطة بيه وبارك الله البقعة كلها .. وقيل بورك نور الله والملائكة ممن حوله .. يُقال ان النار هي نور الله عز وجل لكن تم تسميتها نار على حسب ظن سيدنا موسى فـ يبقى المشهد أكثر دقة بوصفه من وجهة نظر سيدنا موسى ومشاعره وتفكيره وأحاسيسه وقتها..
لكن عشان الأمر ما يختلطش عند حد فيفتكر إن ربنا بنفسه تجسّد في صورة النار .. كانت تكملة الآية بـ تنزيه الله وتقديسه عن أي خاطر ممكن يجي في بال سيدنا موسى -أو في بالنا من بعده- مما لا يليق به سبحانه وتعالى , فقال تعالى (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .. [آية 8 : سورة النمل]
و "رب العالمين " فيها تعليل التنزيه .. يعني تنزّه الله عن التقيّد بالصورة أو المكان أو الجهة أو أي شيء لا يليق بجلاله .. نوع من التوضيح إنه مش لازم ربنا يكون مُتجسّد بنفسه في الوادي ومحصور في شكل النار عشان يكلّم سيدنا موسى .. فـ هو رب العالمين خالقهم ومالك أمرهم فلا يُشبه شأنه تعالى شأنهم ..

سيدنا موسى إندهش , إتخض وقلبه إتخطف .. قبل ما يسأل نفسه مين الي بيكلمه كان ربنا رد على سؤاله ..
فقال تعالى (أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .. [ آية 30 : سورة القصص]
من الطبيعي يكون إرتبك وماصدقش نفسه .. معقول ربنا بيكلمني بنفسه ؟!! .. فـ جيه النداء الإلاهي مرة تانية بيأكد ..
(يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .. [ آية 9 : سورة النمل]
و زاد التأكيد للمرة التالتة
(إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) .. [آية 12 : سورة طـه ]
[إختلفوا في سبب الأمر بخلع النعلين .. فـ قيل تزكية له لإن النعلين كانا مصنوعين من جلد غير مُزكّى.. وقيل لـ تمسّ قدماه تُربة الوادي فـ ينال من بركة الوادي
وقيل للخشوع والتواضع عند مُناجاة الله .. وهو الأولى بالصواب .. والله تعالى أعلى وأعلم..]
إنحنى سيدنا موسى وجسده كله بيترعش .. إستجاب فوراً للأمر وخلع حذاءه
ربنا كمّل كلامه وبلّغ نبيه بـ اصطفاءه وإختياره .. (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ) .. [ آية 13 : سورة طــه]
من هنا بدأت الأوامر الإلاهية تنزل على سيدنا موسى تباعاً .. فـ كان أول أمر يؤمر به هو عبادة الله والصلاة .. (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) .. [ آية 14 : سورة طــه]

ربنا وضّح لـ نبيّه البداية فـ أمره يبدأ بنفسه ويعبد الله قبل ما يسلك طريق الدعوة عشان يبقى أهل ليها ..
إختص الصلاة بالذكر وأفردها بالأمر رغم إنها تندرج تحت الأمر بالعبادة .. وده بسبب أهميتها واللي بيحصل فيها من ذكر الله وإنشغال القلب والعقل بيه .. من هنا كان التعليل الواضح في التعبير القرآني (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) يعني أقم الصلاة لتذكرني فيها .. لإن الصلاة بتذكّر العبد بـ ربه وبتخليه يستشعر وجوده في رحاب خالقه ومالك أمره ..
زاد انتفاض جسد سيدنا موسى وهو بيتلّقى التكليف الإلهي .. سكنته خشية وخشوع و رهبة من الموقف ومن الأمانة ..
وقبل ما الخوف أو الشك يتسلل لقلبه .. ربنا بعتله علامات للتثبيت وزرع اليقين..
سأله سؤال للتقرير .. قال (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ) ..[آية 17 : سورة طـه]
إزدادت دهشة سيدنا موسى .. ربنا بنفسه اللي بيكلمه , هو أكيد عالم بالإجابة , يبقى ليه السؤال ده إلا إذا كان وراه حكمة عُليا .. أجاب على السؤال فـ بدأ إجابته بـ تعريف انها عصا وإنسابها لنفسه ( قَالَ هِيَ عَصَايَ) .. ومن ثم تعديد منافعها .. يمكن يكون هو ده الغرض من السؤال .. فـ قال إنه بيسند عليها أثناء المشي (أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا) .. وبيخبط بيها الأشجار عشان تنزّل أوراقها للغنم بتاعته فـ تاكلها (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي) .. وبيستعملها في حاجات تانية (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ).. [آية 18 : سورة طــه]
إجابته كانت حكيمة .. بدأ بتعديد استعملاته ليها تفصيلاً وختم كلامه بـ الإجمال .. سابها مفتوحة و وضّح إن ليها استعملات تانية وده يحسس المُستمع إن لو كانت الاجابة المبدئية دي مُقنعة للسائل و هي فعلاً الي كان بيسأل عليه , فـ الباب مفتوح لـ تكملة الاستعمالات بـ تفصيل أكتر..
بالحوار ده أقرّ سيدنا موسى إن الي في إيده هي عصاه .. هي نفس العصا الي قعد يستعملها كل السنين دي والي هيؤمر بعد ثواني بـ إلقائها .. وهو ده الغرض من السؤال .. التقرير .. فـ من قبل الأمر التالي ثبت في ذهنه حقيقة العصا ثبوت غير قابل للشك .. وبالتالي لما تنقلب العصا حية هيتقفل أي باب للشيطان إنه يشككه في المعجزة أو يحسسه إن الحية مش هي نفسها عصاه الي هو عارفها .. وهيقتصر رد فعله على الاطمئنان وزيادة اليقين بـ قدرة الله العلي العظيم ..
ودلوقتي جيه الأمر الإلاهي بـ رمي العصا على الأرض .. (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ) .. [آية 19 : سورة طــه]
بمجرد ما لمست العصا الأرض لاقاها إتحوّلت ثعبان كبير .. مش أي ثعبان ده حنش! .. نوع سام لو عض حد يموت في الحال! .. بيهتز بقوة كأنه جان! .. جان ده نوع من أنواع الثعبان , أسرع أنواع الثعابين .. لكنه صغير .. أما الحية دي طولها كبير وحجمها فوق الطبيعي بكتير .. مضطربة وبتاكل أي حاجة في طريقها
(فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ) .. [آية 20 : سورة طـــه]
سيدنا موسى ماقدرش يقاوم المنظر .. حس إن جسمه كله بينتفض من الخوف
لف وإبتدا يجري من غير أدنى تفكير في الرجوع .. (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ)
لولا إن ربنا ناداه (يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) .. [ آية 10 : سورة النمل]
فـ ثبت مكانه .. هدّى نفسه وابتدى يتمالك أعصابه ..
جيه النداء الإلاهي مرة تانية يحسسه بالأمان ويطمّنه .. (يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ).. [آية 31 : سورة القصص]
استجاب سيدنا موسى ولف عشان يرجع مكانه .. لاقى التعبان لسه زي ماهو .. لسه بيتحرك , لسه شكله مرعب فـ جيه الأمر الأصعب .. (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) .. [آية 21 : سورة طــه]
مد إيده للحيّة وهي بتترعش , حاول يمسكها وهي في قمة إضطرابها وتحرّكها .. قاوم خوفه وحط ايده عليها ومسكها ..فـ تحقق الوعد الإلاهي و رجعت عصا في إيده أول ما لمسها!
بكده يكون سيدنا موسى إتدرب على المعجزة كاملة فـ لما تتكرر في قصر الفرعون يثبت ومايخافش زي الي هيخافوا .. ويقدر ياخدها بإطمئنان من غير تردد
ربنا أصدر الأمر الإلاهي من جديد ووهبله معجزته التانية لزيادة التثبيت .. قاله حط إيدك في جيبك هتلاقيها خرجت خالية من الشوائب مُختلفة عن لون جسمك فهي بيضة بياض ناصع مُعتدل مافهوش أذى أو سوء من برص أو غيره , إنما هو بياض فاتن يطيب رؤياه (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) .. وضم ذراعك إلى جنبك هتهدى ويروح عنك الخوف والرهبة .. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) .. أو يكون المقصود بـ ضم الجناح يعني ضبط النفس , لإن الطائر لو خاف واضطرب بيفرد جناحه , ولما يهدى ويطمّن بيضم جناحه ويعتدل في وقفته
فعلاً نفّذ سيدنا موسى الأمر الربّاني فـ حط إيده في جيبه [والجيب هو فتحة الثوب العُليا من الجهة الي بيخرج منها الرأس]
لما طلّع إيده فوجئ بيها بتتلألأ زي القمر .. زاد خوفه وإنفعاله , فـ نفّذ الأمر التاني .. ضم ذراعه فـ إختفى خوفه تماماً
إطمّن سيدنا موسى واكتمل يقينه .. فـ بقى جاهز لـ تلّقي التكليف ..
والتكليف كان على تلات أوامر
- الأمر الأول إنه يروح لفرعون وقومه يدعوهم لعبادة الله وتوحيده .. (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) .. [آية 32 : سورة القصص]
- الأمر التاني تجديد عقيدة بني إسرائيل وتخليصها من الشوائب الي دخلتها وتقويم الانحرافات الي حصلت في نفوسهم بعد تأثرهم بعبادة الأصنام ونسيانهم لعقيدة جدودهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) .. [آية 5 : سورة إبراهيم]
- والأمر الثالث تخليص بني إسرائيل من عبوديتهم ودعوة فرعون لإطلاق سراحهم والتوقف عن تعذيبهم
(فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) .. [آية 47 : سورة طــه]
سيدنا موسى أدرك أهمية وحجم المسؤولية اللي اتكلف بيها.. فإبتدا يفكر في نقاط الضعف الي عنده عشان يتجنّبها ويقدر يأدي المهمة بأكفأ ما يُمكن ..
كانت أول النقاط دي إنه قتل من الأقباط واحد وبالتالي هما متربصين بيه ومستنيين يشوفوه عشان يقتلوه (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) .. [آية 33 : سورة القصص]
ولو كانوا نسيوا بسبب السنين دي كلها .. فـ أكيد هيفتكروا ويصمموا ينتقموا لما يلاقوه جايلهم بـ دين جديد ودعوة ضد أهواءهم .. خوفه من القتل المرادي مكنش خوف على نفسه , بالعكس هو لو اتقتل في سبيل الدعوة هيكون جزاؤه عند ربنا كبير وهو القادر على تعويضه ومكافئته .. إنما الخوف كان على مصير الدعوة وتوصيل الرسالة
أما تاني نقاط الضعف فهي اللدغة الي في لسانه بسبب أكل الجمرة في طفولته .. فـ إقناع الفرعون وتوصيل الرسالة محتاج قوة بيان وفصاحة لسان و وضوح تعبير.. ومن هنا كان طلب سيدنا موسى من ربنا إنه يُرسل معاه أخوه هارون لإنه أكثر طلاقة منه في الكلام ..( وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ) .. [ آية 34 : سورة القصص]
(وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ﴿29﴾ هَارُونَ أَخِي ﴿30﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿31﴾ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿32﴾ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴿33﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿34﴾ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا) .. [ سورة طــه]
ربنا إستجاب لـ طلب سيدنا موسى وطمّنه إنه سبحانه هيكون معاهم سامع وشايف..
( قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ) .. [آية 35 : سورة طــه]
(وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) .. [آية 53 : سورة مريم]
( قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) .. [آية 46 : سورة طــه]
وإن فرعون رغم قسوته وتجبّره مش هيعرف يئذيهم وهتكون الغلَبة ليهم
(قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ) .. [آية 35 : سورة القصص]
من خلال المعجزتين دول ربنا وّصل لسيدنا موسى الطريقة الي هيثبت بيها نبوته ورسالته .. طمّنه بالأدلة الي تأكد ليه وللناس كلها إنه مش لوحده وإن في إله عظيم ورا المعجزات دي
_
بعد الإصطفاء والتشريف بل والتكليم الربّاني الي حصل مع سيدنا موسى .. رجع لأهله وهو مضطرب الفكر مطمئن البال سعيد بالتكريم رغم حجم المسؤولية والأمانة
كملوا طريقهم في إتجاه الشمال الغربي لحد ماوصلوا للطرف الشمالي لخليج السويس .. ومن المُحتمل يكون قابل سيدنا هارون هناك [ بعد نزول الوحي على هارون ] ..
ربنا وحده العالم نبيه موسى كان بيفكر في إيه وهو راجع مصر وعارف إنه هيواجه أعظم طاغية في عصره .. فكرة رجوعه لمصر كانت آمنة نوعاً ما لما كان هيدخلها لزيارة أهله في تخفّي بعيداً عن أنظار الفرعون وكبراء القوم .. لكن رجوعه لقصر الفرعون نفسه ومواجهته بـ الدعوة ومُطالبته بالإيمان بالله وحده وإطلاق سراح بني إسرائيل ده أشبه بالحرب!

وصل سيدنا موسى مع أخوه هارون لـ مصر وإبتدت الرسالة ..
راحوا لـ فرعون مع بعض شيوخ بني إسرائيل .. إبتدا التبليغ فـ كان بيكلمه بـ منتهى اللين والرفق , دعاه لله وحكاله عن رحمته وجنته .. عن وجوب توحيده وجزاء عبادته ..
وضّحله إنه زي ماهو في الدنيا بيملك مصر , يقدر في الآخرة يملك الجنة إذا آمن بالله وتاب له وعبده حق عبادته فرعون كان بيسمع الكلام بـ ملل وإستهزاء وبمنتهى اللامبالة .. لولا إن ربنا سخّره يسمعهم ومايفكرش يعمل حاجة قبل ما يخلصوا كلامهم كانت تحققت مخاوفهم لما أبدّوا قلقهم من عدم صبر فرعون عليهم ومُعاقبته ليهم قبل مايظهروا مُعجزاتهم أو حتى يكملوا كلامهم (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ) .. [آية 45 : سورة طــه]
فرعون عقّب على كلام سيدنا موسى بإنه سأل عن طلبه ومبتغاه من ورا ده كله .. فـ كان الرد إنه عايزه يعبد الله الواحد .. و يفك أسر بني إسرائيل ويسمحلهم بالخروج
إندهش فرعون من تجرأ موسى وطلبه الي أشبه بالمستحيل! .. إبتدا يفكّره بـ أفضاله عليه وإنه سمحله يتربى في قصره وأكرمه وجعل له مكانة .. حاول يأثر فيه ويستنكر عليه طلبه ودعوته وإنه ماينفعش يكون ده جزاء الجميل الي عمله الفرعون فيه (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ) .. [آية 18 : سورة الشعراء]

فكّره إنه قتل قبطي وكأنه بيقوله شوف نفسك الأول ! دين إيه الي جاي تدعو ليه وإنت قاتل ! إبتدا يهوّل الموضوع ويكبّره فـ ماقالهاش بصريح العبارة , إنما قاله "وفعلت فعلتك التي فعلت!" .. عملت عملتك ! العملة البشعة الي ماتتقالش! .. وانت من الكافرين بنعمتي فقتلت أحد اتباعي بعد ما اتربيت في بيتي! .. ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) .. [آية 19 : سورة الشعراء]
فرعون كان فاكر إن كلامه ده هيعجّز سيدنا موسى عن الرد ويحسسه بالخزي أو يخليه يتراجع
لكن هنا تحققت دعوة سيدنا موسى وربنا أطلق لسانه بالرد المناسب , فقاله غلطت فعلا وكنت ضال لما عملت كده بإندفاع العصبية القبلية لقومي , قبل ما اعرف إندفاع العقيدة السليمة الي ربنا أكرمني بيه النهاردة (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) .. [آية 20 : سورة الشعراء]
هربت منكم لما خوفت على نفسي وجودي بينكم .. [وهنا كان كلام سيدنا موسى بيتضمن تلميح إن القتل الخاطئ ده لو كان صدر من قبطي من أتباع فرعون ماكنش هيبقى جزاؤه القتل .. إنما الحكم الظالم ده صدر على موسى لإنه من بني إسرائيل .. الفئة المُستضعفة المُستعبدة ..]
كمل كلامه بـ ذكر نعمة ربنا .. صاحب النِعم الحقيقية الي تستحق ذكرها وشكرها .. بعيداً عن نِعم فرعون المزعومة الي بيمّن بيه عليها .. فمن بعد ضلاله وإفتقاره ربنا سامحه وهداه ورزقه العلم والحكمة والنبوة..) فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .. [آية 21 : سورة الشعراء]
وإن كان فرعون بيتمنن على سيدنا موسى بفضل تربيته ليه , فـ أي فضل ده الي بيتكلم عليه ؟ وصول سيدنا موسى لقصره كان بسبب إستعباده لبني إسرائيل والتحكم فيهم لدرجة التحكم في نسلهم وذريتهم كمان .. قتله للذكور من أولادهم أجبر أم سيدنا موسى إنها تحطه في التابوت وترميه في البحر .. ساعتها أراد رب العالمين إن الفرعون يتلقطه فيتربى في بيته مش في بيت أهله .. هل هو ده الفضل الي بيتكلم عليه ؟ .. فضل ناتج عن إستعباد قومه وتخويف أهله وإبعاده عنهم ؟
سيدنا موسى إختصر كل الكلام ده ووصله لفرعون بكل أدب ولطف في جملة بليغة ليّنة ( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) .. [آية 22 : سورة الشعراء]
هنا ثار فرعون وإبتدا التحدي .. قاله وإيه رب العالمين الي انت بتتكلم عنه دا؟!!
(قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) .. [آية 23 : سورة الشعراء]
رد سيدنا موسى : (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ( .. [آية 24 : سورة الشعراء] إلتفت فرعون للي حواليه وقال بـ منتهى الإستهزاء والسخرية ) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ) .. [آية 25 : سورة الشعراء] سيدنا موسى تجاهل السخرية وكمل كلامه .. ) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ( ..[آية 26 :سورة الشعراء]
توجه فرعون بالكلام المرادي لـ أتباع سيدنا موسى من بني إسرائيل الي كانوا معاه حاول يشككهم وينقلهم إحساس الاستهانة والسخرية فقالهم (إِنَّ رَسُولَكُم الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) .. [آية 27 : سورة الشعراء] سيدنا موسى ما إهتمش بالإتهام وتجاوز عن السخرية دي وكان كل همه يعرّفهم بـ عظمة ربهم فكمل تاني ( قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) .. [آية 28 : سورة الشعراء]
فرعون مكنش بيسأل سيدنا موسى عن ربنا من باب المعرفة أو الإستفهام إنما كان سؤاله بقصد الاستهزاء لا غير .. وبرغم رد سيدنا موسى عليه بكل إيجاز وبلاغة إلا إنه ماقتنعش وأصرّ على الجدال , فسأله أمال ليه القرون الاولى ماعبدتش ربك ده؟! .. (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ) .. [آية 51 : سورة طــه] رد سيدنا موسى بإن القرون الأولى حسابها عند ربها ومحدش هيفلت من المُسائلة سواء عبد الله أو عبد سواه كل واحد هيتجازى بـ عمله إن خيراً فـ خير وإن شراً فـ شر.. وكل ده معلوم عند الله وحده في كتاب جامع كل صغيرة وكبيرة فـ لا يغيب عن الله شيء ولا ينسى .. (قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ) .. [آية 52 : سورة طــه]
الكلام ده مفروض يطمّن السائل ويخليه يركز في مصيره هو ومايقارنش نفسه بحد لإنه هيتحاسب لوحده , زي ماغيره هيتحاسب عن نفسه بس .. لكن فرعون ماكنش مجرد سائل , كان مُكابر وبيسأل من باب التعجيز لا اكثر ..
حاول سيدنا موسى يلفت نظر فرعون لـ آيات الله في الكون .. كلّمه عن حركة الرياح وإرسال المطر وإخراج النبات وصولاُ إلى الأرض .. فهمّه إن الأرض دي هي بداية خلق الانسان , منها أخرجه الله وفيها سـ يُعيده .. ومن ثم يبعثه من جديد للحساب .. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى ﴿53﴾ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى ﴿54﴾ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) .. [سورة طــه]
الطاغية ماعجبوش الكلام وإبتدى يخاف على ضمائر الشعب من الدعوة الجديدة دي .. ثار فرعون وفقد المنطق والبرهان الي يقدر يرد بيه , فـ لجأ للقوة والوعيد وأنهى الحوار بتهديد (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) .. [آية 29 : سورة الشعراء]
لكن سيدنا موسى مافقدش الهمة وماتراجعش بسبب التهديد .. إبتدا يغيّر اسلوب الحوار ويحاول إقناعه بطريقة جديدة هي إظهار معجزة أو برهان .. ( قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ) .. [آية 30 : سورة الشعراء]
سيدنا موسى حط فرعون في موقف حرج بالعرض ده .. لو رفض التحدّي هيبان إنه خايف فـ يفقد ثقة كل الشهود الي واقفين وسامعين الحوار ..فإضطر يوافق ,(قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) .. [آية 31 : سورة الشعراء]
رمى العصا في أرض القصر واتكرر المشهد مرة تانية فـ أول ما لمست الأرض تحولت لـ ثعبان ضخم بيتحرك بسرعة تهز القلب .. ( فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ) .. [آية 32 : سورة الشعراء]
مالحقوش يستوعبوا الموقف كان سيدنا موسى بادر بالمعجزة التانية فوراً .. دخّل إيده في جيبه وطلّعها فلاقوها بيضا مُضيئة زي القمر ليلة كماله .. (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ ) .. [آية 33 : سورة الشعراء]
فرعون حاول يتدارك الموقف ويقدّم مُبرر للمعجزة قبل ما العقول تصدقها .. فـ إتهمه بالسحر .. (فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) .. [آية 36 : سورة القصص]
سيدنا موسى إستنكر عليهم التكذيب رغم عِظم المعجزتين والإحساس الغريب الي بيتملّك اي حد يشوفهم ( قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) .. [آية 77 : سورة يونس]
كان هادي و واثق فـ إختصرلهم العاقبة بكل ثقة ..(وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) .. [آية 37 : سورة القصص]
لكن استكبار عقولهم وضلال قلوبهم كانوا أكبر رغم المنطق والبرهان ..
(قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) .. [آية 78 : سورة يونس]
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) .. [آية 47 : سورة المؤمنون]
_
فرعون والملأ الي معاه [ الملأ هما كبراء القوم وسادتهم ] .. لما شافوا المعجزتين دول إبتدوا يفكروا هيعملوا إيه ويواجهوا موسى إزاي ويثبتوا كذبه ويبعدوا الناس عنه من غير ما يبان إنهم خايفين .. كانوا عايزين يبعدوه ويسجنوه لكن من غير ما يكون سجنه سبب في ثورة بني إسرائيل .. فـ شافوا إن الأسلم يشركوا بني إسرائيل نفسهم في القرار عشان يبقى العقاب الي هيحل بموسى نابع عن رضا بعضهم.. حوّلوا مجرى الكلام وابتدوا يخاطبوا كبراء بني إسرائيل المتواجدين في المكان.. قالولهم ده ساحر عايز يخرّجكم من - ماقالوش أرض مصر .. كان التعبير بـ"أرضكم " أقرب لقلوبهم .. عشان مايحسوش إنهم غرباء عن البلد ودُخلاء فيها .. لأ دي أرضكم الي بقيتوا زي المواطنين فيها بسبب طول مدة بقاءكم ..
وختم الكلام بـ سؤال مُتملق يستميل بيه قلوبهم "فماذا تأمرون؟" .. إتحوّل الحال في ثواني و لـ ثواني فبقى بنو إسرائيل هما الي بيأمروا .. بقى الفرعون الطاغية مستني منهم أمر عشان يخلّصهم من "الساحر" الي عايز يخرّجهم من وطنهم .. ) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴿34﴾ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) .. [سورة الشعراء]
كان هو ده كلام فرعون الي ردده أعوانه من مستشارين و وزراء وكهنة زيادة للتأكيد والإقناع .. (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴿109﴾ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) .. [سورة الأعراف]
بني اسرائيل حسوا بإحراج كبير ومابقوش عارفين يستغلوا الفرصة الي فرعون ومستشارينه بيتفضّلوا عليهم بيها .. ولا يصدقوا عيونهم وعقولهم بعد الآيتين المُعجزتين الي شافوهم ولسه مأثرين عليهم ..
لجأوا لـ حل ذكي يخرّجهم من الموقف ده .. اقترحوا عليه يأجل الموضوع ده لحد ما ياخدوا –الرأي العام – .. كان الإقتراح بإنهم يحددوا يوم يكرر فيه موسى الي عمله قدام كل الناس .. فيبقى الحكم على مرأى ومسمع من جميع السُكان .. الفكرة أقنعت الحاضرين من وزراء ومستشارين .. فـ أيدوها وزادوا عليها إن التحدّي يكون من الطرفين عشان الناس لو شافوا سحر موسى لوحده ممكن يتأثروا بيه أو يميلوا ليه .. نجيب إحنا كمان أحسن سحرة عندنا ونحارب السحر بالسحر .. فيكون رأي المشاهدين في النهاية عادل ومُنصف لنا .. (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿36﴾ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) .. [سورة الشعراء]
فرعون إقتنع بالفكرة وأعلن تحديه لموسى ..
(فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى ) .. [سورة طــه]
سيدنا موسى من غير تردد وافق على التحدّي و حدد المعاد واليوم كمان .. (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) .. [آية 59 :سورة طــه]

(فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى( .. [آية 60 : سورة طــه]
إتحدد الميقات وجيه المعاد .. يوم الزينة .. يوم إحتفال عظيم إجتمع فيه الجماهير بمنتهى الحماس عشان يتفرجوا على السحرة وهما بيغلبوا موسى الاسرائيلي الي بيدعو لدين جديد وبيدّعي المعجزات (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴿38﴾ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ ﴿39﴾ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ( ..[سورة الشعراء]
في الوقت ده كان السحرة عند فرعون بيتفقوا معاه على المكافئة الي هياخدوها لما يكسبوا التحدي .. هما مجرد سحرة مأجورين مش هاممهم لا دين ولاعقيدة ولا أي حاجة غير الأجر المادي الي هياخدوه في مقابل مهاراتهم في السحر والخداع .. فرعون طّمنهم على أجرهم ووعدهم باللي أكتر من كده كمان , فـ شجّعهم بإنهم لو كسبوا هتعلى مكانتهم فـ يبقوا من المقربين للحاكم والإله الفرعون العظيم! .. (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ﴿41﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) .. [سورة الشعراء]
_
إبتدت المواجهة وإبتدا السحرة في إثبات قدراتهم وثقتهم فـ خيّروا سيدنا موسى وقالوله براحتك يا إما تبدأ إنت يا إما هنكون إحنا البادئين .. (قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ) .. [ آية 115 : سورة الأعراف]
رد سيدنا موسى كان أكثر ثقة منهم , ما إهتمش بـ ثقتهم وإستهان بـ تحدّيهم.. فـ ساب البدء ليهم .. (لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ) .. [آية 43 : سورة الشعراء]
رمى كل ساحر منهم حبل و زعموا إنهم بـ عزة فرعون لغالبون! (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ) .. [آية 44 : سورة الشعراء]
إشتغل سحر السحرة على العيون فـ تخيّل كل الموجودين إن الحبال تحوّلت لـ ثعابين.. القرآن وصف سحر السحرة دول بـ[ السحر العظيم ] , فتخيّل مدى مهارة السحرة الي خلّت اللفظ القرآني -الي دايماً دقيق- يوصفهم بالعظمة! .. (فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) .. [آية 116 : سورة الأعراف]
كان الدور في الرمي على سيدنا موسى , ربنا طمّنه إنه مايخافش ( قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى) ..[آية 68 : سورة طـه]
ويلقي العصا الي في إيده هتغلب سحرهم , فـ ماترددش ولا تراجع رغم عظمة سحرهم .. (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ) .. [آية 69 : سورة طـه]
كانت ثقته في ربه أعظم وإطمئنانه ويقينه بـ دينه أسمى وأقوى (فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) .. [آية 81 : سورة يونس]
رمى العصا فـ تكرر المشهد للمرة التالتة وتحوّلت العصا فوراً لـ أفعى ضخمة بتتحرك وتسعى بشكل حقيقي وواقعي لدرجة خوّفت السحرة وهزّت وجدانهم (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ) .. [آية 45 : سورة الشعراء]
نسيوا كل الي كانوا جايين عشانه .. نسيوا كل إغراءات فرعون وكل مطامعهم المادية والمعنوية .. هما أعلم ناس بالسحر وبالتالي كانوا أكتر ناس فاهمين إن الي حصل ده إستحالة يكون سحر إنما هو معجزة عظيمة هما نفسهم ماقدروش يقاوموها .. فكان رد فعلهم هو السجود فوراً وإعلان الإيمان بـ رب موسى وهارون! .. (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿118﴾ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ ﴿119﴾ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴿120﴾ قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ ﴿121﴾ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) .. [سورة الأعراف] كان تصرفهم مفاجأة صاعقة لفرعون! .. إزاي يكون جايبهم ومتفق معاهم ومعشّمهم بـ منصب ومال ومكانة محدش بيوصلّها .. ويستسلموا بالبساطة دي! ..
قرر فوراً إنهم يستاهلوا عقاب رادع يخليهم عبرة لغيرهم .. وسبق العقاب بـ إتهام يُبرر العقاب قدام الجماهير دي كلها
قالهم إنتوا إزاي تتجرأوا وتؤمنوا بـ رب موسى قبل ما تستأذنوني! .. دي مؤامرة ومكر منكم عشان تنفذوا خطتكم وتخرّجوا أهل المدينة منها .. هو اكيد متفق معاكم وإنتوا إتغلبتوا عن قصد راضيين وموافقين عشان يكمل الاتفاق وتحققوا مطلبه المستحيل بخروج بني إسرائيل!
في ثواني قلب الآية وإتهمهم بالخيانة الي تستحق العذاب !! .. ومن بعدها صرّح بالعذاب بكل صراحة وحزم .. قالهم هقطّع أيديكم وأرجلكم من خلاف وبعدها هصلب كل واحد فيكم! .. (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿123﴾ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) .. [سورة الأعراف ]
لكن يقينهم كان أكبر من تهديده .. إختاروا الخلود الدائم في جنة رب موسى , على النعيم المؤقت في أرض فرعون الجبّار ..بمنتهى الإيمان قالوا (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴿50﴾ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) .. [ سورة الشعراء]
ماطلبوش السماح ولا تراجعوا عن موقفهم بعد تهديدهم وتحديد عذابهم .. بالعكس إستنكروا على الفرعون عقابه ليهم على هُداهم! (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا) .. [ آية 126 : سورة الأعراف]
اما طلبهم فـ كان من ربنا بالثبات على الهدى والصبر على الابتلاء والعذاب الي هيمروا بيه في سبيله (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) .. [آية 126 : سورة الأعراف]
وكمّلوا كلامهم بـ منتهى الحكمة واليقين الي يُضرب بيهم المثل ويبيّن لنا تأثير هُدى الله لما بيسكن القلوب .. (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿72﴾ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿73﴾ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى ﴿74﴾ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ﴿75﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى ﴿76﴾ ) .. [سورة طــه]
عجز فرعون قدام ثباتهم وعدم إهتمامهم بـ وعيده! فـ لجأ للقوة ونفّذ تهديده
_
السحرة ماكانوش الوحيدين الي اتعذبوا بسبب التحدّي ده
بني إسرائيل هما كمان أخدوا جرعتهم من العذاب المُضاعف
وأصل الحكاية إن الملأ من أتباع فرعون خافوا من إزدياد عدد المؤمنين المُتأثرين بالمعجزات .. فـ بدأوا يحرّضوه على سيدنا موسى وبني إسرائيل ويقولوله إنت هتسيبهم يدّعوا وجود إله آخر وينتقصوا من قدرتك وقدرة آلهتك فيتجرأ الناس عليك ويستهينوا بيك ويفسدوا في أرضك
فـ أصدر فرعون القرار بـ تقتيل ابنائهم وترك نسائهم وزيادة تعذيبهم وتسخيرهم ..
(وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) .. [آية 127 : سورة الأعراف]
سيدنا موسى كان بيصبّر قومه وبيحثهم على التقوى وعدم الشكوى .. بيفكّرهم إن الأرض باللي عليها مِلك لله وحده .. وهو قادر يخليهم ورثائها والملكاء عليها جزاء تقواهم ..( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .. [آية 128 : سورة الأعراف]

لكن بني إسرائيل ما استحملوش كتير .. إبتدوا ينقموا على الوضع والذل , قالوله كانوا بيئذونا قبل ماتيجي ولسه بيئذونا بعد ماجيت , كأنهم بيوصلوله رسالة إن وجودك ماغيّرش حاجة في حالنا بالعكس زاد الأذى! .. (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) .. [آية 129 : سورة الأعراف]

سيدنا موسى تفّهم نفاذ صبرهم وماعتبش عليهم , بالعكس حاول يثبّتهم ويواسيهم .. يفكّرهم إن ربنا موجود ويبشّرهم بإقتراب الهلاك للظالمين وإن من بعد هلاكهم هيبقوا هما المُستخلفين ..
لكن نبههم إن الخلافة ساعتها هتكون إختبار .. ربنا عايز يبيّن نواياهم ويشوف رد فعلهم وعملهم .. (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(.. [آية 129 : سورة الأعراف]

المؤمنين مع سيدنا موسى ساعتها كانوا من شباب بني إسرائيل وصغارهم .. بينما الكبار في السن منهم كانوا عارفين جبروت فرعون ومجربينه سنين طوال .. فـ كان خوفهم أكبر بكتير من إقتناعهم .. وبالتالي اختاروا يتقّوا شر فرعون ومايؤمنوش .. خوفاً من إن فرعون يعرف بإيمانهم فيزيد عذابهم على وجه الخصوص ..
وبالتالي كان الي آمن مع سيدنا موسى وسيدنا هارون قلة مُتخفيَة من الشباب .. فـ جيه وصفهم في القرآن بـ[ ذريةٌ من قومه] .. (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) .. [آية 83 : سورة يونس] في الظروف دي كلها كان الإهتمام بالدين والقرب من الله هو الأهم رغم كل حاجة .. مفيش حاجة هتصبّرهم وتحسسهم بوجود ربنا جنبهم قد وجودهم هما في رحابه.. فـ أوحى الله لسيدنا موسى وهارون إنهم يختاروا كام بيت من بيوت بني إسرائيل ويخصصوهم لعبادة الله والاستعانة بالصلاة .. وساعتها يقدر سيدنا موسى يبشّرهم بكل خير مستنيهم .. والبُشرى في الأمر كانت عامة .. عشان تبقى شاملة كل خير ممكن يتمّنوه ويتخيّلوه في الدنيا .. وكل خير هيتجازوا بيه في الآخرة ..
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) .. [آية 87 : سورة يونس]
_
فرعون قرر يحط حد للموضوع ده .. فـ جمع الملأ وكشفلهم عن نيته في قتل سيدنا موسى .. قدّملهم المُبررات المُقنعة الي تخليهم يشتركوا معاه في النية دي فيكون القرار جماعي وبيسانده فيه كل الي حواليه تحسبّاً لأي ثورة قد تقوم بها بني إسرائيل بعد قتل زعيمهم .. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) .. [آية 26 : سورة غافر] _
في الظروف دي ربنا بعت لسيدنا موسى راجل من آل فرعون .. قيل انه ابن عم فرعون نفسه .. الله أعلم لكن من الواضح والمؤكد إنه كان من الكبراء فعلاً لإنه كان حاضر الإجتماع.. القرآن ماذكرش إسمه ولا صفته وإكتفى بذكر الخصلة الأهم فيه وهي "الإيمان"
الراجل ده كان مؤمن كاتم إيمانه وبيظهر إتبّاع فرعون وأعوانه عشان يسلم من شرهم .. لكن ماقدرش يسكت وهو شايفهم بيتفقوا على قتل رسول الله الي هو مؤمن بيه .. تدّخل وحاول يقنعهم قد إيه الفكرة خاطئة وعقيمة .. وضّحلهم إن موسى ماقالش حاجة غير إنه رسول من رب غير الي بتعبوده .. هو قدّم الأدلة والإثباتات الواضحة على نبوته .. وبالتالي فيه إحتمالين .. يا إما يكون كاذب يا إما يكون صادق .. فلو كان كاذب يبقى كذبه مش هيضر حد غيره , ومسيره هينكشف ومش هيستمر في الكذبة دي كتير .. أما لو كان صادق وإحنا قتلناه فـ إيه يضمن لنا النجاة من عذاب الله؟ .. (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿28﴾ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا) .. [سورة غافر]
كلامه كان مُقنع خصوصاً إنه مش مشكوك في ولائه وإنتماءه .. المفروض إنه بيتكلم بدافع الحرص على عرش فرعون لكن رغم كل ده فرعون ما اقتنعش .. دافع عن فكرة قتل موسى لإن مصلحته فيها والموضوع بقى عِند وتحدّي لكبرياءه .. فـ غلب طغيانه وجوهره الحقيقي على ديموقراطيته المزعومة.. قالهم انا عارف الأصح ورأيي هو الي هيهديكم للي فيه صلاح الحال ورشاد البال .. فرض عليهم الأمر الواقع بإن رأيه هو بس الي هيمشي وأي رأي غيره يبقى غلط ولازم يختفي .. (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ..[آية 29 : سورة غافر] الراجل المؤمن ما استسلمش وما سلّمش بالأمر الواقع .. كمّل محاولاته في إقناع الملأ .. فكّرهم بأحداث تاريخية وتجارب ملموسة في الأقوام الي قبلهم لما كذّبوا رسل ربهم وكان إيه مصيرهم واللي حصل لهم
بعدها قرّب الأمثلة اكتر واكتر فـ دخل لتاريخ مصر نفسه , فكّرهم بسيدنا يوسف لما بُعث بالبيّنات فـ الناس شكوا فيه وبعدها لحقوا نفسهم وآمنوا بيه قبل ما طوق النجاة يفلت منهم
إيه الغريب في إن ربنا يبعت رُسل ؟؟ .. التاريخ بحد ذاته أكبر دليل وإثبات على إنتصار القلة المؤمنة بسبب إيمانها على الكثرة الكافرة!
ربنا كان بيعذّب الكافرين أقسى أنواع العذاب .. أغرقهم بالطوفان وصعقهم بالصرخة وخسف الأرض بيهم .. مستنيين إيه ونضمن منين إن وقوفنا ورا فرعون مش هيضيّعنا ويهلكنا ؟؟ .. (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ﴿30﴾ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ﴿31﴾ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿32﴾ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿33﴾ وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴿34﴾ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) .. [سورة غافر]
بعد كمية التخويف والإقناع دي إبتدا الملأ يميلوا للإبتعاد عن فكرة قتل سيدنا موسى .. واضح إن الفكرة نتايجها مش مضمونة فملهاش لازمة وخلينا بعيد أحسن ..
فرعون حاول يجاريهم فـ يثبتلهم بطريقة غير مباشرة إنه معاه حق وإنهم لازم يتّبعوه ..
إبتدا يقلل من شأن سيدنا موسى عن طريق مقارنة فقره وحاله واستعباد قومه , بـ جاه فرعون ومُلكه وغناه .. (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿51﴾ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ) .. [سورة الزخرف]

ومن ثم أمر هامان ببناء صرح عظيم يوصل لـ أعالي السما عشان يشوف إله موسى الي بيدّعيه!
الفراعنة كانوا واصلين لمرحلة متقدمة جداً من الثقافة والحضارة وبالتالي صعب يكون طلب فرعون نابع من إعتقاد فعلي إنه ممكن يشوف الإله بالشكل المادي الساذج ده
إنما كان طلبه من باب الإستهتار والسخرية وفي نفس الوقت عشان يتظاهر إنه عادل وبيبحث عن الحق .. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿36﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) .. [ سورة غافر]
بكده حس الفرعون إنه تغلّب على أي ظنون ممكن تسكن الناس بـ وجود إله غيره .. زاد تباهيه بنفسه وزُيّن ليه عمله فـ أرسل في البلاد مُنادي بيعلن انه الرب الأعلى .. (فَحَشَرَ فَنَادَى ﴿23﴾ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) .. [ سورة النازعات]
هنا جهر مؤمن آل فرعون بإيمانه .. واضح إن الإيمان كان تعمّق في قلبه فـ ثقته بالله كانت أقوى من أي مخاوف دنيوية .. فقالها صراحةَ بمنتهى الجرأة ومن غير أي خوف ..
ما إكتفاش بـ إعلان إيمانه .. إنما تعدّى الأمر لـ دعوة الناس للإيمان كمان! .. المؤمن الحق هو الي لما يستشعر حلاوة الإيمان ويلمس طريق النجاة بيتمنى الخير للي حواليه فبيدلهم عليه
إبتدا يقلل من أمر الدنيا في نظرهم ويفكرّهم إنها زائلة ومفيش سبيل لـ دوامها .. عرّفهم إن الآخرة هي الأبقى وإن نعيمها هو النعيم الحق الي يستاهل الفرحة لإنه نعيم دائم في دار الخُلد والبقاء والاستقرار .. حاول يعاتبهم ويصحيّهم من غفلتهم .. حسسهم بخوفه عليهم واستفاض في النُصح ليهم .. فقالهم (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿38﴾ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴿39﴾ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿40﴾ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴿41﴾ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴿42﴾ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿43﴾ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) .. [سورة غافر]
خلّص كلامه ومشي من المكان فـ تحوّل كل تفكيرهم من إيذاء موسى لـ إيذاء المؤمن ده نفسه!
لكنه سبق و فوّض أمره لله .. فـ تدّخلت العناية الإلاهية بشكل ما وحفظته من فرعون وجنوده .. (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) .. [آية 45 : سورة غافر]
[ يُروى عن ابن عباس: أنه هرب إلى جبل .. فبعث فرعون في طلبه .. فأدركوه وهو يصلي والسباع حوله , فلما همّوا ليأخذوه هاجمتهم الذئاب وأكلتهم! ..] _
مع استمرار فرعون واللي معاه في الظلم والتعذيب لبني إسرائيل , ربنا ساعتها شاء أن يقع البلاء ..تخويفاً لـ آل فرعون وتلييناً لقلوبهم ..
لإن الشدة بتخلي الإنسان يلجأ لقوة أكبر من شدته .. فيبطّل مُكابرة ويرجع لخالقه .. (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) .. [آية 130 : سورة الأعراف]
الأرض بقت جدباء لا زرع فيها ولا ماء .. النيل شحّ والثمار قلّت , الناس جاعت والقحط بقى هو سيد الموقف
لكن من بجاحة آل فرعون وإستعلائهم ماربطوش كفرهم وظلمهم بـ البلاء الي حصل لهم .. بالعكس دول كانوا بيشوفوا أي خير يجيلهم بسبب إستحقاقهم ليه وإنه من حُسن عملهم أو حظهم .. إنما أي شر يحلّ بيهم يقولوا دا بسبب شؤم موسى واللي معاه ..أخذتهم العزة بالإثم فـ إفتكروا إن كل الي بيحصل ده سحر من سيدنا موسى! .. (فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿131﴾ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) .. [سورة الأعراف]
فـ ربنا زاد البلاء تأديباً ليهم وعظة لعلهم يفوقوا ويرجعوا .. بعتلهم طوفان وجراد وسوس وضفادع ودم!! .. (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ) .. [آية 133 : سورة الأعراف]
القرآن ماذكرش إذا كانت الابتلاءات دي جت مرة واحدة في نفس الوقت ولا في أوقات متفرقة .. لكن ذكر الأهم وهو رد فعل آل فرعون بعد الابتلاءات دي ..
فرعون وأعوانه أخدوا على نفسهم عهد إنه إذا موسى دعا ربه وأنقذهم من البلاء دا فهم هينفذوا وعدهم ويؤمنوا بيه ويطلقوا سراح بني إسرائيل كمان معاه .. (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ ) .. [آية 134 : سورة الأعراف]

وفعلا دعا سيدنا موسى وفعلا إنكشف البلاء .. هو نفّذ طلبهم لكن هما مانفذوش وعدهم .. نكثوا بالحلف الي حلفوه فرفضوا يخرّجوا بني إسرائيل ونسيوا البلاء الي كانوا فيه .. (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ) .. [آية 135 : سورة الأعراف] _ بعد ده كله بقى مؤكد وواضح إن مفيش أمل إن فرعون وأتباعه يغيّروا رأيهم أو يؤمنوا أو حتى يبطّلوا تعذيب في بني إسرائيل .. رغم كل الآيات والإبتلاءات الي اتبعتتلهم والي بلغ مجموعها 9 آيات زي ما ربنا قال عنهم (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) .. [آية 12 : سورة النمل]
[وهي في رأي أغلب العلماء : العصا ، واليَد ، والطوفان ، والجراد ، والقُمَّل ، والضفادع ، والدم , والقحط ، وآخرها وأعظمها انفلاق البحر]

هنا دعا سيدنا موسى على فرعون ..( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴿88﴾ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) .. [سورة يونس] فـ أُستجيبت الدعوة وجيه الوحي الإلاهي لسيدنا موسى إنه يخرج من مصر وياخد بني إسرائيل .. (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ) .. [آية 52 : سورة الشعراء]

لكن فرعون ماسابهمش .. حشد جنوده وأعلن التعبئة العامة وطلع بنفسه مع الجنود عشان يلحقهم .. (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿53﴾ إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴿54﴾ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ﴿55﴾ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ( .. [سورة الشعراء]
حالة الاستنفار والاهتمام ده كله يأكد لأي عاقل إن فرعون كاذب في كل إدعاءاته .. إزاي يكون عنده المُلك ده كله ويدّعي الأولوهية وفي الآخر يخاف من قلة زي دول .. كان مفروض يقلل من شأنهم ويتجاهلهم
لإن من صفات الإله الاستغناء .. فهو غني عن كل كافر أو كاذب أو مُدّعي ..
وده عكس الي بيعمله فرعون .. رغم إتهامه لسيدنا موسى بالكفر والكذب والإدعاء إلا إننا بنلاقيه بيطارده هو والي معاه كأن تصرفه إعلان صريح لـ خوفه من موسى وإثبات إنه بيشكّل خطر فعلي عليه!
إستمر سيدنا موسى والي معاه في المشي لحد ماوصلوا عند البحر ووقفوا .. إبتدا جيش فرعون يقرّب .. ظهرت أعلام الجيش .. سكن الخوف قلوب بني إسرائيل الموقف كان صعب مُرعب وخطير .. البحر قدامهم ومش معاهم سفن أو أي أدوات للعبور .. والعدو وراهم ومش معاهم سلاح أو أي مُقومات للقتال ..
فيهم نساء كتير واطفال .. بينما العدو مُسلّح وكله رجال
إبتدا الخوف يتعدّى القلوب ويظهر على الألسنة .. قالوا فرعون هيوصل لنا ويقتلنا من أولنا لـ آخرنا ..( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ( .. [آية 61 : سورة الشعراء]
سيدنا موسى بمنتهى اليقين طمّن نفسه وطمّنهم (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ( .. [آية 62 : سورة الشعراء] ماكنش عارف إيه الحل ومعندوش أي فكرة للنجاة .. معندوش غير قلبه اللي مليان إيمان وثقة في الله إنه هيوجهه ويرعاه
في اللحظة دي ربنا أكدّله ثقته وأثبتله صحة يقينه .. نزل عليه الوحي بأمر ربّاني إنه يضرب بعصاه البحر .. [ البحر دا في الغالب هو خليج السويس الي في منطقة البحيرات] .. سيدنا موسى أطاع الأمر على الفور .. ضرب البحر بالعصا الي في إيده فـ إنفلق نصين وظهر القاع طريق للنجاة .. (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) .. [آية 63 : سورة الشعراء]
نزل سيدنا موسى واللي معاه .. مشيوا على اليابس الي كان من ثواني قاع للبحر .. كانت مياه البحر محاوطاهم من الإتجاهين زي ماتكون جبال عظيـــمة .. ومش أي جبال .. لا هي من الصخر ولا هي من الرمال .. إنما جبال مياه منظرها رهيب يخطف الأنفاس
وصل فرعون وجنوده فـ شافوا المعجزة .. من كتر العناد ما تفكّرش في تفاصيل المعجزة والرسالة منها .. ماقالش ده دليل على وجود رب موسى .. ماراجعش نفسه ولو ثواني عشان يعرف فين الحق
بالعكس .. تخطى كل ده وأمر الجنود فوراً بالنزول وراهم ..
أول ما سيدنا موسى والي معاه وصلوا البر التاني ربنا أوحى ليه إنه يسيب البحر زي ماهو .. وعلل الأمر بـ إن فرعون وجنوده حُكم عليهم بالموت غرقاً (وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ) .. [آية 24 : سورة الدخان]

فعلاً لما بقى فرعون وجنوده في منتصف الطريق بحيث إنهم لا يقدروا يهربوا رجوعاً ولا يقدروا يسرعوا عبوراً .. أمر الله البحر فـ أنطبق عليهم ..( وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ﴿65﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) .. [سورة الشعراء]
في عز ما الموج بيعلى والموت بيقرّب .. فرعون تأكد من الهلاك وشاف الحق فـ أسلم .. قال آمنت إن مفيش إله غير إله موسى .. آمنت وانا من المسلمين .. مش بس تراجع وإنكسر عناده وكبرياءه فـ أعلن إيمانه , لا ده كمان أعلن إستسلامه .. أسلم واستسلم
حاول يخبّط على الباب الصح لكن في الوقت الغلط .. كان الباب خلاص إتقفل .. كان الموت مُتحقق وهو قادر يشوفه ويلمس وجوده .. فمكنش في سبيل للرجوع
[سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" .. والغرغرة هي مرحلة طلوع الروح وبلوغها الحلقوم ]
عاش فرعون كل السنين دي في عز الدنيا .. في منتهى العظمة والنعيم .. ومافكرش في لحظة إنه يسعى لـ عز الآخرة ونعيم الجنة .. فـ كان جزاء كل الي عمله إنه بقى آية .. ربنا نجّى جسده وماجعلوش غذاء للأسماك .. مش تكريماً ليه إنما تخليداً لذكرى الطاغية الي تجبّر فـ كان مصيره عبرة لكل جبّار يجي بعده ويفتكر نفسه ملك الدنيا فيسنى بيها الآخرة , جسد فرعون وقصته حجة على كل حاكم ظالم نسي إن مالك يوم الدين موجود وشاهد وبـ يُمهل لكن إستحالة يُهمل
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿90﴾ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿91﴾ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) .. [سورة يونس]
_
• يُقال إن بني إسرائيل رغم الي شافوه بعيونهم إلا إنهم ماصدقوش غرق فرعون .. واضح إن كلماته لما قال "انا ربكم الأعلى" كانت لسه بتتردد في أذهانهم وبتأكدلهم قدرته وبتشككهم في موته بالبساطة دي .. فـ ربنا أخرجلهم جسمه ورماه على صخرة مرتفعة عشان يشوفوه كلهم ويتأكدوا من موته وهلاكه ..
• فرعون موسى هو رمسيس الثاني بإتفاق الآراء العلمية والإسلامية .. المميز والغريب والي بنعتبره من ضمن الآيات في جثة رمسيس الثاني هو إن الوضعية اللي إيده ثابتة عليها منذ آلاف السنين هي إرتفاع يده اليُسرى بحيث بتتشاف عالية وبعيدة وغير مُرتخية .. عكس جميع المومياوات الي بتبقى وضعية إيدهم الطبيعية هي تقاطع اليد اليُمنى على اليد اليُسرى وإرتخاءها على الصدر ..
جُثة رمسيس الثاني وجدت بالشكل ده من ساعة غرقه .. والتيبس الي حاصل في إيده ده اسمه التيّبس الرمي .. وده ممكن يحصل في حالات الموت الي بيبقى الإنسان متوتر فيها جداً لدرجة تيّبس الأعضاء .. زي حالات الإنتحار مثلا أو القتل الي بيبقى قبله خوف وتوتر كبير .. لكن بترتخي العضلات بعدها بـ12 أو 20 ساعة على أقصى تقدير وتدخل الجثة في مرحلة الإرتخاء الثانوي وتكمّل مراحلها الطبيعية بعد الوفاة ..
بينما جثة فرعون ماحصلش فيها الارتخاء ده .. مع الأخذ في الإعتبار الوقت الي المصريين إحتاجوه عشان يكتشفوا جثة فرعون وياخدوها ويرّجعوها لمصر ويحنطوها فمن المؤكد إن الـ12 أو 20 ساعة كانوا خلصوا فعلاً بعد وفاته وقبل تحنيطه .. لكن رغم مرور الوقت الطبيعي إلا إن مرحلة الإرتخاء ماجتش أبداً .. أغلب الظن إن الكهنة حاولوا يليّنوا العضلات عن طريق الأعشاب والدهانات الي بيستعملوها عشان يقدروا يبتدوا مرحلة التنحنيط .. لكن مفيش فايدة .. فإضطروا يحنطّوها على وضعها كده .. ولجأوا لإنهم يربطوها بأربطة شديدة فيشدوا إيديه الإتنين نحو صدره باللفائف الي بتتلف بيها الجثة ..
ومرت قرون كتير .. بعدها بأكثر من 3 آلاف سنة لما عثروا على الجثة في الدير البحري ونقلوها لمتحف بولاق سنة 1902 فإبتدا خبير الآثار يفك الأربطة فوجئ بإن اليد اليُسرى رجعت فوراً لوضعيتها وإرتفعت تاني زي ماكانت رغم كل السنين دي.. محدش من علماء الآثار أو الطب الشرعي قدروا يفسروا ليه الإرتخاء الثانوي ماحصلش من ساعتها .. طب إزاي إحتفظت العضلات بخاصية الإنقباض .. طب منين إكتسبت الخاصية المطاطية فبقت كل ماحد ينزّلها ترجع تاني لوضعها وترتفع .. طب بعد ما إكتسبت الخاصية دي إزاي قدرت تحتفظ بيها رغم كل السنين دي.. ده المطاط نفسه لو فضل مشدود 100 سنة أو أقل هيفقد خاصيته ويحصله إرتخاء إجباري .. فـ سبحان الله وكفى ..
فرعون وأعوانه دلوقتي في حياة البرزخ .. الحياة بين الدنيا والآخرة .. لكن عذابهم مانتهاش لحد هنا .. فـ كان جزائهم في الدنيا عذاب الغرق بالفظاعة دي .. وفي الآخرة الخلود في النار .. وفي البرزخ تكرار للعذاب بالغداة والعشيّ .. أرواحهم دلوقتي لسه بتتعذب كل صبح وليل .. بتعيش نفس إختناق الغرق الي عاشوه من آلاف السنين .. وبيزيد عليه العرض على النار في كل يوم أكتر من مرة .. (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿45﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) .. [ سورة غافر]
• إتسجّل يوم النجاة ده في تاريخ اليهود والمسلمين كمان ..
إعتبره اليهود عيد بيحتفلوا بيه كل سنة .. وصامه سيدنا موسى شكراً لله على النجاة وحمداً له على معجزته الكبرى وإستجابة دعاؤه وإنجاؤه هو وقومه من فرعون وأتباعه

أما عندنا في الإسلام فـ بيُعتبر يوم عاشوراء من الأيام المميزة الي بنستناها من السنة للسنة عشان نصومها وننال المغفرة المُترتبة عليها
وأصل الصيام ده إن سيدنا النبي لما راح المدينة لاقى اليهود بيعظمّوا اليوم ده فسأل عن السبب .. قالوله إنه اليوم الي ربنا أنجى فيه سيدنا موسى وبني إسرائيل من فرعون .. فـ كان رده "نحن أحق بموسى منهم " ومن هنا صامه نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه ووصّانا إحنا كمان نصومه و وضّحلنا إن ربنا هيغفرلنا ذنوب سنة كاملة بصيام اليوم ده ..[لكنه وصّانا نصوم يوم قبليه أو يوم بعديه من باب مُخالفة اليهود ..]
• في اللحظة الي سيدنا موسى ضرب فيها البحر بـ عصاه عشان ينشق .. تصادف وجود سمكة – أو عدة أسماك- كان قدرها إنها تنشق مع البحر .. إنشقت السمكة وبقت نصفين فلما رجع البحر لطبيعته ربنا كمّل كل نصف بـ الأجزاء الي تسمح للسمكة بإنها تعيش وتتكاثر .. فـ إتوجد من يوميها صنف جديد من الأسماك هو في الحقيقة نصف سمكة .. إتسمى سمك موسى .. تكاثر وطلع من البحر الأحمر عن طريق باب المندب فـ إبتدا إنتشاره لجميع البحار والمحيطات وبقى موجود لحد يومنا ده ومعروف بإسمه ده لكن أغلب الناس ماتعرفش قصته وسبب تسميته
• في بداية الآيات الي بتحكي قصة سيدنا موسى في سورة القصص ربنا إبتدا القصة بذكر السبب في هلاك فرعون .. (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) .. [آية 4 : سورة القصص ]
الظلم سبب للهلاك .. الاستعلاء بغير حق سبب للهلاك .. الفساد في الأرض و إستضعاف الناس وتذبيحهم وإنتهاك حُرماتهم من اكبر أسباب الهلاك ..
المقصود بـ [ الأرض] في الآية هي أرض مصر والمناطق التابعة لها .. والمعنى إنه قسّم أهل مصر فرق وطوائف متعددة .. وبقى يستعمل كل فرقة منهم حسب هواه .. فمنهم الي بيكلّفهم بالسحر , ومنهم الي بيكلّفهم بالبناء , ومنهم الي بيختصّهم بـ معاونته ومناصرته ..
وفرقة منهم بيستضعفهم , وهما دول بني إسرائيل .. وبما إنه شايفهم ضعفاء فـ بقى يعتدي على حرماتهم فـ يذبح أطفالهم ويستحيي نسائهم [ يستحيي يعني يسيبهم أحياء لما يتولدوا ] .. وبكده يكون التكبّر الي ربنا وصفه بيه في بداية الآية , كان هو سبب كل الفساد الي حصل وإتصف بيه في نهاية الآية ..
ده كان تصرف فرعون ودي كانت إرادته .. إنه يهين بني إسرائيل ويذلهم ويستضعفهم .. لكن إرادة ربنا ببني إسرائيل كانت غير كده .. فنلاقيه سبحانه وتعالى بيكمل الفكرة في الآية الي بعدها عشان الصورة تبقى أوضح لينا
(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )
هو ده الملخص .. فرعون علا وأراد الذل للطائفة دي .. وربنا عدل وأراد النصرة ليهم ..
وزاد على النصرة التوريث فـ شملهم سبحانه وتعالى برحمته وقدّر لهم يكونوا أئمة فيتحرروا من ذل العبودية ويبقوا أمة حرة مستقلة بنفسها وليها الحق الكامل في القرار والإختيار .. يتحوّلوا لأصحاب حكم ويكون لهم الورث بعد هلاك فرعون وأتباعه
وهتكمل الصورة أكتر وأكتر لما نكمل قراية الآية الي بعدها .. (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)
مصير بني إسرائيل هو التمكين في الأرض .. قيل أرض الشام .. وقيل أرض مصر .. والمهم إن النتيجة واحدة وهي العزة من بعد الذل
اما مصير فرعون وهامان وأتباعهم هو تحقق التخوّف الي كانوا بيحذروا منه وبيهربوا من حصوله عن طريق قتل كل الاطفال دول ..
[ منهم ] في الآية عائدة على بني إسرائيل .. فـ برغم حذر فرعون الشديد من أطفال بني إسرائيل وحرصه على قتلهم إلا إن الحذر ما منعش القدر .. الطفل المقصود إتربى وسطهم .. حمايته كانت نابعة منهم وعزته كانت بسببهم ..
الحماية والعزة لسيدنا موسى كان مصدرها الوحيد ربنا .. لكن ربنا خلى السبب الدنيوي لحماية سيدنا موسى هو فرعون نفسه .. ربنا إختار إن سيدنا موسى يتولد في السنة الي بيتقتل فيها الذكور لحكمة عظيمة هو وحده الأعلم بها ولكن أبسطها وأوضحها بالنسبالنا هي تجلّي القدرة الربّانية وظهور التحدّي الإلاهي الي خلّى فرعون عاجز قدامه .. بيّن إنه جاهل بعلم الغيب بدليل إنه ربّى عدوه في بيته .. غير جدير بالإستعلاء أو التكبّر فمابالك بإدعاء الألوهية ..

رغم موت فرعون إلا إن آثـاره في نفوس بني إسرائيل لسه عايشة ما ماتتش
فرعون قسّى قلوبهم وعوّدهم على القهر والخضوع والذل لغير الله .. وده الي كان ظاهر جداً في موقفهم بعد مدة قليلة جداً من معجزة إنشقاق البحر وغرق الفرعون!
الحكاية إن سيناء -الي بني إسرائيل عبروا ليها- تُعتبر من أوفر مصادر الثروة لمصر .. فيها مناجم ذهب ونحاس وأحجار كريمة وغيرها.. وبالتالي كانت منطقة مليانة حياة لإن عُمال المناجم وأُسرهُم وبعض البدو كانوا كلهم عايشين ومُتعايشين فيها ..
في عهد الدولة الوسطى كانت الآلهة حسب إدّعاءهم هي "حاتحور" .. عبارة عن صنم على شكل بقرة , الفراعنة شيّدوا ليها المعابد واختلقوا التماثيل وإبتكروا طقوس عبادة بيقوموا بيها .. أغلب الظن إن هو ده الي بني إسرائيل شافوه بعد ما مشيوا شوية في سيناء ..
مرّوا على معبد من المعابد دي وشافوا أهل المكان بيعبدوا آلهتهم المزعومة و بيعظّموها .. فـ كان رد فعلهم إنهم طلبوا من سيدنا موسى إنه يجعل ليهم إله يعبدوه زي ما الناس دول ليهم أصنام بيعبدوها!
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) .. [آية 138 : سورة الأعراف]
التعبير القرآني كان بـ[ أصنامٍ لهم] .. ما إكتفاش بـ كلمة [أصنام ] .. إنما أضافها ليهم تأكيداً على جهلهم .. بمعنى إنهم هما أصحاب الأصنام دي , هما أصحاب السلطة عليها , هما الي بيملكوها .. فـ حوّلوا نفسهم لـ مملكوين ليها , إتحوّلوا بـ إرادتهم لـ عبدة الشيء الي بيملكوه فـ بقى هو مالكهم بمحض إرادتهم!
والعجيب إن بني إسرائيل حسدوهم وحبوا يقلدوهم! .. بدل مايكرهوا الذل الغريب ده لشوية حجارة .. بدل ما يرفضوا ظلم عقولهم والاستخفاف بيها بالشكل ده .. رغم إنهم لسه مانسيوش الموقف العظيم الي مروا بيه , لسه المعجزة حاضرة في ذهنهم ومنظر غرق فرعون وجنوده لسه ماغابش عن عقلهم
تجاهلوا ده كله وتحكمّت فيهم الغيرة لما شافوا ناس بيعبدوا أصنام فـ بقوا عايزين إله "ملموس ومرئي" زيها
سيدنا موسى فهمّهم إن عبادة الناس دي باطلة وأعمالهم غير مقبولة ومصيرهم معروف .. نصحهم ولفت نظرهم إن كلامهم ده نابع من جهل فـ لازم يبطلّوه ويقدّروا قيمة إن ربنا فضّلهم على العالمين في زمنهم وبعث فيهم رسوله الكليم ..
فكّرهم بـ فرعون وتعذيبه ليهم والي كان بيعمله فيهم وإن ربنا نجّاهم وأنقذهم منه ومن عبوديته وجبروته .. فبأي عقل يجحدوا كل النِعم دي و يسيبوا رب العالمين ويعبدوا صنم مابينفعش ولا بيضر!
(قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿138﴾ إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿139﴾ قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿140﴾ وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) ..[سورة الأعراف]
تراجع بني إسرائيل عن طلبهم ده بعد كلام سيدنا موسى وتذّكِرته ليهم ونهيه الصريح الي في محله ..
_
مهمة سيدنا موسى الأولى إنتهت بتحرير بني إسرائيل من الذل والتعذيب .. لكن المرحلة الجاية محتاجة إنهم يجاهدوا في سبيل الله .. وواضح انهم لسه مش مستعدين لمهمة كبيرة زي دي بدليل إن مع أول إختبار بسيط إتهزّت عقيدتهم وطلبوا من رسولهم إن يجعل لهم صنم يعبدوه
وبالتالي كان لازم يبقى في رسالة ربّانية مُفصلّة تنزل على سيدنا موسى تعرّفه مفاتيح تربية قلوب بني إسرائيل وإعدادهم لـ مهمتهم الكبرى .. عشان كدا ربنا أوحى لسيدنا موسى بـ موعد جديد للقاء
فـ ساب أخوه هارون خليفة على بني إسرائيل لحد مايرجع .. وراح يقابل ربه ويناجيه ويتلقّى منه أصول التشريع
(وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) .. [آية 142 : سورة الأعراف]
_
قبل لقاء ربنا كان مطلوب من سيدنا موسى إنه ينعزل فترة عن أي مشاغل دنيوية .. يتفرّغ للعبادة ليل نهار فـ يصّفي روحه ويقوّي عزيمته ويرتقي بـ نفسه تدريجياً لحد ما يبقى قادر وجاهز يقابل ربه ويكلمه ويسمعه
الفترة دي كانت 30 ليلة بأمر من ربنا .. صامهم كلهم سيدنا موسى وكان خلال الصيام بيحس إنه بيقرّب أكتر من ربنا . بيحبه أكتر , بيتواصل معاه أكتر وبيرتقي بمنزلته أكتر . داق حلاوة المُناجاة وعاش شهر في رحاب الله . تعلّقت روحه بـ لذة الطاعة و اشتدت رغبته في الإستزادة من العبادة ..
فلما خلصوا الـ 30 ليلة .. ربنا أضاف على المدة 10 ليالي , قيل كانت الزيادة من فضل الله عليه لشدة تعلّقه بالمُناجاة فـ زاده إكراماً ليه عشان يقرّب أكتر وتطول مدة بقائه مع ربه بدون أي مشاغل دنيوية ..
وقد تكون الزيادة لحكمة تانية ربنا وحده الأعلم بيها
تم سيدنا موسى الـ 40 ليلة ومازادش عليهم .. قيل إن سبب عدم الزيادة هو رأفة بـ روح سيدنا موسى لإن طاقته البشرية ماكنتش تستحمل روحانيات ونور ربّاني أكتر من كده
وقيل : لإن إستمرار غيابه عن بني إسرائيل أكتر هيكون سبب في ضرر كبير وفتنة أكبر ليهم .. [حتى إنه يُقال إن بني إسرائيل وقعوا في "عبادة العجل " في الـ10 أيام الزيادة الي سيدنا موسى تمّ بيهم الـ40]
(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) .. [آية 142 : سورة الأعراف ]
في الآية ربنا إستخدم لفظ ("تمّ " ميقات ربه) دلالة على إن مشيئة الله من البداية كانت 40 ليلة لكن الأمر نزل على سيدنا موسى متفرّق على مرحلتين : 30 ليلة ثم 10 ليالي .. والحكمة من تجزيئ الأمر إما إن تكون الـ10 الزيادة بمثابة عبادة جديدة وأمر مُنفصل فـ يتكرر الأجر ويتضاعف الثواب لسيدنا موسى عند تنفيذه وإستجابته
وإما تيسيراً لنبي الله موسى وتسهيلاً عليه عشان لما يوصل للثلاثين يكون متشوّق لإتمام الأربعين
_
لما آن الأوان وحان المعاد سيدنا موسى من فرط الحب الي في قلبه لـ ربه ما إكتفاش بـ الوحي والتكليم , لكن طلب الأعلى والأشبه بالمستحيل .. قال يارب اسمحلي أشوفك ..
طلبه كان نابع من حب عظيم وإحساس عميق فـ ربنا حس بيه وكان عالم بحقيقة مشاعره الصادقة دي
ربنا كان قادر يقوله لأ وخلاص .. وساعتها هيكون رد نافذ وعادل محدش يقدر يراجعه فيه أو يعارضه عليه.. لكن لإن الموقف كان موقف حب صادق , ربنا رد بمنتهى الرحمة .. عرض عليه السبب عشان يفهم ويقتنع .. عرّفه إن العلة هي إن محدش من الخلق يقدر يستحمل نور ربنا وعظمته..
مش بس وضحله السبب , ده كمان إداله مثال فوري .. قاله وجّه بصرك على الجبل العظيم الي قدامك ده .. هتجلّى للجبل وهيشوفني .. وانت يكفيك رد فعل الجبل كـ برهان .. لو الجبل صمد واستحمل نور الله يبقى إنت كمان هيتحقق طلبك وتشوف ربك
لكن الي حصل إن الجبل في ثواني بقى فتات .. إتهدّ من خشية الله .. من نوره وضياءه سبحانه وتعالى .. رغم إنه جماد أصمّ عظيم في الحجم والمكونات .. مابالك الإنسان الضعيف المُجوّف الي ما إستحملش حتى رؤية جبل زي ده بيتهد قدامه بالمنظر ده
وده فعلاً الي حصل لسيدنا موسى لما شاف المشهد ده .. فقد وعيه وأغمى عليه من هول الموقف , لما فاق أدرك وتأكد إن محدش يقدر يستحمل نور الذات الإلاهية .. قال يارب سبحانك تنزّهت وتعاليت عن أن تُرى بالأبصار , تُبت إليك يارب سامحني على تجاوزي في طلبي وأنا أول المؤمنين بك وبعظمتك .. (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) .. [آية 143 : سورة الأعراف]
ربنا واساه عشان يبعد عنه الحزن بعدم الرؤية فـ فكّره بـ النِعمة العظيمة الي هو متفرّد بيها , قاله يا موسى انا اخترتك واصطفيتك وفضّلتك على كل الناس في زمانك فـ جعلتك صاحب رسالة وخصصتك بالكلام المباشر مع رب العالمين
فـ خذ التوراة وبلّغ بيها وخليك فاكر وشاكر على النعمة دي دايماً .. (قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) .. [آية 144 : سورة الأعراف]
استكمل ربنا كلامه بالإشارة للألواح .. اللوح المُتعارف عليه هو قطعة مربعة من الخشب , بينما ألواح سيدنا موسى هم في واقع الأمر من الحجارة مش من الخشب لكن تم تسميتهم بالألواح مجازاً لإنهم على شكل لوح .. [وقيل كانت من الجوهر / وقيل من الزمرد / وقيل من الياقوت .. فـ الله أعلى وأعلم بالأصح]
أما عددهم فـ أُختلف فيه لـ عدم وجود نص صريح , فـ قيل 10 ألواح , وقيل 7 ألواح , و قيل لوحين فقط لاغير وده الي مذكور في التوراة [ وبفرض إنهم لوحين بس فهيكون السبب في ذكرهم بالجمع بـ لفظ " ألواح " بدل لوحين , هو أحد سببين .. يا إما يكون السبب إن كل لوح فيهم مكتوب على الوجهين .. بمعنى إنه تم إعتبارهم 4 ألواح ؛ كل وجه لوح مُنفصل .. / أو تكون جُمعت لإن الإثنين هو أدنى رقم في الجمع]

كان مكتوب على كل لوح فيهم التعاليم الإلاهية.. قيل كان مكتوب فيها التوراة , وقيل إنها كانت قبل التوراة .. والراجح إنها أول وحي تشريعي نزل على سيدنا موسى .. بمعنى إنها كانت الأصل الإجمالي للتوراة ..
الكتابة على الألواح كانت عبارة عن نقش على الحجر .. نقش عن طريق القدرة الإلاهية بدون أي تدخل بشري
ربنا أمر سيدنا موسى بأخذ الألواح بشدة وقوة وعزم على تنفيذ ما فيها .. وتبليغ قومه بيها وتنبيههم وتهديدهم بـ مصير المُخالف لما فيها ..
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) .. [آية 145 : سورة الأعراف]

قبل إنتهاء ميقات سيدنا موسى مع ربه ومجيئ معاد الرجوع لـ قومه .. ربنا بلّغه إن قومه ضلوا من بعده وعبدوا "العجل" .. وضّح سبحانه إن تسرّع سيدنا موسى في السعي للخير كان من أسباب فتنة قومه وعبادتهم العجل..
(وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ) .. [آية 83 : سورة طـه]
من الآية بيبيان إن سيدنا موسى إستعجل في الذهاب للقاء ربه و ساب قومه [ يا إما يكون سابهم قبل المعاد المُحدد / أو قبل مايستقروا في المكان المحدد , يا إما يكون سابهم قبل ما يحذّرهم من العصيان والوقوع في الفتنة , يا إما يكون المعنى إنه لما جيه يخرج للقاء ربه إختار 70 رجل من أفضل القوم وأحسنهم .. كان المفترض إنهم يروحوا معاه .. لكنه استعجل وسبقهم شوقاً للقاء الله ..]
سيدنا موسى رد و برر إستعجاله بـ تقديم العذر وبعدها توضيح العلة والسبب
فـ قاله يارب دول ورايا ,, على إثري ,, قريبين مني .. بُعدي عنهم ماكنش كبير .. ولحاقهم بيا أمر سهل وسريع لدرجة إنهم هيتتبعوا أثر أقدامي قبل ماتختفي أو تتبدل بأثار تانية..
وسبب إستعجالي هو شوقي ليك .. أول ماجاني الأمر بادرت فوراً للمجيئ عشان أوصل لك أسرع وأكسب رضاك أكتر وما اتأخرش في التنفيذ أبداً
(قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ) .. [آية 84 : سورة طــه]
ربنا عارف الإجابة من غير سؤال , لكن عرض السؤال من البداية كان من باب الملامة .. عتاب راقي عشان يوضّحله إن إستعجاله عن الوقت المُحدد ليه كان من أسباب فتنة قومه من بعده (فَإنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ) .. [آية 85 : سورة طـه]
لكن تكملة الآية كانت بتوضيح السبب الرئيسي والمباشر في الفتنة وهو الشخص الي دعاهم للضلالة .. (وأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)
_
الي حصل إن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر كان النساء لابسين ذهب كتير وحُليّ من أملاك المصريين .. كانوا واخدينهم سلف للإحتفال بـ أحد أعيادهم .. فلما جالهم الأمر بالخروج ماجتش فرصة إنهم يرجعوهم فخرجوا بيهم ..
لكن بعد ما كل حاجة خلصت والأجواء هديت , رموا كل الذهب ده لإنه مش من حقهم ويُعتبر حرام ..
السامري ده بقى جمّع الذهب ده كله وعمل منه تمثال شبه العجل .. [ يُقال إن السامري هو الي قالهم يرموه لإنه مش من حقهم .. عشان بعد مايقتنعوا ويتخلصوا منه يجمعه هو وينفذ فكرته ..]
واضح إنه كان نحّات مُحترف أو صايغ ذهب , عشان كدا لما صنع العجل صنعه بمهارة وحرفيّة .. قدر يصنعه بشكل مُبهر وعمله مُجوّف من جوا وحطه في إتجاه الرياح
تصميمه كان مقصود لغرض واضح .. ضيق الفتحات كان مُقدّر بشكل يسمح بدخول الهوا من فتحته الخلفية وخروجه من أنفه فيعمل صوت شبه صوت العجول الحقيقية [ خوار العجول] .. وقيل إن السامري إستعان بـ آلة نفخ خفيّة حطها في مجرى مرور الهوا عشان تساعد على خروج الصوت بنفس فكرة المزمار أو الصفارة ..
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ) .. [ آية 148 : سورة الأعراف]
بعد ما خلّص صناعة العجل خرج على بني إسرائيل بيه .. سألوه إيه ده ؟ قالهم ده إلهكم وإله موسى!
قالوله إزاي ده موسى راح لميقات ربه .. قالهم موسى نسي , راح للقاء ربه هناك ونسي إن ربه هنا! ..
جت نسمة هوا شديدة فـ دخلت في العجل وخرجت منه فـ طلع صوت خوار .. هنا صدّق بنو إسرائيل الكلام و قالوا ده فعلا إله موسى فعبدوا العجل بكل سذاجة .. (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ) .. [آية 88 : سورة طـه]

الفكرة إنهم ناس ضعاف النفوس نشأوا على عبادة الاصنام والإستعباد من الإنسان .. فـ نفوسهم إتعودت على الذل من البشر ومن الجماد كمان .. والعجل كان شبيه بـ تمثال البقرة "حاتحور" الي شافوه بعد عبورهم البحر وطلبوا من سيدنا موسى إله زيه ..
جايز يكون هو ده السبب الي خلّى السامري من البداية يصنعه على شكل عجل [العجل هو طفل البقرة قبل مايكبر ويبقى ثور ]
عشان يبقى شبيه بـ الآلهة المصرية المزعومة الي فتنت قومه وعجبتهم .. وإحتمال كبير يكون ده فعلاً هو الي أثر في نفوسهم بشكل أكبر فساعد على سهولة خداعهم وإفتتانهم
لما سيدنا هارون عرف الي حصل .. حاول يفوّقهم على حقيقة الفتنة الي هما فيها .. قالهم ده اختبار من ربنا عشان يعرف مدى محافظتكم على دينكم وتمسككم بعبادته وتوحيده .. اسمعوا مني واتبعوا أمري وتوبوا لله الرحمن هيرحمكم ويغفرلكم ويبعد عنكم الفتنة .. (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) .. [آية 90 : سورة طـه]
هنا إنقسم بني إسرائيل قسمين .. أقلية مؤمنة تمسّكوا بدينهم ويقينهم وكانوا مستوعبين وفاهمين إن ده كله كلام فارغ ومش معقول .. وأغلبية كافرة قادها حنينها لعبادة الأصنام إنهم يصدقوا الي إتقال
عبيد العجل رفضوا النصح والموعظة الي كان سيدنا هارون بيقدّمهالهم .. لكن هو كرر النصيحة وواظب على الوعظ من غير ملل أو يأس .. فكّرهم بـ المعجزات والنِعم الي ربنا منّ عليهم بيها .. بس كلامه كله مالاقاش صدى في قلوبهم ..إستضعفوه وأجّلوا الكلام في الموضوع لحد ما سيدنا موسى يرجع .. ( لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) .. [آية 91 : سورة طـه]
جهلهم وسوء أدبهم خلاّهم يعتبروا سيدنا هارون مش أهل للنصيحة والطاعة رغم إنه خاطبهم و وعظهم بألطف أسلوب وأبلغ منطق ..
[ قال الرازي إن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه:
زجرهم عن الباطل- أولا- بقوله: (يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ)
ثم دعاهم إلى معرفة الله- ثانياً- بقوله: (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ)
ثم دعاهم- ثالثا- إلى معرفة النبوة بقوله: (فَاتَّبِعُونِي )
ثم دعاهم- رابعاً- إلى الشرائع بقوله: (وَأَطِيعُوا أَمْرِي).. ]
.. هو ماحبش يلجأ للقوة بتحطيم العجل لإنه خاف تحصل فتنة أكبر وتبتدي حرب أهلية
فـ فضّل الانتظار لحد ما أخوه يرجع .. كان عارف إن سيدنا موسى بشخصيته القوية هيقدر يحط حد للفتنة دي بأقل خسائر ممكنة ..
في الوقت الي سيدنا موسى كان قرّب من المكان الي ساب قومه فيه , كانوا هما بيرقصوا حوالين العجل وبيأدوا طقوس عبادة غريبة .. سمعهم سيدنا موسى وزاد إقترابه منهم لحد ما ظهر عليهم .. سكت الجميع وساد الصمت ..
استمر الصمت دقايق لحد ما كسره صوت سيدنا موسى وهو بيوّبخهم ويسألهم عن سبب الي عملوه .. ذم تصرّفهم واستنكره .. معقول يكون هو ده شكل الخلافة الي يعيشوا بيها بعد الي شافوه منه من التوحيد والحث على عبادة الله وإرضائه , والتحذير الي حذّرهم بيه لما طلبوا منه صناعة صنم الإله زي ما غيرهم عندهم آلهة .. (قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ) .. [آية 150 : سورة الأعراف]
كل ده ليه ؟ .. ليه اتصرفوا وكأن ربنا ماوعدهمش بـ خير الدنيا والآخرة وحُسن العاقبة ؟! .. (أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) .. [آية 86 : سورة طـه]
حسوا إن وعد ربنا اتأخر ؟ .. (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) .. [آية 86 : سورة طه]
ولا حسوا إن رجوع سيدنا موسى اتأخر ؟ .. افتكروه مات ومش راجع ؟ .. افتكروه ضل أو تاه؟! .. استعجلوا أمر الله فـ عصوه ! (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) .. [ آية 150 : سورة الأعراف]
العَجَل هو عدم الإتمام , والأمر هنا قد يكون المُراد بيه هو التكليف .. فيكون المعنى إنهم لم يتمّوا ما كلّفهم الله به من الحفاظ على شريعته وإنتظار رجوع موسى .
وقد يكون المُراد بـ "الأمر" في الآية هو الوعيد والعقاب .. فيكون المعنى إن بعد ما سبق وجالهم التهديد بـ عاقبة عبادة غير الله , فكان من المتوقع منهم إن لو غلطوا و وقعوا في عبادة الأصنام يكون ده بعد مدة طويلة من الوعيد .. لكنهم في وقت قليل رجعوا للعصيان وعبدوا العِجل فـ وقعوا في الي تم نهيهم عنه وتحذيرهم منه و إستحقوا العقاب .. كأنهم إستعجلوا تحقيق الوعيد الي ربنا حذّرهم منه عن طريق مُبادرتهم لفعل سبب وقوعه ..
(أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي) .. [ آية 86 : سورة طـه]

سيدنا موسى سابهم واتجه لسيدنا هارون .. رمى الألواح على الأرض دلالة على شدة غضبه من فرط غيرته على دين الله , وابتدا في عتاب أخوه .. (وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) .. [آية 150 : سورة الأعراف]
ساله إزاي تسكت على الفتنة دي ؟!! إزاي تطاوعهم وتفضل قاعد معاهم ؟! .. إزاي ماخرجتش وجيتلي وبلّغتني بضلالهم .. ليه ماسبتهمش وتبرأت منهم .. الساكت عن الخطأ مُشارك فيه يبقى إزاي تشاركهم ؟ هل ده عصيان منك لأمري لما قولتلك لا تتبع سبيل المُفسدين ؟! .. (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿92﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) .. [ سورة طـه] زاد الصمت بعد كلام سيدنا موسى .. أما سيدنا هارون فـ كان بيحاول يفهّم أخوه بهدوء .. حاول يهدّيه وإستحلفه بـ أمهم وصلة الدم الي بينهم .. شرحله إن الموضوع مش عصيان منه لكن هو خاف يسيبهم ويمشي فـ يعاتبه موسى إنه مافضلش معاهم رغم إنه سابه مسؤول عنهم .. خاف لو حاول يرجّعهم عن فتنتهم بـ عنف إنه يكون سبب في فتنة أكبر تؤدي لقتال فـ يسأله موسى إزاي يفرّق بينهم كده ومايستناش رجوعه (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) .. [ آية 94 : سورة طـه]
حكاله إن القوم إستضعفوه وكانوا هيقتلوه لما قاومهم .. فهمّه إنه مش ظالم زيهم لما سكت عن ظلمهم .. (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .. [آية 150 : سورة الأعراف]
سيدنا موسى ساعتها أدرك إن هارون اتصرّف أحسن تصرف ممكن في الظروف دي فاستغفر الله لنفسه تأدباً مع الله وطلباً للعفو على غضبه , واستغفر لأخوه على أي تقصير قد يكون صدر منه في ردع القوم عن عبادة العجل .. (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) .. [آية 151 : سورة الأعراف]
وبعدين إلتفت للقوم وسألهم وانتظر منهم رد مناسب على خطأهم العظيم .. قالوله إنهم ماعملوش كده بإختيارهم وإرادتهم , إنما كانوا شايلين أحمال وأثقال من زينة الأقباط [قيل إنها الزينة الي إستعاروها قبل خروجهم من مصر زي ماقولنا قبل كده / وقيل إنها معدات جيش فرعون الي قدروا ياخدوها بعد غرقه فإعتبروها غنيمة مع إنهم ماحاربوش عشان يستحقوا الغنيمة] ..
فلما أدركوا إنها مش من حقهم ألقوها ورموها [يُقال في حُفرة / ويُقال في النار عشان يصهروها ] ..
وزي ما هما رموا زينتهم السامري كمان رمى الي كان معاه
فكان عذرهم أقبح من ذنبهم لإنهم تورّعوا عن الخطأ الحقير فـ فعلوا الكبير..
(قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) .. [آية 87 : سورة طـه]
قبل صدور الحُكم كان الدور على السامري عشان ياخد فرصته ويقول مُبرره..
إلتفت سيدنا موسى للسامري وحب يفهم منه إيه حكايته وإيه الدافع من ورا الي عمله .. فـ سأله عن "الخطب" بمعنى الأمر العظيم والسبب القوي الي ممكن يكون خلاه يعمل كده .. (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ) .. [آية 95 : سورة طـه]
كان رد السامري بـ إنه لما سيدنا جبريل نزل على الأرض في معجزة شق البحر كان راكب فرس الحياة .. والفرس ده أي حاجة بيمشي عليها بيدّب فيها الحياة بإذن الله .. السامري ساعتها أخد قبضة من التراب الي وقف عليه فرس سيدنا جبريل .. [ وقيل إن نزول سيدنا جبريل و رؤية السامري له كان عند ذهاب سيدنا موسى لـ مُناجاة ربه .. فـ الله أعلم بالأصح]
معنى كده إن السامري قدر يشوف الي محدش شافه وعرف مكان التراب الي سيدنا جبريل لمسه! .. (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) .. [آية 96 : سورة طـه]
ده لإنه -على حسب الرواية دي- شاف المكان الي سيدنا جبريل لمسه بيتحوّل لخضرة بعد ماكان صحراء جافة
فـ أخده وحطه مع الذهب وهو بيصنع العجل .. (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا) .. [آية 96 :سورة طـه] .. [ سُمي جبريل بالرسول لإنه رسول الله إلى أنبيائه وناقل الوحي لجميع الرُسل]
وبالتالي التراب الي فيه الحياة ده كان هو السبب في صوت الخوار! ..
أقرّ السامري بـ ذنبه واعترف قدام الجميع إن نفسه سمحتله بالخطأ الفادح ده في إضلال بني إسرائيل .. (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) .. [آية 96 : سورة طـه]
[في رأي تاني في تفسير الآية وهو إن السامري قال : عرفت الي قومي ماعرفهوش من إنك لست على حق يا موسى .. وكنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول بمعنى إني كنت على دينك "كان يتظاهر بالإيمان " , وبعدها نبذ الدين وترك التظاهر و أظهر حقيقة كفره , فـ سوّلت له نفسه إضلال بني إسرائيل فـ خدعهم و أغواهم عن طريق تنفيذ طلبهم الي كانوا طلبوه من سيدنا موسى لما قالوله اجعل لنا إله ]
سيدنا موسى مافتحش باب المناقشة في إدّعاء السامري .. أنهى الموضوع وأصدر الحكم
مش مهم الخوار ده كان سببه إيه .. مش مهم الطريقة الي إتعمل بيها سواء كانت من أثر جبريل أو من فتحات عملها السامري في جسد العجل .. المهم الجريمة الي السامري ده إرتكبها .. المهم إنه فتن القوم وإستغل إعجابهم الدفين بـ سادتهم المصريين وإنهم بيحاولوا يقلدوهم ويتشبّهوا بيهم في أي حاجة حتى في عبادة الأصنام
هي دي الجريمة الي يستحق فيها العقاب ..هو ده سبب الحكم الصارم الي سيدنا موسى بلّغه بيه .. الحكم كان إن السامري هييبعد عن كل الناس .. هيتطرّد من الأُمة .. هيفضل وحيد في الدنيا لا بيقرب من حد ولا حد بيقرّب منه [ يُقال إن سيدنا موسى دعا عليه إنه ما يمسش حد عقاب ليه على إنه سبق و مسّ حاجات المفروض ما يلمسهاش .. والمسّ كـ عقوبة هنا معناه عدم الاستئناس بالناس .. فـ كان جزاؤه هو هجر الناس وتَرك مُخالطتهم ]
( قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ) .. [آية 97 : سورة طــه]
بعد عقوبة السامري راح سيدنا موسى للعجل ورماه في النار .. صهره قدام عيون الي عبدوه لحد ما ذاب وتغيّر شكله .. وبعدها رمى بقاياه في البحر عشان يثبتلهم ضعفه وهوانه وإنه مايقدرش يحمي نفسه ..
أدرك القوم ساعتها حجم الضلال الي كانوا فيه .. ندموا ندم كبير وتحسّروا على حالهم وتمنّوا إم ربنا يغفرلهم خطأهم .. (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .. [آية 149 : سورة الأعراف]
ربنا عبّر عن شدة ندمهم بـ( لما سُقط في أيديهم) .. كأن فمهم سقط في أيديهم بمعنى عضّوا أيديهم من شدة الندم والحسرة ..
وتم ذِكر اليد لإن الندم بيحصل في القلب وبيظهر في اليد .. كقوله تعالى (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها)
ولإن اليد هي أعظم الجوارح فـ قد يُنسب إليها ما لم تفعله مباشرةً .. كقوله تعالى (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ)
_
إنهاءاً للموضوع وإغلاقاً لباب العقوبات .. وضّح سيدنا موسى عقوبة عبدة العجل .. قالهم توبوا لـ خالقكم وعاقبوا أنفسكم في الدنيا إتقاءاً لـ عقاب الآخرة .. سألوه عن طريق التوبة فـ كان رده إن مفيش غير طريقة واحدة تتوبوا بيها هي إن المُطيع منكم يقتل الي عصى وكفر

العقاب دايماً من جنس العمل , ولإن العمل في الموقف ده كان إهدار لحياة العقول وقتل لصحوة التفكير الي بتميّز بني آدم عن غيره من المخلوقات , بالتالي كان الجزاء هو إزهاق حياة الجسد نفسه بعد ما تم إزهاق العقل فـ مابقاش الإنسان يفرق عن الجمادات والحيوانات بـ أي شيء

وقد كان .. إستجابوا للأمر الصعب والي بيبيّن ندمهم الحقيقي .. بدأت الفئة الي ماعبدتش العجل تمسك الخناجر وتقتل عبَدة العجل
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .. [آية 54 : سورة البقرة ]
الإختبار كان صعب على الي قتل وعلى اللي إتقتل .. ولذلك التوبة كانت مقبولة فـ غفر الله للقاتل والمقتول .. وقيل كُتب للقاتل عفو وكُتب للمقتول شهادة ..
ربنا إختبر صبرهم وطاعتهم ورغبتهم في التوبة .. وبعدها رحمهم وعفا عن البقية فـ أصدر الأمر الإلاهي بالتوّقف عن القتال

لما هدأ سيدنا موسى و ذهب عنه الغضب أخذ الألواح الي ربنا كتبلهم فيها هُداهم و دلّهم فيها على الطريق الي كله خير و رحمة للمؤمنين الي بيخافوا ربهم ويوقّروه ويرهبوه ..(وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) .. [آية 154 : سورة الأعراف]

إبتدا سيدنا موسى في نشر الشريعة .. وابتدا بني إسرائيل في المساومة
قالوله إقرأ لنا الألواح لو لاقينا الاحكام فيها سهلة ونقدر نطبّقها هنتقبّلها وناخدها ونعمل بيها
سيدنا موسى فهمّهم إن دي شريعة الله فـ إقبلوها بما فيها أياً كان
هما ماوافقوش وماسكتوش .. استمروا في النقاش و زادوا في المجادلة .. قالوله إشمعنى ربنا كلّمك إنت ؟ ونضمن منين إن الألواح دي مُرسلة من عند الله فعلاً .. شككوا وتمادوا لدرجة إنه يُقال إنهم طلبوا ربنا يكلمهم ويقولهم إن ده رسوله وإن دي شريعته عشان يؤمنوا بيها ويطبّقوا ما فيها ..
فـ كان جزاء الاستهتار بـ أحكام الدين والمساومة الي كانوا بيعملوها رغم كل المعجزات دي , إن ربنا بعتلهم ملائكة رفعت الجبل فوقهم ! فـ بقوا قدام الأمر الواقع , يا إما تقبلوها زي ما هيّ يا إما الجبل هيقع فوق راسكم!!
المنظر كان مُرعب .. جبل بحاله فوق راسك حاسس بـ ظله زي الغيوم .. جبل عظيم ممكن يقع عليك في ثانية بـ كن فيكون .. الخوف والرعب الي لمس قلوبهم من المنظر كان كبير ومايتوصفش , لكن الأكبر من كدا هو حجم المعجزة الي حرّكت الجبل بالشكل ده .. إثبات لقوة وقدرة الله بشكل ملموس وفوري ..
كان الأمر واضح .. آمنوا بما أُرسل إليكم من ربكم إيمان العمل به ومُراعاة أحكامه وإلا سقط الجبل عليكم .. (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .. [ آية 171 : سورة الأعراف]
أطاعوا الأمر وتقبّلوا التوراة وأمروا بالسجود فـ سجدوا بدون نقاش.. أخذ الله عليهم الميثاق إيذاناً بإنتهاء الموقف [ الميثاق يعني الوعد بإنهم هيعبدوا الله وحده ويؤمنوا بـ رسوله ويتبّعوا ما جاءهم به من الشرع ويطبقّوا ما فيه وينتهوا عما نُهوا عنه] .. قال ابن جرير " ولو كانوا أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق"
( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .. [آية 63 : سورة البقرة]
_
سيدنا موسى إختار 70 راجل منهم [ أفضلهم وأحسنهم ] .. قالهم توبوا لـ ربنا عن الي عملتوه لعله يسامحكم ويقبل توبتكم .. صوموا وإتطّهروا واستغفروا واسألوا الله التوبة لكم ولـ باقي قومكم
خرج بـ السبعين رجل وراح لـ ميقات حدده الله لهم ..قرّب من الجبل وإبتدا يكلّم ربنا .. هو يكلمه وهما يسمعوا لعلها تكون المعجزة الأخيرة الكبيرة الي تأكد في قلوبهم الإيمان وتنسيّهم معتقداتهم الدفينة الي لحد دلوقتي بتمشيّهم
لكنهم ما إكتفوش بـ المعجزة السمعية .. تجرأوا وطلبوا الأكتر وقالوله مش هيستقر الإيمان في قلوبنا غير لو رأينا الله !! (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) .. [ آية 55 : سورة البقرة]
إبتدوا كلامهم بـ مُناداة نبي الله موسى بـ اسمه بدون أي تكليف .. وده يوضّح سوء أدبهم مع نبيهم ويلّمح لشكوكهم في نبوّته ..[حتى في زمن رسولنا الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه ربنا وصّى الصحابة وأمر الي حواليه مايكونش ندائهم ليه بإسمه زي ما بينادوا بعض ..( لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)
وعشان كده نلاقيهم دايماً في الأحاديث بيقولوله "يارسول الله" .. بينما الكفار فقط هما الي كانوا بيقولوله يامحمد .. لإنهم مش مُعترفين بـ رسالته أصلاً .. فـ كان تصرّف بني إسرائيل مع سيدنا موسى كـ تصرف الكفار بـ الرسالة]
التعبير القرآني كان بـ لفظ "جهرة" لإزالة إحتمال إنهم ممكن يكتفوا بالرؤية في المنام .. أو العلم القلبي [لإن الرؤية عند العرب ممكن تيجي بمعنى العلم بالقلب ..وبما إن القرآن عربي ونازل على العرب بـ لغتهم ومصطلحاتهم فـ كان من المحتمل إنهم يأوّلوا الآية على إن المعنى هو طلب العلم القلبي بمعنى طلبوا اليقين ..لكن لفظ جهرة قطع الاحتمالات دي كلها وأكدّ على إنهم بيطلبوا الرؤية العينية والحسية]
فكان الطلب صريح ومؤكد إنهم عايزين يشوفوا الله زي مابيشوفوا بعض .. أو بالأصح زي ما كانوا بيشوفوا الأصنام والآلهة الزعومة الي كان بيتم عباداتها قدامهم في مصر!
بعد كل المعجزات دي!! .. بعد كرم ربنا عليكم وإصطفاءه ليكم وتميّزكم بكل المعجزات المتتالية دي ولسه بردو بتعندوا وتطلبوا وتتأمروا ؟؟ ..
الطلب في حد ذاته تجاوز كبير .. ده سيدنا موسى النبي الكليم بنفسه ماكنش مسموحله بتنفيذ الطلب ده .. ما بالك بـ ناس غيره .. ناس يفرق عنهم كتير ..
هو نبي إصطفاه الله وكلّفه بـ حمل تقيل وكان مطلوب منه إنه يقوّم نفوس ضعيفة ماتعرفش معنى اليقين , فـ أي واحد مكانه كان هيحتاج هو اليقين الي يقوّيه على مهمته الصعبة ويثبّته على أي صعاب هيقابلها .. ده غير إنه صام كتير وطهّر قلبه وإرتقى جداً في المنزلة قبل ما يتجرأ ويطلب الطلب ده .. لكنه رغم كل ده ماكنش طلبه من باب التأكد والتيّقن زي ما هما طلبوه , إنما طلبه كان نابع من حب وشوق لرؤية حبيبه .. عايز يشوفه إستئناساً بيه مش من باب المساومة أو التأكد من وجوده .. ما وّقفش إيمانه أو يقينه أو تصديقه للرسالة بـ تنفيذ الطلب و رؤية الله , هو مؤمن بيه في جميع الحالات .. لكنه كان مشتاق يشوفه مش اكتر
بينما هم عُصاة وخاطئين , غلطوا كتير وفي كل غلطة كان ربنا بيسامحهم وبيسمحلهم بفرصة تانية ويبعتلهم معجزة تثبّتهم .. وفوق ده كله طلبهم كان شرطي! .. مش هنؤمن غير لو شوفناه .. بيطلبوا بجرأة وتبجّح ويفرضوا شروطهم رغم كل المعجزات والآيات الي شافوها بعيونهم
فـ كان جزاء طلبهم ده بالطريقة دي هو رجفة مُدمرة أصابتهم فوراً فـ مات الـ70 أجمعين .. (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) .. [آية 155 : سورة الأعراف]
[تم التعبير عن الرجفة في آية تانية بـ الصاعقة .. (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) .. [آية 55 : سورة البقرة]
والصاعقة هي أي أمر هائل رآه الشخص أو أصابه , حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك أو موت أو ذهاب عقل ..وبالتالي الصاعقة ممكن تكون صوت أو نار أو زلزال أو رجفة أو غيره ..وبما إن القرآن جملة واحدة فـ ربنا وضحّلنا نوع الصاعقة الي أصابتهم في آية تانية "وهي الرجفة" ]
سيدنا موسى حس بـ حزن شديد وإحباط وأسى على كل الي بيحصل ده ..لكن وسط ده كله فكّر في باقي القوم وخاف عليهم ..إزاي يسيبهم ومعاه أحسن 70 راجل منهم , ويرجعلهم من غير ولا واحد! ..هيقولهم إيه وهيصدقوه إزاي؟ ..
إبتدا سيدنا موسى بـ دعاء الله إنه يسامحهم ويغفرلهم ومايعاقبهمش بما فعل السفهاء منهم ..(قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) .. [آية 155 : سورة الأعراف]

كرم ربنا ورحمته كانت أكبر من أخطائهم فـ استجاب لدعوة نبيه وأحياهم بعد موتهم! ..ردّ فيهم أرواحهم بعد الموقف العظيم ده والموتة البشعة دي لعلهم يكونوا فهموا وإتعظوا فـ يؤمنوا ويشكروا كرم ربنا عليهم وإحيائه ليهم بعد هلاكهم ..(ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .. [آية 56 : سورة البقرة]

أغلب الظن إنه في اللحظات دي حصلت النبوءة لبني إسرائيل بـ قدوم نبي هيظهر بعد سنين ويكون خاتم الأنبياء والمرسلين
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .. [آية 157 : سورة الأعراف]
في الآية دي ربنا بيربط بين الحاضر والماضي ومابينهما ..بين تلات أزمنة مع بعض ..زمن التوراة وزمن الإنجيل ومُخاطبة الرسول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه ..عشان يبيّن إن البُشرى بسيدنا محمد كانت في التوراة والإنجيل ..وفي الغالب البُشرى في التوراة حصلت في اليوم ده لإنه يوم عظيم حصل فيه -وكمان قبليه- معجزات كتير مُتقاربة ..ده غير إنه كان وسط أفضل 70 رجل في بني إسرائيل فـ من المناسب إن يتم التبشير بالنبي الكريم في الظروف دي بالذات ..ده غير إن التوقيت ده منطقي بسبب ترتيب الآيات
_
كملوا مسيرتهم بإتجاه بلاد الشام ..سيدنا موسى إختار 12 واحد منهم ..عن كل سبط من الأسباط واحد يُمثّلهم كـ نقيب ..(وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَتيْ عَشَرَ نَقِياً )
أمر الـ12 نقيب دول إنهم يروحوا بيت المقدس ويدخلوه ويتحسسوا الأخبار هناك ..يشوفوا الأحوال ويعرفوا مدى قوتهم عشان يجمعوا معلومات مبدئية عن الناس الي هيقاتلوهم ..سيدنا موسى وصّاهم إنهم مايقولوش أي حاجة من الي هيشوفوها هناك غير ليه هو شخصياً بس ..النُقباء نفّذوا الأمر و راحوا و رجعوله بالأخبار ..دخلوا عليه وهو قاعد وسط جماعة من بني إسرائيل فـ قالوله إننا لاقينا الأرض الي بعتّنا ليها مليانة خير و نعيم ..لكن سُكّانها أقوياء ومدينتهم حصينة
بدأ كل نقيب منهم يوّصي السبط الخاص بيه إنه ما يقاتلش لإنهم مش قد القتال ..[بإستثناء 2 من النُقباء كان رأيهم غير كده]
سيدنا موسى أمرهم بدخول الأرض المقدسة والقتال عشان يقدروا يحكموا بيت المقدس ويحموا بيت الله ..الأمر بالدخول هو في واقع الحال أمر بـ فعل الأسباب المؤدية إليه .. بمعنى إنه أمرهم بـ السفر للأرض المقدسة عشان يدخلوها ويقاتلوا الي فيها
كان ده إمتحانهم الأخير بعد كل المعجزات الي مروا بيها والآيات الي شافوها ..كان هو ده هدفهم السامي ..الجهاد في سبيل الله ..جيه دورهم يثبتوا إيمانهم بـ إنهم يحاربوا ناس جبّارين "بيعبدوا الأصنام "
سيدنا موسى كان متوقع إنهم يرفضوا لإنه سبق و جرّبهم في مواقف كتير وكانوا في كل موقف يواجهوه بالعِناد والعصيان ..وده الي خلاه المرادي قبل ما يؤمرهم بالقتال إبتدا بتذكيرهم بـ نِعم الله .. عرض لهم أكرم الذكريات وفكّرهم بالمعجزات عشان تبقى بمثابة الضمانات الي تأكدّ لهم إن قدرة الله ومشيئته هي الي هتنصرهم لو آمنوا بيه وتوّكلوا عليه
قالهم إفتكروا إن بعت ليكم منكم أنبياء وخلاكم زي الملوك في حرية تصرفكم في أنفسكم ..رزقكم الله السلامة من العبودية فأصبحتم تملكون أنفسكم وبيوتكم وأزواجكم وأولادكم ..ومن ثم رزقكم نِعم عديدة ماحدش غيركم إتميّز بيها من العالمين في زمنكم.. حذّرهم من عاقبة الإعراض والإرتداد عن الأمر وعرّفهم إن جزاؤهم هيبقى الخسارة في الدنيا والآخرة.. (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ ﴿20﴾ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) ..[سورة المائدة]
كان رد قومه إنهم خايفين من القتال وإن فيها قوم أقوياء جبّارين [الجبّار مُشتق من الجبر .. بمعنى الإجبار .. لإن الشخص شديد القوة بيجبر الناس على الي هو عايزه]
بدأ بنو إسرائيل الجزع والتذمر والبكاء ..قالوله لو مُتنا في مصر كان أحسن لنا
أكدّوا الإعراض وصمموا على قرارهم بعدم الدخول طول ما أهلها فيها ..فلو أهلها خرجوا منها لأي سبب من الأسباب الي ملهاش علاقة بينا ..ساعتها عندنا إستعداد ندخلها , أما غير كده فـ إحنا مش قدهم ومش هنعرّض نفسنا لمواجهة معاهم ..(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ) ..[آية 22 : سورة المائدة]
كأنهم كانوا بيلمحوا لـ طلب آية جديدة أو شيئ خارق من عند الله يخلي أهل البلد يخرجوا منها فـ يدخلوها هما بـ يُسر و راحة بدون ما يحصلوا على شرف دخولها بـ الجهاد في سبيل الله ..
يُقال إن كان عدد بني إسرائيل الي مع سيدنا موسى في الموقف ده 600 ألف , من بين كل دول مفيش غير اتنين بس هما الي مُستعدين يقاتلوا وبيحاولوا يقنعوهم بالقتال ..[الاتنين دول كانوا من ضمن الـ12 نقيب ..وأغلب الظن إنهم يوشع بن نون "فتى موسى في قصة موسى والخضر " ..وكالب بن يوقنا]
ربنا وصفهم هما الاتنين بإنهم يخافون .. والمقصود يخافون الله ولا يخافون سواه..
لما ربنا جل في عُلاه يوصفهم بـ خوفهم من الله ده يبيّن لنا صدق إيمانهم وخوفهم الحقيقي الخالص من الله وحده لدرجة إنهم ينالوا شرف ذِكرهم في كتاب الله المحفوظ بـ وصف زي ده
ربنا أنعم عليهم بالإيمان والتثبيت والثقة بوعد الله وإطاعة أمره للدرجة الي تخليهم يقفوا قدام قومهم كلهم ويحثوهم على الطاعة
قالولهم توّكلوا على الله وخذوا بالأسباب فـ إدخلوا الأرض المقدسة وقاتلوا ..ساعتها مجرد دخولهم و توّكلهم هيكون سبب في انتصارهم لإن ربنا معاهم وقادر ينصرهم ويحميهم ..(قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ..[آية 23 : سورة المائدة]
لكن ردهم كان صريح وجريئ ومؤّكد بـ 3 أساليب تأكيد [إن / لن / أبداً ] ..(قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ..[آية 24 : سورة المائدة]
الأسوء من الرفض هو طريقته ..سوء الأدب والإستخفاف واللامُبالاة الي أظهروها جعلت سيدنا موسى يتأكد إن مفيش فايدة في الجيل ده , فرعون لسه عايش في قلوبهم بـ آثاره الي سابها فيهم والي محتاجة سنين كتير عشان يتعالجوا منها ويرجعوا لـ فطرتهم الطبيعية السويّة
سيدنا موسى دعا ربه فـ قاله يارب إنت العالم إني لا أملك لـ نصرة دينك إلا أمر نفسي وأمر أخي فـ إحنا على أتم الإستعداد لطاعتك في أي أمر تأمرنا به.. أما قومي فـ قد خرجوا عن طاعتي وفسقوا عن أمرك ..ومدام الأمر كذلك فـ إفصل يارب بيننا وبينهم واحكم بيننا بقضائك العادل بـ أن تعطينا ما نستحق وتجازيهم بما يستحقون ..(قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) ..[آية 25 : سورة المائدة]
وهنا ربنا أصدر الحكم على الجيل ده بـ[التِيه] 40 سنة , بحيث يكونوا خلال الفترة دي ماتوا أو أصابتهم الشيخوخة فـ يتولد بعدهم جيل جديد سويّ ماداقش ذل ولا إتهزم داخلياً .. يتربى على الشريعة والدعوة وعبادة الله الواحد ويفهم التوراة ويؤمن بيها قلباً وقالباً فـ يقدر يقاتل وينتصر ويحكم بيت المقدس ..(قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) .. [آية 26 : سورة المائدة]
المقصود بـ التيه هو بقاءهم في الصحراء من غير أي استقرار .. يمشوا ويمشوا ويستمروا في المشي من غير هدف ولا دليل .. سفر صبح وليل مش عارفين هما فين ولا رايحين على فين ولا هيوصلوا إمتى
أضلهم الله ظاهراً زي ما إختاروا الضلال باطناً ..
[أغلب الظن إن سيدنا موسى وهارون كانوا معاهم في التيه لكن ربنا خفف عنهم المعاناة زي ما سبق وجعل النار برد وسلام على سيدنا إبراهيم]
_
تاه بني إسرائيل في صحراء سيناء .. مشيوا كتير من غير أكل ولا ماء ..شمس حارقة وأجساد مُجهدة محتاجة للغذاء ..إحتياجهم كان شديد لأكل يقوّيهم على تكملة الرحلة .. وبرغم إن التيه كان عقوبة ليهم ومفروض كل المُعاناة الي يواجهوها خلاله يكون من ضمن العقوبة .. إلا إن رحمة ربنا -كالعادة- شملتهم وماسابتهمش .. بعتلهم سبحانه المن والسلوى وظللهم بـ غمام يحميهم من حرارة الشمس..
المن ده مادة طعمها حلو بتفرزها أشجار الفاكهة [قيل إنه شبيه بالعسل / وقيل خبز شبه الرقاق / قيل إنه شراب وقيل إنه طعام .. والرأي الجامع بين الآراء إنه لو اُكل لوحده كان طعام طعمه حلو .. ولو مُزج بالماء بقى شراب طيب , ولو مُزج بغيره بقى مادة تانية جديدة ..
والرأي العام والشامل إن المنّ هو جميع ما أمتن به الله على بني إسرائيل من طعام وشراب وغيرهم من النِعم الي بتجيلهم من غير سعي منهم أو تعب ..]
أما السلوى فـ ده نوع من أنواع الطيور [ يُقال إنه شبه السمان لكن أكبر شوية]
جالهم الشرط إنهم ياخدوا من المن والسلوى المقدار الي يكفيهم في يومهم ومايزيدوش ومايطمعوش ومايخزّنوش أي شيء.. ومايقلقوش لإن في صباح اليوم الي بعده ربنا هيبعتلهم منّ وسلوى جديد كـ رزق لـ يومهم الجديد ..هيفضلوا على الحال ده طوال أيام الأسبوع بإستثناء يوم السبت ..يوم السبت هو اليوم الوحيد الي مش هيبقى فيه نزول للمن أو السلوى على الإطلاق ..وبالتالي الجمعة هيكون الكمية المبعوثة من المنّ والسلوى مُضاعفة عن كل يوم , هيجيلهم نصيب يومين و مسموحلهم يخزّنوا منه عشان ياكلوه يوم السبت
عشان يبقى السبت هو يوم تفرّغ للعبادة .. مطلوب منهم ينسوا السعي لأي حاجة دنيوية .. يسعوا لـ عبادة الله و رضاه .. يطمّنوا بتوفّر إحتياجاتهم بدون جهد منهم في تجميعها فيركزوا على العبادة ومايشغلهمش عنها حاجة
لكن كالعادة هنلاقي مُخالفين للشروط والقوانين .. الي كان بيخالف منهم الأمر ويخزّن المنّ والسلوى في أي يوم كان بيصحى الصبح يلاقيه فاسد وفيه دود ..بينما يوم الجمعة هو اليوم الوحيد الي كان المنّ المُخزّن فيه بيفضل صالح للأكل ومُحتفظ بطعمه ومحفوظ من أي فساد أو دود عشان يقدروا ياكلوه يوم السبت زي ماوعدهم ربهم
حتى لما إشتد العطش بيهم , سيدنا موسى ضرب بـ عصاه الحجر فـ إنفجرت منه 12 عين ميّة !
رقم 12 ماكنش عبثي , إحنا عارفين إن بني إسرائيل بينقسموا لـ12 سبط زي ماحكينا في قصة سيدنا يعقوب .. وبالتالي ربنا بعتلهم 12 عين لكل مجموعة فيهم عين لوحديهم
قيل إن الحجر مقصود بيه حجر معين .. الرأي ده ورد عنه آثار كتير لمفسرين كتير لكن المُحققين من العلماء حكموا على الآثار دي كلها بالضعف
فـ بقى الرأي التاني هو الأرجح وهو إن "الحجر" مقصود بيه إضرب بعصاك أي حجر تختاره ..وبالتالي "ال" التعريف هنا يبقى المُراد بيها تعريف الجنس ..جنس الحجارة نفسه . مش حجر بعينه
الرأي ده أكثر منطقية لإن إنفجار الماء من حجر معين هيفتح المجال لـ بني إسرائيل إنهم يعتقدوا في عظمة الحجر نفسه
بينما إنفجار الماء من حجر عادي تم إختياره عشوائياً هيبقى أقوى وأصدق في إقامة الحجة والبرهان عليهم .. فيزيد إيمانهم ويزيد تصديقهم لنبوة سيدنا موسى وكرامته عند ربنا
(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرََ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ..[آية 160 : سورة الأعراف]
الأسباط هم فرق بني إسرائيل زي ما عرفنا في قصة سيدنا يعقوب .. لكنهم ماكنوش متقسمين عشائِر لما كانوا في مصر , فـ الآية هنا بتعرّفنا إن التقسيم حصل بعد عبورهم البحر وقبل تفجّر الماء
وبعدها جيه ذِكر الإستسقاء بعد التقسيم .. الترتيب ده كان ضروري لإن الماء لو كان تفجّر قبل ما يتقسّموا لـ فرق كانوا هيتخانقوا ويتزاحموا عليه بشكل فوضوي وغير مُنظم .. بعكس الي حصل لما عرفت كل فرقة العين الخاصة بيها فـ بقت تشرب بإطمئنان وإنتظام
لكن رغم الكرم الربّاني ده كله هما زهقوا من المن والسلوى , وإشتاقوا لـ الثوم والبصل والعدس والحاجات التقليدية البسيطة الي كانوا متعودين عليها في مصر
خاطبوا سيدنا موسى بمنتهى البطر والجحود .. قالوله "لن" نصبر على نفس الطعام .. كلامهم بأسلوب النفي القاطع ده وتأكيدهم عليه بـ(لن) بيبيّن سوء أدبهم مع نبيهم .. بيقولوله إحنا من دلوقتي فصاعداً مش هنصبر على الاكل ده تاني .. زي مايكونوا بيهددوه عشان يلجأ للدعاء بسرعة وينفذلهم طلبهم فوراً
سيدنا موسى قالهم إزاي يبقى عندكم لحم طير زي السمان وأكلة تحلّوا بيها كمان زي المن وتسيبوه وتطلبوا العدس والتوم ؟؟ .. بتستبدلوا الأكل الأكرم والأعلى بما هو أدنى ؟؟ .. الي بتطلبوه مش أمر صعب . هو أمر هيّن لدرجة إنه موجود ومتوافر في كل القُرى و الأمصار فمايستاهلش مع كثرته وتوافره ده إني أطلبه وأدعو الله به .. لو كنتوا عايزينه تقدروا تروحوا مصر هتلاقوه [ قيل إن المقصود بـ مصر هي مصر الفراعنة نفسها .. لكنها في الآية كانت بتنوين , وبما إنها ماجتش ممنوعة من الصرف فـ ده خلّى باب التأويل مفتوح لـ إمكانية إن يكون المعنى : أي مصر من الأمصار ؛ لإن البقول والأكل الي بتطلبوه ده موجود في كل البلاد والقُرى والأمصار]
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) .. [آية 61 : سورة البقرة ]
في ختام الآية ربنا بيبيّن لنا عاقبة أفعال بني إسرائيل ونتيجة أخطائهم إنهم بقى محكوم عليهم بالذل والهوان في الدنيا , وغضب الله وسَخَطه في الآخرة
[- الضرب عند العرب يعني إلتصاق الشي بالشيء .. فـ جاء التعبير البليغ بإن الذلة والمسكنة "ضُربت" على بني إسرائيل , أي إلتصقت بيهم ولازمتهم وبقت متأصلة فيهم
- الذلة هي الهوان والحقارة , والمسكنة هي الضعف النفسي والفقر القلبي الي بيستولى على الشخص فيحسسه بالهوان مهما كان عنده أسباب قوة
- الفرق بين الذلة والمسكنة هو إن الذل أسبابه من الخارج , والمسكنة أسبابها من داخل الإنسان نفسه
- البقاء في الذل سنين كتيرة بينتج عنه المسكَنة والضعف النفسي الداخلي
واليهود عاشوا قرون طويلة مُستعبدين ومذلولين لـ أمم مختلفة ومتعددة , وده خلاهم يكتسبوا ذل وهوان داخلي لدرجة إنهم مابيميّزوش بين الحياة الكريمة والذليلة , لدرجة إنهم ممكن يفضلّوا الذل على الكرامة لمجرد إنه بيحقق لهم غرض دنيوي نفسهم فيه .. ومهما كترت قوتهم او أموالهم أو أسباب نعيمهم بيستمروا في إدّعاء الفقر والبؤس وإظهاره للناس..
وبكده تكون الآية الكريمة وصفت بني إسرائيل بـ بجحود النعم ، وسوء الأدب , وحماقة التفكير ، وهوان النفس ، وبلادة الطبع ، وبطر الحق ، والبغي على أنفسهم وعلى غيرهم.. وهو ده الي بنشوفه مؤيد بالمواقف والأحداث الصادرة من بني إسرائيل في كل زمان ومكان
ومن عدل ربنا ورحمته إنه بعد ما ذكر لنا مواقف بني إسرائيل السيئة وصفاتهم القبيحة وجزاءهم الذميم .. فكّرنا و وضّح لنا إنهم مش كلهم كده .. العقاب مش عام وزي ما كان جزاء الإساءة عذاب , فـ جزاء الإحسان إحسان
وبالتالي فـ من آمن منهم بـ أنبيائهم –قبل بعثة سيدنا محمد- وصدّق آيات ربه واجتهد في العمل الصالح فهو مُنعّم في آخرته لا خوف عليه ولا حزن يصيبه ..
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) .. [آية 62 : سورة البقرة]
_
في يوم من الأيام لاقوا جثة واحد غني مقتول , أهل القتيل ماعرفوش مين الي قتله فـ لما يأسوا وتعبوا لجأوا لسيدنا موسى وقالوله يلجأ لـ ربه [ويُحكى إن القتيل كان غني جداً وملوش أي وريث غير ابن أخ واحد فقير جداً .. فلما ابن اخوه حس إنه طال عليه الزمن ولسه عمه ما ماتش , قتله بنفسه عشان يورثه . بعدها راح لسيدنا موسى عشان يتظلّم عنده ويدّعي على ناس تانية إنهم هما الي قتلوه فـ يبعد عن نفسه التهمة ..وقيل إنه نقل الجثة عند بيت الناس دي , أو عند باب أحد الأسباط عشان تكون التُهمة مُوجهة ليهم ..
بطبيعة الحال الناس دول أنكروا كل الإنكار وحاولوا يثبتوا حقيقة إن ملهمش يد في الموضوع .. فلما إختلفوا وتنازعوا ومابقوش عارفين الحقيقة فين كان اللجوء الوحيد لله و رسوله إنهم يظهروا مين القاتل الحقيقي ..(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) ..[آية 72 : سورة البقرة] ..]
سيدنا موسى قالهم ربنا بيأمركم تدبحوا بقرة , لما تنفّذوا الأمر وتذبحوها هتعرفوا عن طريقها مين القاتل ..[إختيار البقرة مكنش من فراغ ..كالعادة الاوامر الربّانية كلها بتكون مُحاطة بـ حِكمة عظيمة .. والحكمة المرادي في رأي المفسرين إنه سبحانه أمرهم بـ ذبح نفس المخلوق الي كانوا مُعجبين بـ تماثيله وطقوس تعظيمه لما طلبوا إن يكونلهم إله زيه (حاتحور) , ومن ثم تطوّر الوضع معاهم وعبدوا العجل وهو من نفس الفصيلة ..فـ كان الأمر بـ قتل البقرة عشان يعرفوا إنها مخلوق ضعيف لا يستحق العبادة]
كان المفروض والطبيعي إنهم ينفذوا الأمر على طول ويدبحوا أول بقرة تقابلهم بما إن الأمر جيه من غير تحديد مواصفات
لكنهم عملوا عكس كده وابتدوا اسئلة ومفاوضات ..رجعوا لسوء الظن وسوء الأدب مع سيدنا موسى وإتهموه إنه بيسخر منهم , سيدنا موسى إستعاذ بالله إنه يكون جاهل بعظمة الله فـ يسخر من ناس لجأوا لله ..(وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ..[آية 67 : سورة البقرة]
فهمّهم إن حل قضيتهم هيكون في ذبح البقرة , وبما إنه أمر إلاهي فـ كان المفروض يصدقوا ويسلّموا ويثقوا في الله
الأمر هنا ربّاني ,بيتضمن معجزة ,يعني حاجة ملهاش علاقة بالأسباب المنطقية والفلسفة البشرية الي بتحكم حياتهم العادية ..لكن هما نسيوا ده كله وكان تفكيرهم عقلاني
فـ سألوا سيدنا موسى ,, ياترى المقصود بقرة عادية زي الأبقار الي احنا عارفينها؟ ولا مخلوق مختلف ليه مزايا خاصة؟ ..إسأل لينا ربك يا موسى عشان يوضّح لنا ماهيتها ..(ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ) ..[آية 68 : سورة البقرة]
فـ دعا سيدنا موسى ربه ..وجيه الخبر إنها بقرة متوسطة في العمر , لا هي كبيرة عجوزة , ولا هي صغيرة و فتيّة ..إنما سنها متوسط ما بين الحالتين فـ ابتعدوا عن كثرة الأسئلة وامتثلوا لأمر الله في أسرع وقت.. (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ) ..[آية 68 : سورة البقرة]
بني إسرائيل ما إكتفوش ..فـ سألوا مرة تانية ..لونها إيه ؟ ..بيطلبوا من النبي يكلم ربه مخصوص عشان يسألوه عن لونها !! ..طلبهم بـ إتصال سيدنا موسى المتكرر مع ربه عشان نفس الموضوع رغم إنه موضوع بسيط مش محتاج ده كله , كان فيه تجاهل واضح لـ وقار الله , نسيوا إن الكلام مع الله ودعاؤه ليه أداب لازم يحترموها خصوصاً لما يكون في أمر ربّاني وإستجابة لـ طلبهم في معرفة قاتل قريبهم
لكن سيدنا موسى صبر عليهم وسأل ربه ليهم ..فـ كانت الإجابة إنها بقرة صفراء لونها صافي خالي من أي شوائب , شديدة الصفرة لدرجة إنه يُقارب على البياض , زاهي مُريح ومُفرح لكل الي نظره يقع عليها ..( قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) ..[آية 69 : سورة البقرة]
زادوا في السؤال واستزادوا من التفاصيل ..قالوله احنا بقينا شايفين البقر كله شبه بعضه ومابقيناش عارفين انهي بقرة فيهم ..اسأل ربك يبيّن لنا صفاتها ويدلنا على ماهيتها ..(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) ..[آية 70 : سورة البقرة]
تفكيرهم كان ولازال في إعتقاد إن البقرة المطلوبة هي بقرة مُحددة مميزة عن غيرها ..وكأن المعجزة هتتحقق عن طريق بقرة معينة مش بـ قدرة الله ومشيئته ..بينما الواقع إنهم لو كانوا جابوا أي بقرة يقابلوها وذبحوها كان ربنا في الحال حققلهم المعجزة وجعل البقرة الي اختاروها صالحة للمعجزة .. لإن الفكرة هي بيان قدرة الله وإحداث المعجزة عن طريق بقرة ما . أياً كانت صفاتها
فـ كان الرد المرادي مُحدد لأقصى درجة ..قالهم إنها مُكرّمة مابيستعملوهاش في الحرث ولا السقاية .. (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ)
صحيحة سليمة مافيهاش عيب (مُسَلَّمَةٌ )
لونها صافي مابيختلطش بأي لون تاني (لاَّ شِيَةَ فِيهَا)
قالوله دلوقتي بس عرفنا الوصف الواضح الدقيق الي مافيهوش أي إشتباه والي يخلينا نقدر نميّزها عن غيرها ..(قَالُواْ الآن جِئْتَ بالحق)
إستخدام القرآن للأ